الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : ويثبت رمضان برؤية هلاله أو بعد شعبان ثلاثين يوما ) لحديث الصحيحين { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما } والوجه في إثبات الرمضانية والعيد أن يدعي عند القاضي بوكالة رجل معلقة بدخول رمضان بقبض دين فيقر الخصم بالوكالة وينكر دخول رمضان فيشهد الشهود بذلك فيقضي القاضي عليه بالمال فيثبت مجيء رمضان ; لأن إثبات مجيء رمضان لا يدخل تحت الحكم حتى لو أخبر رجل عدل القاضي بمجيء رمضان يقبل ويأمر الناس بالصوم يعني في يوم الغيم

ولا يشترط لفظ الشهادة وشرائط القضاء أما في العيد فيشترط لفظ الشهادة ، وهو يدخل تحت [ ص: 284 ] الحكم ; لأنه من حقوق العباد كذا في الخلاصة من كتاب الشهادات وبهذا علم أن عبارة المصنف في الوافي أولى وأوجز ، وهي : ويصام برؤية الهلال أو إكمال شعبان ; لأن الصوم لا يتوقف على الثبوت وليس يلزم من رؤيته ثبوته لما تقدم أن مجرد مجيئه لا يدخل تحت الحكم ، ولم يتعرض لوجوب التماسه ، ولا شك في وجوبه على الناس وجوب كفاية ، وينبغي في كلام بعضهم بمعناه ووقته ليلة الثلاثين ; ولهذا قال في الاختيار : يجب التماسه في اليوم التاسع والعشرين وقت الغروب ، وقول بعضهم في التاسع والعشرين تساهل نعم لو رئي في التاسع والعشرين بعد الزوال كان كرؤيته ليلة الثلاثين اتفاقا ، وإنما الخلاف في رؤيته قبل الزوال يوم الثلاثين فعند أبي حنيفة ومحمد هو للمستقبلة

وعند أبي يوسف هو للماضية والمختار قولهما لكن لو أفطروا لا كفارة عليهم ; لأنهم أفطروا بتأويل ذكره قاضي خان ، وفي الفتاوى الظهيرية وتكره الإشارة عند رؤية الهلال تحرزا عن التشبه بأهل الجاهلية .

وأشار المصنف إلى أنه لا عبرة بقول المنجمين قال في غاية البيان : ومن قال : يرجع فيه إلى قولهم فقد خالف الشرع ; لأنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { من أتى كاهنا أو منجما فصدقه بما قال فهو كافر بما أنزل على محمد } ( قوله : ولا يصام يوم الشك إلا تطوعا ) وهو استواء طرفي الإدراك من النفي والإثبات ، وموجبه هنا أحد أمرين إما أن يغم عليهم هلال رمضان ، أو هلال شعبان فأكملت عدته ، ولم ير هلال رمضان ; لأن الشهر ليس الظاهر فيه أن يكون ثلاثين بل يكون تسعة وعشرين كما يكون ثلاثين فيستوي هاتان الحالتان بالنسبة إليه كما يعطيه الحديث المعروف في الشهر فاستوى الحال حينئذ في الثلاثين أنه من المنسلخ أو المستهل إذا كان غيم فيكون مشكوكا بخلاف ما إذا لم يكن ; لأنه لو كان من المستهل لرئي عند الترائي فلما لم ير كان الظاهر أن المنسلخ ثلاثون فيكون هذا اليوم منه غير مشكوك في ذلك كذا ذكروا

وقد قدمنا عن البدائع أن كونه ثلاثين هو الأصل ، والنقصان عارض ; ولهذا وجب على المريض الذي أفطر رمضان قضاء ثلاثين يوما إذا لم يعلم صوم أهل بلده فلو كان على السواء لم يلزم الزائد بالشك ; لأن ظهور كونه كاملا إنما هو عند الصحو أما عند الغيم فلا إلا أن [ ص: 285 ] يقال : الأصل الصحو والغيم عارض ، ولا عبرة به قبل تحققه ، وهم إنما ذكروا التساوي عند تحقق الغيم ، ولم يتعرض لصفة صوم غير التطوع ، ولا لصفته من الإباحة والاستحباب أما صوم غير التطوع ، فإن جزم بكونه عن رمضان كان مكروها كراهة تحريم للتشبه بأهل الكتاب ; لأنهم زادوا في صومهم ، وعليه حمل حديث النهي عن التقدم بصوم يوم أو يومين ، وفي استحبابه إن وافق صوما كان يعتاده على الأصح ، ويجزئه إن بان أنه من رمضان لما تقدم ، وإلا فهو تطوع غير مضمون بالإفساد ; لأنه في معنى المظنون ، وإن جزم بكونه عن واجب آخر فهو مكروه كراهة تنزيه التي مرجعها خلاف الأولى ; لأن النهي عن التقدم خاص بصوم رمضان لكن كره لصورة النهي المحمول على رمضان فإن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه لما عرف إن كان مقيما وإلا أجزأه عن الذي نواه كما لو ظهر أنه من شعبان على الأصح

وإن جزم بالتطوع فلا كلام في عدم كراهته وإنما الخلاف في استحبابه إن لم يوافق صومه والأفضل أن يتلوم ، ولا يأكل ، ولا ينوي الصوم ما لم يتقارب انتصاف النهار فإن تقارب ، ولم يتبين الحال اختلفوا فيه فقيل الأفضل صومه وقيل فطره وعامة المشايخ على أنه ينبغي للقضاة والمفتين أن يصوموا تطوعا ، ويفتوا بذلك خاصتهم ويفتوا العامة بالإفطار ، وكان محمد بن سلمة وأبو نصر يقولان : الفطر أحوط ; لأنهم أجمعوا أنه لا إثم عليه لو أفطروا واختلفوا في الصوم قال بعضهم : يكره ويأثم كذا في الفتاوى الظهيرية ، وقولهم : يصوم القاضي والمفتي المراد أنه يصوم من تمكن من ضبط نفسه عن الإضجاع عن النية وملاحظة كونه عن الفرض إن كان غد من رمضان ; ولهذا قالوا : ويفتوا بالصوم خاصتهم وأما إذا ردد فإن كان في أصلها كأن نوى أن يصوم غدا عن رمضان إن كان رمضان وإلا فليس بصائم وهذه صحيحة فليس بصائم ، وفي الفتاوى الظهيرية

وعن محمد ينبغي أن يغرم ليلة يوم الشك على أنه إن كان غد من رمضان فهو صائم عن رمضان ، وإن لم يكن من رمضان فليس بصائم ، وهذا مذهب أصحابنا ا هـ .

وإن ردد في وصفها فله صورتان أحدهما ما إذا نوى أن يصوم عن رمضان إن كان غد منه وإلا فعن واجب آخر ، وهو مكروه لتردده بين مكروهين فإن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه وإلا كان تطوعا غير مضمون بالإفساد ، ولا يكون عن الواجب لعدم الجزم به والثانية إذا نوى أن يصوم عن رمضان إن كان منه وإلا فتطوع فهو مكروه لنية الفرض من وجه ، فإن ظهر أنه منه أجزأه ، وإلا فتطوع غير مضمون لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه ، ولم يتعرض المصنف لصوم ما قبله وصرح في الكافي بأنه إن وافق يوم الشك صوما كان يصومه فالصوم أفضل وكذا إن صام كله أو نصفه أو ثلاثة من آخره ، ولم يقيد بكون صوم الثلاثة عادة وصرح في التحفة بكراهة الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين لمن ليس له عادة لقوله عليه السلام { لا تتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم } وإنما كره خوفا من أن يظن أنه زيادة على رمضان إذا اعتادوا ذلك فالحاصل أن من له عادة فلا كراهة في حقه مطلقا ، ومن ليس له عادة فلا كراهة في التقدم بثلاثة فأكثر ويكره في اليوم واليومين ، وأما صوم الشك فلا يكره بنية [ ص: 286 ] التطوع مطلقا .

التالي السابق


( قوله : فيقر الخصم بالوكالة ) قال الرملي : عبارة النهر فيقر بالدين والوكالة ، وينكر الدخول وكلاهما مشكل ; إذ لا ينفذ الإقرار على الغائب بقبض المدعي من المدعى عليه ا هـ .

قلت : لا إشكال على عبارة النهر فإنه إذا أقر بالدين والوكالة جميعا صح إقراره ; لأنه أقر بثبوت حق القبض له في ملك نفسه ; لأن الديون إنما تقضى بأمثالها لا بأعيانها بخلاف ما إذا كانت دعوى الوكيل قبض عين هي وديعة للموكل فإنه لا يصح إقرار الغريم بها ; لأنه إقرار بثبوت حق القبض للوكيل في ملك الموكل فلا يصح ، وأما إذا أقر بالوكالة وجحد الدين فلا يكون الوكيل خصما بإثبات الحق إلا بإثبات وكالته ; لأن إقرار الغريم ليس بحجة كإقرار الوكيل نص على ذلك كله في شرح أدب القضاء للخصاف

[ ص: 284 ] ( قوله : لأن الصوم لا يتوقف على الثبوت إلخ ) قال في النهر : ليس في كلامه ما يفيد توقف الصوم على ثبوته يعني عند القاضي كما اقتضاه كلامه بل إن السبب لثبوته أحد هذين لا غير ا هـ .

والظاهر أن المراد بالثبوت اللزوم والوجوب أي ويلزم صوم رمضان برؤية هلاله إلخ أو المراد التبين كما قاله الرملي ( قوله : وينبغي في كلام بعضهم بمعناه ) قال في الهداية : وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان أي يجب عليهم ، وفيه تساهل ، فإن الترائي إنما يجب ليلة الثلاثين لا في اليوم الذي هو عشيته كذا في الفتح قال في الحواشي السعدية : وفيه بحث فإنه يبدأ بالالتماس قبل الغروب ا هـ .

وأنت خبير بأن ينبغي حيث كان بمعنى يجب فالتساهل باق ; إذ لا وجوب قبله كذا في النهر

( قوله : من أتى كاهنا إلخ ) نقل في الإمداد عن شرح المنظومة لابن الشحنة أن المراد بالكاهن والعراف في الحديث من يخبر بالغيب أو يدعي معرفته فما كان هذا سبيله لا يجوز ، ويكون تصديقه كفرا أما أمر الأهلة فليس من هذا القبيل بل معتمدهم فيه الحساب القطعي فليس من الإخبار عن الغيب أو دعوى معرفته في شيء ألا ترى إلى قوله تعالى { وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } والله - تعالى - أعلم ( قوله : إما أن يغم عليهم هلال رمضان أو هلال شعبان إلخ ) فالشك في اليوم الثلاثين على الأول هل هو من رمضان أو من شعبان وعلى الثاني هل هو الثلاثون أو الحادي والثلاثون ، وفي شرح الشيخ إسماعيل عن البرجندي : ويحتمل أن يحصل الشك برد الشهادة ، وفي شرح المختار الشك بأن يتحدث الناس بالرؤية ، ولا يثبت ا هـ .

لكن قال في الفتح ومما ذكر فيه من كلام غير أصحابنا ما إذا شهد من ردت شهادته ، وكأنهم لم يعتبروا ذلك ; لأنه إن كان في الصحو فهو محكوم بغلطه عندنا لظهوره فمقابله موهوم لا مشكوك ، وإن كان في غيم فهو شك ، وإن لم يشهد به أحد ا هـ .

ويخالفه ما في المجتبى ونقله عنه في المعراج يوم الشك هو ما إذا لم ير علامة ليلة الثلاثين ، والسماء متغيمة ، أو شهد واحد فردت شهادته أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما فأما إذا كانت السماء مصحية ، ولم ير الهلال أحد فليس بيوم الشك ، ولا يجوز صومه ابتداء لا فرضا ، ولا نفلا لكن بقي شيء ، وهو أن الشك يتحقق

وإن لم يكن علة على القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع لجواز تحقق الرؤية في بلدة أخرى نعم على مقابله ليس بشيء كما في الدر المختار عن الزاهدي بل في السراج عن الإيضاح لو لم يغم هلال شعبان وكانت مصحية يحتمل أن يقال : ليس بشك ، وأن يقال : إنه شك للتقصير في طلب الهلال أو لعدم إصابة المطالع ا هـ .

لكن قال في النهر بعد نقله : ولو قيل بأن الأول بناء على أنه لا اعتبار باختلاف المطالع والثاني على اعتبارها لم يبعد ( قوله : فلو كانا على السواء لم يلزم الزائد بالشك ) قال الرملي لقائل أن يقول وجب على المريض قضاء ثلاثين احتياطا للخروج عن [ ص: 285 ] عهدة الواجب

( قوله : وعامة المشايخ على أنه ينبغي إلخ ) قال في النهر : هذا يفيد أن التلوم أفضل في حق الكل وأن من لا يقدر على الجزم بنية النفل فهو من العامة ا هـ .

وفي هذه الإفادة تأمل وظاهر الهداية خلافها ( قوله : عن الإضجاع عن النية ) أي الترديد فيها وكان عليه أن يأتي بفي بدل عن كما في الهداية قال في النهاية التضجيع في النية التردد فيها ، وأن لاينها من ضجع في الأمر إذا ، وهي فيه وقصر كذا في المغرب ( قوله : ويكره في اليوم واليومين ) مقتضى ما مر من حمل حديث النهي عن التقدم بيوم أو يومين على أنه من رمضان عدم الكراهة وممن صرح بحمل الحديث على ذلك صاحب الهداية وشراحها وظاهر ما مر عن التحفة خلافه ، وفي الشرنبلالية قال في الفوائد : والمراد بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم { لا تقدموا } إلخ التقديم على قصد أن يكون من رمضان ; لأن التقديم بالشيء على الشيء أن ينوي به قبل حينه وأوانه ووقته وزمانه ، وشعبان وقت التطوع فإذا صام عن شعبان لم يأت بصوم رمضان قبل زمانه وأوانه فلا يكون هذا تقدما عليه ا هـ .

كذا بخط أستاذي رحمه الله تعالى وبهذا تنتفي كراهة صوم الشك تطوعا ا هـ . كلام الشرنبلالية

وفي المعراج عن الإيضاح : لا بأس بصوم يوم أو يومين أو ثلاثة قبل رمضان لما روي أنه عليه الصلاة والسلام { كان يصل شعبان برمضان } والمراد بقوله { لا تقدموا } الحديث استقبال الشهر بصوم منه ; لأنه يصير زيادة على الفرض ، وفي العناية وغيرها فإن قيل فما فائدة قوله يوم ويومين وحكم الأكثر من ذلك كذلك أجيب بأن يوما ويومين ما وصل إلى حد الكثرة فيجوز أن يتوهم بأن القليل معفو فيجوز كما في كثير من الأحكام فنفى ذلك ، وفي السعدية يجوز أن يجاب بأن المحتمل هو التقدم بيوم أو يومين كما هو الواقع من الممارسين بعلم حساب النجوم [ ص: 286 ] وغيرهم لكن قال في الفتح : يمكن أن يحمل الحديث على ما قاله في الهداية ويكره صومها لمعنى ما في التحفة يعني قوله : وإنما كره إلى آخر ما مر فتأمل وما في التحفة أوجه ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث