الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين

براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين افتتحت السورة كما تفتتح العهود وصكوك العقود بأدل كلمة على الغرض الذي يراد منها كما في قولهم : هذا ما عهد به فلان ، وهذا ما اصطلح عليه فلان وفلان ، وقول الموثقين : باع أو وكل أو تزوج ، وذلك هو مقتضى الحال في إنشاء الرسائل والمواثيق ونحوها .

[ ص: 103 ] وتنكير براءة تنكير التنويع ، وموقع براءة مبتدأ ، وسوغ الابتداء به ما في التنكير من معنى التنويع للإشارة إلى أن هذا النوع كاف في فهم المقصود كما تقدم في قوله تعالى : المص كتاب أنزل إليك

والمجروران في قوله : من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم في موضع الخبر لأنه المقصود من الفائدة . أي : البراءة صدرت من الله ورسوله .

و " من " ابتدائية ، و " إلى " للانتهاء لما أفاده حرف " من " من معنى الابتداء . والمعنى أن هذه براءة أصدرها الله بواسطة رسوله إبلاغا إلى الذين عاهدتم من المشركين .

والبراءة الخروج والتفصي مما يتعب ورفع التبعة . ولما كان العهد يوجب على المتعاهدين العمل بما تعاهدوا عليه ويعد الإخلاف بشيء منه غدرا على المخلف ، كان الإعلان بفسخ العهد براءة من التبعات التي كانت بحيث تنشأ عن إخلاف العهد ، فلذلك كان لفظ " براءة " هنا مفيدا معنى فسخ العهد ونبذه ليأخذ المعاهدون حذرهم . وقد كان العرب ينبذون العهد ويردون الجوار إذا شاءوا تنهية الالتزام بهما ، كما فعل ابن الدغنة في رد جوار أبي بكر عن قريش ، وما فعل عثمان بن مظعون في رد جوار الوليد بن المغيرة إياه قائلا رضيت بجوار ربي ولا أريد أن أستجير غيره . وقال تعالى : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين أي : ولا تخنهم لظنك أنهم يخونونك فإذا ظننته فافسخ عهدك معهم .

ولما كان الجانب الذي ابتدأ بإبطال العهد وتنهيته ، هو جانب النبيء - صلى الله عليه وسلم - بإذن من الله ، جعلت هذه البراءة صادرة من الله لأنه الآذن بها ، ومن رسوله لأنه المباشر لها . وجعل ذلك منهى إلى المعاهدين من المشركين لأن المقصود إبلاغ ذلك الفسخ إليهم وإيصاله ليكونوا على بصيرة فلا يكون ذلك الفسخ غدرا .

والخطاب في قوله : عاهدتم للمؤمنين . فهذه البراءة مأمورون بإنفاذها .

واعلم أن العهد بين النبيء - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين كان قد انعقد على صور مختلفة ، فكان بينه وبين أهل مكة ومن ظاهرهم عهد الحديبية : [ ص: 104 ] أن لا يصد أحد عن البيت إذا جاء ، وأن لا يخاف أحد في الشهر الحرام ، وقد كان معظم قبائل العرب داخلا في عقد قريش الواقع في الحديبية لأن قريشا كانوا يومئذ زعماء جميع العرب ، ولذلك كان من شروط الصلح يومئذ : أن من أحب أن يدخل في عهد محمد دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه ، وكان من شروط الصلح وضع الحرب عن الناس سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض ، فالذين عاهدوا المسلمين من المشركين معروفون عند الناس يوم نزول الآية . وهذا العهد ، وإن كان لفائدة المسلمين على المشركين ، فقد كان عديله لازما لفائدة المشركين على المسلمين ، حين صار البيت بيد المسلمين بعد فتح مكة فزال ما زال منه بعد فتح مكة وإسلام قريش وبعض أحلافهم .

وكان بين المسلمين وبعض قبائل المشركين عهود ; كما أشارت إليه سورة النساء في قوله تعالى : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق الآية . وكما أشارت إليه هذه السورة في قوله تعالى : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا الآية .

وبعض هذه العهود كان لغير أجل معين ، وبعضها كان لأجل قد انقضى ، وبعضها لم ينقض أجله . فقد كان صلح الحديبية مؤجلا إلى عشر سنين في بعض الأقوال وقيل : إلى أربع سنين ، وقيل : إلى سنتين . وقد كان عهد الحديبية في ذي القعدة سنة ست ، فيكون قد انقضت مدته على بعض الأقوال ، ولم ينقض على بعضها ، حين نزول هذه الآية . وكانوا يحسبون أنه على حكم الاستمرار وكان بعض تلك العهود مؤجلا إلى أجل لم يتم ، ولكن المشركين خفروا بالعهد في ممالاة بعض المشركين غير المعاهدين ، وفي إلحاق الأذى بالمسلمين ، فقد ذكر أنه لما وقعت غزوة تبوك أرجف المنافقون أن المسلمين غلبوا فنقض كثير من المشركين العهد ، وممن نقض العهد بعض خزاعة ، وبنو مدلج ، وبنو خزيمة أو جذيمة ، كما دل عليه قوله تعالى : ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأعلن الله لهؤلاء هذه البراءة ليأخذوا حذرهم ، وفي ذلك تضييق عليهم إن داموا على الشرك ; لأن الأرض صارت لأهل الإسلام كما دل عليه قوله - تعالى - بعد فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله

[ ص: 105 ] وإنما جعلت البراءة شأنا من شئون الله ورسوله ، وأسند العهد إلى ضمير المسلمين : للإشارة إلى أن العهود التي عقدها النبيء - صلى الله عليه وسلم - لازمة للمسلمين وهي بمنزلة ما عقدوه بأنفسهم ; لأن عهود النبيء - عليه الصلاة والسلام - إنما كانت لمصلحة المسلمين ، في وقت عدم استجماع قوتهم ، وأزمان كانت بقية قوة للمشركين ، وإلا فإن أهل الشرك ما كانوا يستحقون من الله ورسوله توسعة ولا عهدا لأن مصلحة الدين تكون أقوم إذا شدد المسلمون على أعدائه ، فالآن لما كانت مصلحة الدين متمحضة في نبذ العهد الذي عاهده المسلمون المشركين أذن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالبراءة من ذلك العهد ، فلا تبعة على المسلمين في نبذه ، وإن كان العهد قد عقده النبيء - صلى الله عليه وسلم - ليعلموا أن ذلك توسعة على المسلمين ، على نحو ما جرى من المحاورة بين عمر بن الخطاب وبين النبيء - صلى الله عليه وسلم - يوم صلح الحديبية ، وعلى نحو ما قال الله - تعالى - في ثبات الواحد من المسلمين لاثنين من المشركين ، على أن في الكلام احتباكا ، لما هو معروف من أن المسلمين لا يعملون عملا إلا عن أمر من الله ورسوله ، فصار الكلام في قوة : براءة من الله ورسوله ، ومنكم ، إلى الذين عاهدوا الله ورسوله وعاهدتم ، فالقبائل التي كان لها عهد مع المسلمين حين نزول هذه السورة قد جمعها كلها الموصول في قوله : إلى الذين عاهدتم من المشركين . فالتعريف بالموصولية هنا لأنها أخصر طريق للتعبير عن المقصود ، مع الإشارة إلى أن هذه البراءة براءة من العهد ، ثم بين بعضها بقوله : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث