الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2524 باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أي : هذا باب في بيان أن اليمين على المدعى عليه دون المدعي .

                                                                                                                                                                                  قوله : " في الأموال والحدود " يعني سواء كان اليمين الذي على المدعى عليه في الأموال أو الحدود ، وأراد به أن هذا الحكم عام ، وقال بعضهم : يشير به إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود .

                                                                                                                                                                                  ( قلت ) : هذه الترجمة مشتملة على حكمين : الأول : أن اليمين على المدعى عليه وهو يستلزم شيئين : أحدهما : أن لا يجب يمين الاستظهار ، وفيه اختلاف العلماء وهو أن المدعي إذا أثبت ما يدعيه ببينة فللحاكم أن يستحلفه أن بينته شهدت بحق ، وإليه ذهب شريح وإبراهيم النخعي والأوزاعي والحسن بن حي ، وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم عن الحسن أن عليا رضي الله تعالى عنه استحلف عبد الله بن الحر مع بينته ، وذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد إلى أنه لا يمين عليه ، وقال إسحاق : إذا استراب الحاكم أوجب ذلك ، والحجة لهم حديث ابن مسعود الذي مضى في الباب السابق من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقل للأشعث : تحلف مع البينة ، فلم [ ص: 243 ] يوجب على المدعي غير البينة ، وأيضا قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء الآية ، فأبرأه الله تعالى من الجلد بإقامة أربعة شهداء من غير يمين ، والآخر أن لا يصح القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي ; لأن الشارع جعل اليمين على المدعى عليه ، وفيه اختلاف أيضا نذكره عن قريب .

                                                                                                                                                                                  والحكم الثاني : أن اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود ، وفيه اختلاف أيضا ، فذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنكاح ونحوه ، واستثنى مالك النكاح والطلاق والعتاق والفدية ، فقال : لا يجب في شيء منها اليمين حتى يقيم المدعي البينة ولو شاهدا واحدا ، وقال الكوفيون : يختص اليمين بالمدعى عليه في الأموال دون الحدود ، وفي التوضيح : قام الإجماع على استحلاف المدعى عليه في الأموال ، واختلفوا في الحدود والطلاق والنكاح والعتق ، فذهب الشافعي إلى أن اليمين واجبة على كل مدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة ، وسواء كانت الدعوى في دم أو جراح أو طلاق أو نكاح أو عتق أو غير ذلك ، واحتج بحديث الباب : شاهداك أو يمينه ، قال : ولم يخص مدعي مال دون مدعي دم أو غيره ، بل الواجب أن يحمل على العموم ، ألا يرى أنه جعل القسامة في دعوى الدم ، وقال للأنصار : يبرئكم يهود بخمسين يمينا ، والدم أعظم حرمة من المال ، وقال الشافعي وأبو ثور : إذا ادعت المرأة على زوجها خلعا أو طلاقا وجحد الزوج الطلاق فعليها البينة وإلا يستحلف الزوج ، وإن ادعى الخلع على مال فأنكرت ، فإن أقام البينة لزمها المال وإلا حلفت ولزم الزوج الفراق لأنه أقر به ، وإن ادعى العبد العتق ولا بينة له يستحلف السيد ، فإن حلف برئ ، وإن ادعى السيد أنه أعتقه على مال وأنكر العبد حلف ، ولزم السيد العتق ، وكان أبو يوسف ومحمد يريان بأن يستحلف على النكاح فإن أبى ألزم النكاح .

                                                                                                                                                                                  ( قلت ) : مذهب أبي حنيفة أن المدعى عليه لا يستحلف في النكاح بأن يدعي على امرأة نكاحا وهي تجحد ، أو ادعت هي كذلك وهو يجحد .

                                                                                                                                                                                  ولا في الرجعة بأن ادعى بعد انقضاء عدتها أنه كان راجعها في العدة وهي تجحد ، أو ادعت هي كذلك وهو يجحد ، ولا في فيء الإيلاء بأن ادعى بعد مضي مدة الإيلاء أنه فاء إليها في المدة وهي تجحد ، أو ادعت المرأة كذلك وهو يجحد .

                                                                                                                                                                                  ولا في الاستيلاد بأن ادعت الأمة على سيدها أنها ولدت منه وأنكر المولى ، ولا يتصور العكس من قبله عليها لأن الاستيلاد يثبت بإقراره .

                                                                                                                                                                                  ولا في الرق بأن ادعى على مجهول النسب أنه عبده ، أو ادعى مجهول النسب أنه معتقه .

                                                                                                                                                                                  ولا في النسب بأن ادعى الولد على الوالد أو الوالد على الولد ، وأنكر الآخر .

                                                                                                                                                                                  ولا في الولاء بأن ادعى على معروف النسب أنه معتقه ، أو ادعى معروف النسب أنه معتقه ، أو كان ذلك في الموالاة ، وقال أبو يوسف ومحمد : يستحلف في الكل ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد .

                                                                                                                                                                                  ولا يستحلف باتفاق أصحابنا في الحد بأن قال رجل لآخر : لي عليك حد قذف وهو ينكر لا يستحلف لأنه يندرئ بالشبهات إلا إذا تضمن حقا بأن علق عتق عبده بالزنا ، وقال : إن زنيت فأنت حر فادعى العبد أنه زنى ولا بينة له عليه ، يستحلف المولى حتى إذا نكل ثبت العتق دون الزنا ، وقال القاضي الإمام فخر الدين المعروف بقاضيخان : الفتوى على أنه يستحلف المنكر في الأشياء الستة المذكورة ، وذكر ابن المنذر عن الشعبي والثوري وأصحاب الرأي أنه لا يستحلف على شيء من الحدود ولا على القذف ، وقالوا : يستحلف على السرقة فإن نكل لزمه المال ، وعند مالك : لا يمين في النكاح والطلاق والعتق والفرقة إلا أن يقيم المدعي شاهدا واحدا ، فإذا أقامه استحلف المدعى عليه ، وقال ابن حبيب : إذا أقامت المرأة أو العبد شاهدا واحدا على أن الزوج طلقها أو أن السيد أعتقه ، فاليمين تكون على السيد والزوج ، فإن حلفا سقط عنهما الطلاق والعتق ، وهذا قول مالك وابن الماجشون وابن كنانة ، وقال في المدونة : فإن نكل قضي بالطلاق والعتق ، ثم رجع مالك فقال : لا يقضى بالطلاق ويسجن ، فإن طال سجنه دين وترك ، وبه قال ابن القاسم ، وطول السجن عنده سنة .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية