الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 130 ) مسألة قال : والتسمية عند الوضوء . ظاهر مذهب أحمد رضي الله عنه : أن التسمية مسنونة في طهارة الأحداث كلها . رواه عنه جماعة من أصحابه . وقال الخلال الذي استقرت الروايات عنه أنه لا بأس به . يعني إذا ترك التسمية . وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وأبي عبيدة ، وابن المنذر وأصحاب الرأي . وعنه أنها واجبة فيها كلها ; الوضوء ، والغسل ، والتيمم .

                                                                                                                                            وهو اختيار أبي بكر ومذهب الحسن وإسحاق لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه } . رواه أبو داود ، والترمذي ، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه . قال الإمام أحمد : حديث أبي سعيد أحسن حديث في هذا الباب . وقال الترمذي : حديث سعيد بن زيد أحسن . وهذا نفي في نكرة يقتضي أن لا يصح وضوءه بدون التسمية . ووجه الرواية الأولى : أنها طهارة ، فلا تفتقر إلى التسمية ، كالطهارة من النجاسة ، أو عبادة ، فلا تجب فيها التسمية كسائر العبادات ; ولأن الأصل عدم الوجوب ، وإنما ثبت بالشرع والأحاديث ، قال أحمد : ليس يثبت في هذا حديث ، ولا أعلم فيها حديثا له إسناد جيد .

                                                                                                                                            وقال الحسن بن محمد : ضعف أبو عبد الله الحديث في التسمية ، وقال : أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد ، عن ربيح - يعني حديث أبي سعيد - ثم ذكر ربيحا ، أي من هو ؟ ومن أبوه ؟ فقال : يعني الذي يروي حديث سعيد بن زيد . يعني أنهم مجهولون ، وضعف إسناده . وإن صح ذلك فيحمل على تأكيد الاستحباب ونفي الكمال بدونها ، كقوله : { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } . ( 131 ) فصل : وإن قلنا بوجوبها فتركها عمدا ، لم تصح طهارته ; لأنه ترك واجبا في الطهارة ، أشبه ما لو ترك النية . وإن تركها سهوا صحت طهارته . نص عليه أحمد في رواية أبي داود فإنه قال .

                                                                                                                                            سألت [ ص: 74 ] أحمد بن حنبل : إذا نسي التسمية في الوضوء ؟ قال : أرجو أن لا يكون عليه شيء . وهذا قول إسحاق فعلى هذا إذا ذكر في أثناء طهارته أتى بها حيث ذكرها ; لأنه لما عفي عنها مع السهو في جملة الوضوء ففي بعضه أولى ، وإن تركها عمدا حتى غسل عضوا لم يعتد بغسله ; لأنه لم يذكر اسم الله عليه مع العمد .

                                                                                                                                            وقال الشيخ أبو الفرج : إذا سمى في أثناء الوضوء أجزأه . يعني على كل حال ; لأنه قد ذكر اسم الله على وضوئه . وقال بعض أصحابنا : لا تسقط بالسهو لعموم الخبر ، وقياسا لها على سائر الواجبات . والأول أولى ; لقوله عليه السلام : { عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان } ; ولأن الوضوء عبادة تتغاير أفعالها ، فكان في واجباتها ما يسقط بالسهو كالصلاة ، ولا يصح قياسها على سائر واجبات الطهارة ; لأن تلك تأكد وجوبها ، بخلاف التسمية .

                                                                                                                                            إذا ثبت هذا فإن التسمية هي قول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها ، كالتسمية المشروعة على الذبيحة ، وعند أكل الطعام وشرب الشراب ، وموضعها بعد النية قبل أفعال الطهارة كلها ; لأن التسمية قول واجب في الطهارة ، فيكون بعد النية ، لتشمل النية جميع واجباتها ، وقبل أفعال الطهارة ، ليكون مسميا على جميعها ، كما يسمى على الذبيحة وقت ذبحها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية