الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون

جزء التالي صفحة
السابق

فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين

منكرون : أي: تنكركم نفسي وتنفر منكم، فأخاف أن تطرقوني بشر، بدليل قوله: بل جئناك بما كانوا فيه يمترون أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وتشفيك من عدوك، وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون فيه ويكذبونك، بالحق : باليقين من عذابهم، وإنا لصادقون : في الإخبار بنزوله بهم، وقرئ: "فأسر" بقطع الهمزة ووصلها، من أسرى وسرى، وروى صاحب إلاقليد: فسر، من السير والقطع في آخر الليل، قال [من الخفيف]:


افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليل بهيم



[ ص: 412 ] وقيل: هو بعدما يمضي شيء صالح من الليل.

فإن قلت: ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات ؟

قلت: قد بعث الله الهلاك على قومه، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم، وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد في شكر الله وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم التفاتة احتشاما منه ولا غيرها من الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدم سربه ويفوت به، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم، ويمضوا قدما غير ملتفتين إلى ما وراءهم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا يزال يلوي إليه أخادعه، كما قال [من الطويل]:


تلفت نحو الحي حتى وجدتني ...     وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا



[ ص: 413 ] أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف، لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة، حيث تؤمرون : قيل: هو مصر، وعدي "وامضوا" إلى "حيث" تعديته إلى الظرف المبهم; لأن "حيث" مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في "تأمرون"، وعدي "قضينا" بإلى; لأنه ضمن معنى: أوحينا، كأنه قيل: وأوحينا إليه مقضيا مبتوتا، وفسر ( ذلك الأمر ) بقوله: أن دابر هؤلاء مقطوع ، وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر وتعظيم له، وقرأ الأعمش : "إن" بالكسر على الاستئناف، كأن قائلا قال: أخبرنا عن ذلك الأمر، فقال: إن دابر هؤلاء، وفي قراءة ابن مسعود : "وقلنا إن دابر هؤلاء"، ودابرهم: آخرهم، يعني: يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث