الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع حقوق الإنسان التعبدية والاعتقادية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الباب الرابع

حقوق الإنسان التعبدية والاعتقادية

تقوم الحرية الدينية في الفكر الغربي على مرتكزات، تناقض مفهوم حرية العقيدة في الفكر الإسلامي. فالحرية الدينية في الغرب، تنطلق من قاعدة كون التدين صلة روحية محضة، بين الإنسان وخالقه، لا شأن لها بكيان الدولة السياسي، ولا علاقة لها بالبناء التشريعي والاجتماعي والاقتصادي، الداخلي منه والخارجي، لارتكاز الدولة على المبدأ "القومي" و "العلماني"، الذي يفصل الدين عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الداخلية والخارجية.

أضف إلى ذلك أن الحرية الدينية في الغرب تعني حق الإنسان في أن "يختار الدين الذي يشاء، بل وأن يختار أن لا يكون مؤمنا بأي دين كان. "

[1] والحرية الدينية السلبية أي حق "الإلحاد" لا يتوفر إلا في ظل اتخاذ الدولة موقفا محايدا من الدين "وهي حالة تسفر عنها الوضعية القانونية، الموصوفة بعلمانية الدولة "

[2]

كما يخضع الغرب حرية ممارسة الشعائر الدينية لمقتضيات المصلحة العامة، وحفظ النظام، ولذلك يقيد الغرب هـذه الحرية بقيود جمة، بزعم الحرص على أن "لا تنقلب الحرية إلى فوضى، فتمس بحجة التمتع بها، راحة الأهلين وشعورهم، الذي قد يكون مغايرا [ ص: 90 ] لهذه المظاهر" [3]

.وإن حرية التدين والعبادة ينبغي منعها من "أن تهدد سلامة المجتمع أو أمنه.. التي قد تضطر الإدارة المسئولة إلى (تقييدها) لحفظ النظام العام"

[4]

ومن ذلك يظهر أن حرية ممارسة الشعائر، وحرية التدين، تقع في مرتبة أدنى من حفظ النظام العام، وبقاء الدولة في الفكر الغربي، مما يتيح للسلطة الحاكمة فرصة إلغاء الحرية الدينية، بحجة حفظ المصلحة العامة أو منع الأقليات الدينية من ممارسة شعائرها، بحجة تنظيم مظاهر العبادة أو عدم الإضرار بالآخرين، كما يظهر اليوم من منع المسلمين في بعض أقطار العالم من إقامة الأذان، أو تدريس الدين الإسلامي في مدارسهم، أو إكراههم على تغيير أسمائهم، أو إقامة أي حكم شرعي، له صلة بالتنظيم الاجتماعي.

ومن ذلك يظهر وجود التناقض بين الزعم بحرية التدين، ثم عزله عن أي ممارسات تؤثر على الواقع الاجتماعي، وحصره في تصرفات وشعائر روحية محضة، لا علاقة لها بواقع الحياة.

وبمقارنة ذلك بما يتعلق بحقوق الإنسان في التصور الإسلامي، ذات العلاقة بالاعتقاد والتدين، نجد أن الحقوق التعبدية والاعتقادية للإنسان في الإسلام لا تنطلق من فكرة الحرية أصلا، بل تنضوي تحت أحكام خاصة، دلت عليها الشريعة، وتشمل عدم الإكراه في الدين لغير المسلمين، وما جاء به الشرع من أحكام في أمور العبادات، والعقائد، الظاهرة والباطنة، التي اختلفت اجتهادات المسلمين فيها، كما تشمل أحكاما ذات بعد اجتماعي، لحفظ دين الإسلام وحمايته من العبث، وصيانة النظام الاجتماعي للدولة والمجتمع، من الانحرافات العقائدية والفكرية، التي قد تطرأ على بعض أفراد المجتمع.

ولهذا يتطلب عرض الحقوق الشرعية في الجوانب الاعتقادية والعبادية البحث في عدة مسائل: [ ص: 91 ]

المسألة الأولى: أحكام عدم الإكراه في الدين لغير المسلمين، لاعتناق الإسلام ابتداء وعدم الإلزام بما يتعارض مع عقائدهم وأديانهم.

المسألة الثانية: واجب الدولة في حفظ عقائد وشرائع دين الإسلام، وصيانتها من البدع والانحرافات.

المسألة الثالثة: ما يجب على الدولة عمله، تجاه ما يظهر من اختلافات بين المسلمين، في العقائد والأحكام، وما قد ينجم عن ذلك من ظهور فرق عقائدية، ومذاهب فقهية مختلفة بين المسلمين

المسألة الرابعة: واجب الدولة إذا ما ظهر كفر بواح صريح في العقائد أو الأحكام، ممن انتسب إلى دين الإسلام.

ونبدأ بذكر ما يتعلق بالمسالة الأولى، إنه مما علم من دين الإسلام بالضرورة وثبت بالسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ، أن العقائد والعبادات الإسلامية لا يكره أحد على اعتناقها ابتداء، حيث أقر الإسلام مبدأ ( لا إكراه في الدين ) [البقرة:256] لغير المسلمين في عقائدهم وعباداتهم. وطبق الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك عمليا في تعامله مع غير المسلمين، سواء أكانوا كفارا من أهل الكتاب كيهود المدينة وخيبر، ونصارى نجران، أم كانوا لا يتدينون بكتاب كمجوس هـجر، وإنما يلزم غير المسلمين بالخضوع للأحكام الشرعية، المنظمة للواقع الاجتماعي، التي لا تتعارض مع عقائدهم وعبادتهم، نحو الأحكام المدنية، كالبيع والتجارة، أو أنظمة العقوبات، كحد السارق، وقصاص القاتل، ونحو ذلك. ولهذا شرعت أحكام الجزية على كل من كفر، وأراد البقاء على دينه، وعدم التحول عنه إلى دين الإسلام، لإبراز التبعية للدولة الشرعية، وسيادة أنظمتها العامة. [ ص: 92 ] وبذلك استقر الأمر على ترك كل كافر على ما يعتقده، ويتعبد به، في دار الإسلام، ما دام خاضعا لأحكام الشريعة العامة، التي تنظم المجتمع، وتسير بها أحكام الدولة، حيث يلتزم غير المسلم بتلك الأحكام العامة من جانبها التشريعي نفسه، كأنظمة قانونية للمجتمع، دون الجانب التعبدي الروحي لها، كما يعفى من الالتزام بالأحكام التي تتعارض مع عقيدته ودينه، كأحكام العبادات، والانضمام إلى جيش المسلمين، وكذلك تلك الأحكام التي نظمها دينه، نحو أحكام الزواج والطلاق والمأكل والمشرب، بحسب ما فصله الفقه الإسلامي. يقول الله عز وجل : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) [البقرة:256] يفسر الإمام القرطبي هـذه الآية بقوله: "الدين في هـذه الآية: المعتقد والملة، بقرينة قوله: قد تبين الرشد من الغي، والإكراه الذي في الأحكام من الأيمان أو البيوع والهبات وغيرها ليس هـذا موضعه [5]

كتب أبو يوسف في كتاب الخراج: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لنصارى نجران، كتابا جاء فيه: أنه لنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله، على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم، لا يغير أسقف من أسقفية، ولا راهب من رهبانية. [6] ..

كما روى أبو يوسف: أن الصحابة تركوا غير المسلمين وما يأكلون، وما يشربون ويتخذون، بحسب أديانهم. وقد روى أبو يوسف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعماله: "يا هـؤلاء بلغني عنكم أنكم تأخذون في الجزية الميتة والخنزير والخمر، لا تفعلوا ولكن ولوا أربابها بيعها وخذوا منهم الثمن" [7] [ ص: 93 ]

مما يدل على ترك غير المسلمين، يملكون الخمر والخنزير، كطعام وشراب، ويتبادلونها بينهم، ما داموا يرون إباحتها في دينهم، حتى لو لم يجز الإسلام ذلك.

هذا بالنسبة لمن كان غير مسلم أصلا، أما من اعتنق دين الإسلام، فإن الأصل في التعبد للمسلم هـو القيام به وفق ما جاء في الشرع، سواء أكان ذلك في العقائد، أم كان في العبادات، ولا يحل للمسلم أن يتعبد بكيفية أو هـيئة، ليس لها أصل في الشريعة، أو خارجة عما رسمه الشرع عمدا عالما بذلك، وإلا عد مبتدعا للإثم، مغايرا للشرع. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: المبتدع معاند للشرع، ومشاق له؛ لأن الشارع قد بين لمطالب العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها. وأخبر أن الخير فيها، والشر في تعديها. فالمبتدع راد لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طريقا آخر. قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع [8]

( وروى العرباض بن سارية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )

[9]

( ويقول عليه الصلاة والسلام : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )

[10]

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم التعبد بخلاف ما شرع تفرقا عن الدين، ومروقا منه، حيث روى الترمذي ، « عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » [ ص: 94 ] ( إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هـي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي )

[11]

ووصف عليه الصلاة والسلام أقواما ابتدعوا بالمروق من الدين، بقوله: ( يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء.. لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ) [12]

تؤكد هـذه الأدلة، على وجوب اتباع الشارع، في كل اعتقاد وتعبد للمسلم. ويترتب على ذلك أن الدولة التي تقوم على أساس الإسلام مسئولة عن حفظ الأحكام التعبدية والعقائدية، كما جاء بها الشارع، ومسئولة كذلك عن صيانتها عن الانحرافات الفكرية والعملية، وهذه المسئولية جزء من وظيفة الدولة الشاملة في تطبيق الأحكام الشرعية، وإبلاغ رسالة الإسلام.

وتتولى الدولة حفظ الأحكام، كما تتولى صيانتها، باستخدام ما يتوفر لها من وسائل، كالتعليم والإرشاد في مدارسها ومعاهدها، لبيان الأحكام والعقائد لأفراد الأمة، وعن طريق وسائل الإعلام، لإيضاح تعاليم الشريعة وإبلاغها، وكذلك بإرسال الدعاة والمعلمين والعلماء، وبنصب الأئمة والوعاظ في المساجد، وبنشر الكتب الشرعية، وبث المعارف الإسلامية في المجتمع، إلى غير ذلك. وقد ثبت فعل ذلك في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وخلفائه الراشدين، حيث كان يقوم عليه الصلاة والسلام بالإبلاغ والتعليم، وبعث الدعاة إلى القبائل، ويرسل من يعلم الناس أمور دينهم من صحابته، وقام بإرسال الكتب، التي تحوي أحكاما شرعية إلى من دخل في دين الإسلام.

ومع ثبوت هـذا الأصل، من وجوب صيانة الدولة وحمايتها للأحكام والعقائد، فإنه قد يرد في الكتاب والسنة نصوص يحتمل تأويلها عدة أوجه، [ ص: 95 ] وقد يتفاوت المسلمون، في إثبات الطرق، التي وردت بها بعض سنن العبادات، أو بعض الأحكام العقائدية، وقد لا يصل العلم ببعض العقائد والأحكام إلى بعض من المسلمين، ويترتب عن ذلك ظهور أفهام متعددة ومختلفة من المسلمين، وقد ينجم عن ذلك ظهور مذاهب فقهية في الأحكام الشرعية، وظهور فرق متنازعة في بعض الأمور الاعتقادية الواردة بالنصوص الشرعية، والتي يطلق عليها علماء الأصول: المسائل الخبرية العلمية، مع إقرار جميع المذاهب وأهل الفرق، على أن مرجعهم هـو الكتاب والسنة، وتعظيمهم إياهما، وكون هـذه المسائل لا تخرج قائلها إلى الكفر والردة عن الإسلام.

فالواجب في هـذه الأحوال، عندما يكون الفهم مبنيا على تأويل مسوغ لنص شرعي في الكتاب والسنة، سواء أكان مصيبا أم مخطئا، مبتدعا أم ناجما عن فهم معنى محتمل لألفاظ اللغة التي جاء بها النص، أو بناء على اجتهاد مبذول ممن توفرت له وسائله، أن يعذر المسلمون بعضهم بعضا، فيما يدركه كل منهم، ولا يجوز للدولة وولاة الأمر في هـذه الأحوال، حمل الرعية بالوسائل القسرية المادية على فهم واحد من الأفهام المشتركة، التي تحتملها النصوص، كما لا يجوز للدولة أن تمنع الناس بالقوة، وتجبرهم على ترك ما تعبدوا به، من عقائد وأحكام متنازع فيها حينئذ، لما قد ينجم عن ذلك من شق وحدة المسلمين وتمزيق شملهم وكلمتهم، وإشاعة البغضاء بينهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة والخوارج المارقون الذين أمر النبي بقتالهم، قاتلهم أمير المؤمنين علي، أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن وقاص ، وغيرهم من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، فقاتلهم لدفع ظلمهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم. وإذا كان هـؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع، لم يكفروا، [ ص: 96 ] فكيف بالطوائف المختلفين، الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلطوا فيها، فلا يحل لأحد من هـذه الطوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كان فيها بدعة محققة [13]

وقد ذكر الشاطبي - أحد علماء المالكية – أن الطوائف المتأولة لو ابتدعت، واعتنقت بعض الاعتقادات غير الصحيحة بتأويلها، فإنه مع ذلك لا يجوز قتالها ما لم تخرج عن الجماعة، وتحارب الدولة. وضرب لذلك مثلا: ما صنع علي في الخوارج ، وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام، حيث إنه لما اجتمعت الحرورية من الخوراج، وفارقت الجماعة، لم يهجرهم علي ولا قاتلهم.

كما ضرب الشاطبي مثلا في فعل الصحابة رضي الله عنهم حين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر، حيث لم يكن من السلف لهم إلا الطرد والإبعاد والعداوة والهجران، دون إقامة الحد المقام على المرتدين.

وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز أيضا لما خرج في زمانه الحرورية بالموصل ، أمر بالكف عنهم على ما أمر به علي رضي الله عنه ، ولم يعاملهم معاملة المرتدين [14]

وقد أكد ابن قدامة – من فقهاء الحنابلة – عدم جواز قتال الطوائف المسلمة، التي قد تعتنق المفاهيم والأفكار المبتدعة بتأويل، إذا لم تقاتل الدولة، حيث بين ابن قدامة أنه إذا أظهر قوم رأي الخوارج، مثل تكفير فعل كبيرة، وترك الجماعة، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، إلا أنهم لم يخرجوا من قبضة الإمام، ولم يسفكوا الدم الحرام، فإنه لا يحل بذلك قتلهم ولا قتالهم.

وذكر ابن قدامة أن هـذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور أهل الفقه، وأنه قد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، حيث استدل هـؤلاء الفقهاء على ذلك " بفعل علي رضي الله عنه ، فإنه كان يخطب يوما فقال رجل في باب المسجد: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل. ثم قال: لكم علي ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله، أن تذكروا فيها اسم الله تعالى، [ ص: 97 ] ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال". "

كما احتج الفقهاء أيضا بما ورد من أن عدي بن أرطأة كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن الخوارج يسبونك، فكتب له: إن سبوني فسبهم، أو اعف عنهم، وإن شهروا السلاح فاشهر عليهم، وإن ضربوا فاضرب.

ومن الأدلة على ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين معه في المدينة .. فعدم التعرض لغيرهم أولى [15]

ويعلل الشاطبي السبب، الذي من أجله لم يشرع الإجبار والإكراه، عمن انتسب إلى الإسلام من أهل البدع، ما لم يرتدوا أو يشهورا السلاح، بأن أهل هـذه الفرق المبتدعة، قد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة والجماعة، في مطلب واحد هـو الانتساب إلى الشريعة، إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين، وإنما وقع اختلافهم في الطريق، فحصل من هـذا الخلاف في هـذه المسألة من أصول الدين، وصار بصحة القصد، كالخلافات في فروع الأحكام، في كونه لا يخل بصحة الإسلام، وفي كون المخطئ يعذر فيه

[16]

ولهذا يقول الشاطبي لتأكيد المعنى السابق من عدم الإكراه لأهل الفرق: ذلك أن كل فرقة تدعي الشريعة، وأنها المتبعة لها، وهي تناصب العداوة من نسبها إلى الخروج عنها، وبذلك يخالفون من خرج عن الإسلام؛ لأن المرتد إذا نسبته إلى الارتداد أقر به ورضيه. بخلاف هـؤلاء الفرق فإنهم مدعون الموافقة للشارع، والرسوخ في اتباع شريعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (وسبب العداوة بينهم وبين أهل السنة) ادعاء بعضهم على بعض الخروج على السنة.

[17]

وإذا رجعنا إلى الاستدلالات القرآنية أو السنية على الخصوص وجدنا كل طائفة تتعلق بذلك أيضا

[18]

. [ ص: 98 ] ومن هـذه الأقوال يتأكد، أنه ليس للدولة إجبار أو إكراه على اعتناق عقائد متنازع فيها، أو أحكام تعبدية متنازع فيها بين المسلمين، مادام المخالف لم يخرج عن دائرة الإسلام، ومادامت العبادات أو الأحكام التي يعتنقها مرجعها في فهمه وعلمه إلى الكتاب والسنة وأدلة الشرع، حتى ولو كانت هـذه الأحكام والعقائد بدعا محققة في نظر الدولة.

ويتأكد هـذا المعنى أيضا من تجويز الفقهاء لولاية من كان يحمل اعتقادا خلاف الحق، بشبهة أو بتأويل، حيث ذكر الماوردي قول كثير من علماء البصرة: إن الاعتقاد خلاف الحق بتأويل وشبهة، "لا يمنع من انعقاد الإمامة، ولا يخرج من فيها، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة"

[19]

ومما سبق يظهر أن تدخل الدولة يقتصر على حالة حدوث أفكار وممارسات بدعية، على بيان الحقائق، وبيان فساد تلك الأفكار والعقائد، بالحجة والبرهان، لا بالسيف والسنان، كما وتعمل على منع تأثير الأفكار والعقائد المبتدعة على المسلمين، بتحذير المسلمين من أهلها، وهجرهم في حالة دعوتهم، دون القسر والجبر لهم، لواجب الدولة في حفظ الدين كما سبق بيانه.

ولهذا يقرر كثير من العلماء، أن التشهير بأهل البدع، إنما يقتصر على الحالات التي يكون فيها نشر ودعوة للبدع في المجتمع جماعيا، حيث يبين الشاطبي أنه حينما تكون الفرقة تدعو إلى ضلالها، وتزينها للعوام، ومن لا علم عنده، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدع والضلالة، ولا بد من ذكرهم والتشهير بهم؛ لأن ما يعود على المسلمين من ضلالهم إذا تركوا أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم، أما إذا لم يكن هـناك دعوة للبدعة، ونشر لها، فإنه لا ينبغي أن يشهر بأهل البدعة، وإن وجدوا. ويعلل الشاطبي ذلك بأنه سيؤدي إلى إثارة الشر، وإلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين. [ ص: 99 ] ويبين الشاطبي أن الأسلوب الواجب اتباعه عموما هـو المذاكرة برفق، وعدم التكفير، بدعوة الخروج عن السنة، وأن يقتصر على بيان الدليل الشرعي، وأن الصواب الموافق للسنة كذا وكذا [20]

ويتفق في ذلك الإمام الغزالي ، الذي يؤكد على أن أكثر الجهالات، إنما رسخت في قلوب العوام، بتعصب جماعة من جهلة أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإذلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، مما أدى إلى حصول المعاندة والمخالفة، ورسوخ الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها

[21] ..

ويحلل الإمام الجويني ، بأن الواقع السياسي كذلك يتطلب أن لا تعمل الدولة على إثارة الفرقة عن طريق الإجبار لأهل العقائد والعبادات المبتدعة على تركها، أو قسرهم على اتباع ما تراه، إذا ما كان ذلك سيؤدي إلى ظهور التمزق والتشتت والفتنة من المسلمين، حيث يقول: إن كان ما صار الناجم بدعة، لا تبلغ مبلغ الردة، فيتحتم على الإمام المبالغة في منعه ودفعه، وبذل كل المجهود في ردعه ووزعه. فهذا كله إذا أخذت البدع تبدو، أو أمكن قطعها، فأما إذا شاعت الأهواء وذاعت، وتفاقم الأمر وفات استدراكه، وعسرت مقاومة ومصادمة ذوي البدع والأهواء، وغلب على الظن مسالمتهم ومتاركتهم، وتقريرهم على مذاهبم وجه الرأي، ولو جاهدهم لتألبوا وناشبوا ونابذوا الإمام. وسلوا أيديهم عن الطاعة. وقد يتداعى الأمر إلى تعطيل الثغور، واستجراء الكفار، فإن كان كذلك، لم يظهر ما يخرق حجاب الهيبة، ويجر منتهاه عسرا وخيبة" [22] [ ص: 100 ]

ومما سبق، يظهر أن الدولة مع عملها في حفظ الدين على أصوله، ليس لها إجبار أحد من المسلمين، أو إكراهه بالعنف والسيف على ترك اعتناق عقائد أو عبادات بعينها، حتى ولو كانت بدعا ما دام مرجع المسلمين في ذلك الكتاب والسنة، وأدلة الشرع، وما لم يخرج أهل هـذه البدع على الدولة، أو يرتدوا عن دين الإسلام.

وإنما تعمل الدولة جاهدة على تبيان الحق ونشره، ولها في ذلك منع الدعوة إلى البدعة، والتحذير من شرها، وكذلك التشهير بمن يدعو إليها، ويعمل على إغواء العوام بها، وذلك دون اللجوء من الدولة إلى القوة المادية، من قتل أو سجن، ودون قتالهم أو قتلهم، ودون سلبهم حقوقهم المدنية من فيء أو غيره، ما داموا مقيمين على الطاعة، وأيديهم مع سائر المسلمين، ولم يخرجوا ببدعتهم إلى الكفر الصريح، أو يخرجوا على الدولة.

والذي تنبغي أيضا ملاحظته، أنه مع لجوء الدولة إلى منع أهل البدع من الدعوة إليها والتشهير بهم، عند الحاجة لذلك- لواجب الدولة في حفظ الإسلام- إلا أنه ينبغي أن يتم القيام بذلك وفق الطرق القضائية المتبعة في الدولة، فليس لها التشهير أو المنع أو مصادرة الكتب مثلا، إلا بعد عرض الأمر على القضاء، وصدور حكم قضائي يثبت وجود البدعة، والمخالفة لما علم من الإسلام، ويوجب إنزال عقوبة التشهير أو التعزير بالدعاة إلى تلك البدعة أو المخالفة.

ما سبق تفصيله يتعلق بالاجتهادات والمخالفات البدعية، أما إن كان الاجتهاد والفهم في الفروع، وله تأويل سائغ في النصوص الشرعية، كاختلاف فقهاء المذاهب، فإن الدولة في هـذه الحالة ليس لها مطلقا إجبار أحد على مذهب فقهي معين، أو العمل بحكم شرعي معين، فيما يختص بالأفراد فيما بينهم، إذا لم يحتكموا فيه إلى الدولة، وليس لها فرض فهم أو اجتهاد فقهي، على العامة، أو إجبارهم على التقيد به، حيث يقول الإمام الجويني في ذلك: "فأما اختلاف العلماء في فروع الشريعة،ومسائل التحري والاجتهاد [ ص: 101 ] والتآخي من طريق الظنون، فعليه درج السلف الصالحون، وانقرض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكرمون، واختلافهم سبب المباحثة، وهو منة من الله تعالى وفضل، فلا ينبغي أن يتعرض الإمام لفقهاء الإسلام، فيما يتنازعون فيه من تفاصيل الأحكام، بل يقر كل إمام ومتبعيه على مذهبهم، لا يصدهم عن مسلكهم ومطلبهم" [23] ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : "الأمور الكلية ليس لحاكم -كائنا من كان - أن يحكم فيها بقوله على من نازعه قوله، فيقول: ألزمته ألا يفعل، ولا يفتي إلا بالذي يوافق مذهبي، بل الحكم في هـذه المسائل لله ورسوله، والحاكم واحد من المسلمين. وأما باليد والقهر فليس له أن يحكم إلا في المعينة التي يتحاكم فيها إليه. إذا تحاكم إليه اثنان في دعوى فصل بينهما كما أمر الله ورسوله، وألزم المحكوم عليه بما حكم" [24] كما يؤكد ابن تيمية بأن الحكم والسلطة، لا تعطي الحق في فرض الرأي المذهبي، أو القول الملزم في المسائل التي يتنازع عليها أهل المذاهب، وأنه لا يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره، لكونه حاكما، فإن هـذا ينقلب، فقد يصير الآخر حاكما فيحكم بأن قوله هـو الصواب، ولذلك لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين المتضاربين يلزم جميع المسلمين، بخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالذي من عند الله حق وهدى، وليس فيه خطأ قط.

كما يذكر ابن تيمية أن الجبر والإكراه من الحكام والدولة في أمور الفروع والأصول التعبدية المتنازع عليها بين المسلمين يؤدي إلى انهيار الدولة، حيث إنه يجب على الدولة منع التظالم، ولذلك لا يسوغ لولاة الأمر أن يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض، وحكم بعضهم على بعض، بقوله ومذهبه، لما في ذلك من ظلم؛ ولأنه مما يوجب [ ص: 102 ] تغير الدول وانتقاضها [25]

. كما يقرر أنه إذا خرج ولاة الأمور عن هـذا، فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم "وهذا من أعظم أسباب تغير الدولة"

[26]

كما يؤكد ابن تيمية بطلان الأحكام الصادرة من الدولة، التي توجب إلزام الفقيه والعالم بمذهب معين، أو حكما معينا في غير محاكم الدولة، حيث يستدل على ذلك بأنه قد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث، والعطاء، والسياسة. وهم أئمة الدين الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة

[27]

والخلاصة: أن الدولة تعمل على حفظ دين الإسلام، وصيانته من البدع، ولكن لا تلجأ إلى القتل والقتال، إلا عند ظهور الردة أو الخروج على الدولة، وليس للدولة أن تلزم المسلمين، أو تكرههم على اعتناق عقائد، أو ترك عقائد وعبادات، مادام للمسلمين دليل شرعي، يستندون إليه في شرعية هـذه العقائد والعبادات، كما ليس لها التدخل في الإلزام بمذاهب فقهية معينة، أو اجتهادات لعلماء معينين، ما دام الأمر لم يتحاكم فيه إلى محاكم الدولة وأجهزتها.

أخيرا، نختم القول في ما يتعلق بالأحكام التعبدية والعقائدية، بتقرير واجب الدولة إذا ما ظهر الكفر البواح، الذي قام عليه البرهان، من ظهور الردة ممن ينتسب إلى الإسلام، حيث أكدت الأحكام الشرعية الثابتة بالسنة والإجماع، وجوب استخدام القوة لحماية العقائد في حالة معينة تنحصر في منع الخروج الصريح على الشريعة، بالكفر البواح، الذي قام البرهان عليه، حيث أكد الإسلام هـنا وجوب إقامة أحكام المرتد، وذلك بهدف منع الأفكار [ ص: 103 ] المنحرفة الضالة الخارجة على دين الإسلام، ومنع المفاهيم المكفرة، من التأثير على أفراد الأمة، والانتشار في المجتمع الإسلامي، وأجاز الإسلام للدولة لهذا، حظر كل ما يوصل إلى الكفر الصريح في المجتمع.

فقد ثبت بالسنة أن المرتد عن الإسلام متى ثبت فعله، يقتل حدا، وأن الدولة مسئولة عن استتابته وردعه عن ذلك، " روى ابن حزم عن البخاري ، أن أبا موسى الأشعري قدم عليه معاذ بن جبل رضي الله عنهما باليمين ، وإذا برجل موثق فقال: ما هـذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم، ثم تهود. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله - ثلاث مرات – فأمر به فقتل. "

[28]

وعن أبي أيوب السختياني " عن عكرمة رضي الله عنه ، قال: أتي علي بن أبي طالب بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ولقتلتهم. "

" وعن أبي عمر الشيباني قال: أتي علي بن أبي طالب بشيخ كان نصرانيا فأسلم، ثم ارتد عن الإسلام. قال: فارجع إلى الإسلام. قال: لا. فأمر علي فضربت عنقه "

[29]

( وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة )

[30]

وروي عن ابن قدامة في المغني، قال: "من ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء بالغا عاقلا دعي إليه.. فإن رجع وإلا قتل، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( من بدل دينه فاقتلوه ) " رواه البخارى

[31]

. [ ص: 104 ] والردة: اسم شامل لكل رجوع عن دين الإسلام إلى الكفر. قال تعالى: ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هـم فيها خالدون ) [البقرة: 217].

فتشمل بذلك الرجوع إلى العقائد الكافرة، نحو اعتناق الماركسية، أو المادية الجدلية، أو النصرانية، أو العلمانية. وكذلك قد تقع الردة بجحود ما ثبت قطعا في شرع الإسلام، نحو وجوب تحكيم الكتاب والسنة، والاحتكام إلى شرع الله، أو أن الرابطة بين المسلمين هـي الإيمان بالله ورسوله، أو وجوب إقامة الحدود. كما تقع الردة بجحد تحريم ما حرم قطعا في الإسلام، نحو تحريم الخمر أو الزنى. كما قد تقع بفعل يناقض ويضاد الإيمان، نحو السجود لصنم، أو الصلاة مع النصارى في الكنائس، أو الدعاء والاستغاثة بغير الله من المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، اعتقادا بألوهية المخلوق، أو الاستهزاء بالله ورسوله، أو سب الله تعالى، أو كتبه، أو رسله، سواء أكان فعل ذلك مزاحا أم في مجال الجد.

ويشترط لإقامة حد الردة التثبت من وقوع الردة. قال ابن تيمية رحمه الله: "لا يجب أن يحكم على كل شخص بأنه كافر، حتى تثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال، لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاما ما أنكره، ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن هـؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة.. وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان" [32]

كما إن إجراء حكم المرتد إنما يكون على "من كان مسلما ثم ارتد عن الإسلام"، وذلك بهدف تميز من نشأ على الكفر، وولد من أبوين مرتدين، بعد ردتهم، فإن هـؤلاء لا يعتبرون مرتدين، وإنما يعاملون كالكفار؛ لأنهم يعدون كفارا أصليين. [ ص: 105 ] أو يحاول هـدمه أو إضعافه. والقوانين الوضعية اليوم تعاقب على الإخلال بالنظام الاجتماعي بنفس العقوبات التي وضعتها الشريعة لحماية النظام الاجتماعي الإسلامي

[33]

وقبل أن ننهي البحث في هـذا الموضوع، نناقش بعض الآراء المعاصرة التي لا تتفق مع ما سبق ذكره، من وجوب قتل المرتد حدا، أستشهد بعض المعاصرين بعدم وجوب قتل المرتد حدا بما نقل عن بعض فقهاء السلف: إبراهيم النخعي بأن "المرتد يستتاب أبدا". وقد رواه عنه سفيان الثوري [34]

واستشهد كذلك برواية " عن عمر بن الخطاب ، أنه سئل عن قوم قتلوا بعد ردتهم، فقال: "كنت عارضا عليهم الباب الذي خرجوا منه، أن يدخلوا، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم، وإلا استودعتهم السجن" " [35]

. كذلك نقل عن عمر بن عبد العزيز ، أن قوما أسلموا ثم ارتدوا، فأمر برد الجزية عليهم وتركهم.

ومن ذلك يتوصل د. العوا "أن عقوبة الردة إنما هـي عقوبة تعزيرية، وليست عقوبة حد، وأنها عقوبة مفوضة إلى السلطة المختصة، تقرر بشأنها ما تراه ملائما بين أنواع العقاب" [36]

والرد على هـذا القول، يتخلص في: أنه قد ثبتت مخالفة سائر الفقهاء لقول إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، حيث وصف ابن قدامة الحنبلي في كتابه المغني قول إبراهيم النخعي في استتابة المرتد بأنه قول شاذ، مخالف للسنة والإجماع

[37]

ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ ص: 107 ] أما الرواية عن عمر ، فلا تخالف في وجوب قتل المرتد، وإنما تحمل على وجوب الاستتابة قبل القتل، وأن لا يقتل فور ردته، بل يمهل في ذلك لعله يرجع. حيث نقل عن عمر رضي الله عنه مسارعته في طلب قتل من ثبت نفاقه، واستئذانه النبي عليه الصلاة والسلام في قتل بعضهم، مما يدل على ما استقر في عرف الصحابة من وجوب قتل المرتد، فضلا عن أنه قد قتل عدد من المرتدين على يد ولاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث قتل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " ابن نواحة " لردته، " وروي أنه كتب إلى عمر عن قوم ارتدوا فأجابه "أن اعرض عليهم شهادة الحق، فإن قبلوها فخل عنهم، وإن لم يقبلوها فاقتلهم" " [38]

وثبت في رواية الشافعي للشوكاني في نيل الأوطار، " قول عمر في المرتد: "هلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله" "

[39] مما يدل بأن المقصود من رأي عمر المنقول بسجن المرتد عدم قتل المرتد مباشرة، بل الاستتابة له لعله يتوب.

ويرد ابن حزم الظاهري على قول من يزعم بوجوب الاستتابة أبدا، بأن قول من رأى ذلك لو صح، بطل الجهاد جملة؛ لأن الدعاء للمعاندين للدعوة كان يلزم أبدا مكررا بلا نهاية، وليس دعاء المرتد - وهو أحد الكفار – بأوجب من دعاء غيره من أهل الكفر الحربيين، مما يسقط هـذا القول

[40]

ويذكر الشيخ أبو زهرة أن المقصود من قول النخعي هـو استمرار الاستتابة حتى اليأس من عودة المرتد إلى الإسلام، وعند ذلك يكون القتل، وهذا القول موافق لمن يرى قتل المرتد حدا؛ لأنه يقرر القتل بالنهاية، وهو الثابت بالسنة الصحيحة، وإجماع أهل العلم، وقضاء الصحابة رضي الله عنهم

[41] [ ص: 108 ]

أيضا من الواضح أن القاعدة الأساسية عند إقامة الحدود، هـو درء الحدود بالشبهات، وليس مستبعدا أن يكون مقصود عمر رضي الله عنه تطبيقها قبل إقامة الحد، للتأكد من إدراك المرتدين لجريمتهم، وعدم وجود شبهة لهم تحتاج إلى كشف وبيان.

أما ما نقل عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، في ترك المرتدين بعد فرض الجزية عليهم، فإن الرواية خاصة في قوم جهلوا أحكام الشرع، ولذلك لم يطبق عليهم حكم الردة، لفقدان شرط العلم، والإدراك بالجرم، كما أن الرواية الأخرى عن عمر بن عبد العزيز تدل على أن الحد يقام إذا كان المرتد محلا لإقامة الحكم، لعلمه بالشرع، حيث إنه " ورد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بشأن المرتد: "أن سله عن شرائع الإسلام، فإن كان قد عرفها فاعرض عليه الإسلام، فإن أبى فاضرب عنقه، وإن كان لم يعرفها فغلظ الجزية ودعه" " [42]

وهذا يدل على أن المرتد إذا لم تنطبق عليه شروط الردة، أو أركانها، كأن يكون جاهلا أو متأولا، أو كلاهما، فإنه يمكن حينئذ تعزيره، وهذا يطبق على كل جريمة حد، إذا لم تستوف شروطها وأركانها، وقد ورد أمثلة لذلك عديدة في فقه السلف، حيث لم يقم عمر رضي الله عنه حد السرقة على من سرق بسبب جوعه عام الرمادة ، ودرء عثمان رضي الله عنه حد الزنى عن جارية نشأت تجهل حكم الزنى، ولذلك لا حجة بالاستدلال بما نقل عن عمر بن عبد العزيز بهذا الصدد، حيث إن ذلك مقصورا على الحالات التي لا تتوفر فيها شروط إقامة الحد على جريمة الردة.

أيضا ورد من الأقوال المعاصرة من يرى أن سبب التعزيز في جريمة الردة هـو أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحا للدم، وإنما المبيح هـو محاربة المسلمين، وفتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن الكريم تمنع الإكراه في الدين، ولهذا يرى الشيخ شلتوت أن هـذه قرائن تصرف عن الوجوب إلى الإباحة [43] [ ص: 109 ]

والجواب أن القول: بأن أحاديث الآحاد لا يثبت بها القتل، مردود؛ حيث إن من الثابت العمل بهذه الأحاديث في أحكام الشريعة العملية، وقد ورد حكم القتل بأحاديث لجرائم أخرى كقتل الزاني المحصن، وقتل الساحر، واللوطي، ولذلك لا وجه لاستبعاد حكم القتل للمرتد، لوروده بأحاديث آحاد، خاصة مع إجماع العمل عليه من لدن الصحابة رضي الله عنهم ، وكون جملة القرائن التي يستشهد بها من يرى أن المرتد يعزر ولا يقتل حدا، ليس بقرائن قوية، حتى تصرف صيغة الأمر بالأحاديث الداعية إلى قتل المرتد من الوجوب إلى غير ذلك، بل إن جملة أقوال من رأى التعزير، في مجملها أقوالا شاذة أو مئولة بما يناسبها.

كذلك ورد شبهة لبعضهم في عدم قتل المرتد بكون الرسول صلى الله عليه وسلم عرف المنافقين، وعلم أنهم مرتدون، كفروا بعد إسلامهم، ولم يقتلهم، ولذلك يرى هـؤلاء أنه لا قتل للمرتد. ويراد ابن حزم رحمه الله على هـذه الشبهة في بحث طويل، يخلص فيه إلى أن المنافقين إما قوم لم يعرفهم عليه الصلاة والسلام بأنهم منافقون، ولذلك لا حد عليهم، وإما قوم افتضحوا فعرفهم فلاذوا بالتوبة، ولذلك لم يقم الحد إجراء لحكم الظاهر عليهم، فيبطل بذلك زعم من قال بعدم قتل المرتد [44]

وقد فصل ابن حزم في ذلك بما لا مزيد عليه في رد هـذه الشبهة، وتوصل إلى أن من عرفهم عليه الصلاة والسلام بأنهم منافقون "أظهروا الإسلام فحرمت بذلك دماؤهم في ظاهر الأمر، وباطنهم إلى الله تعالى، في صدق أو كذب" [45]

أخيرا نذكر أن الردة من الجرائم ذات الخطورة البالغة على المجتمع والدولة والأمة الإسلامية. والحس الإسلامي يرفض أن يكون هـناك تساهل فيها. وقد شرع الإسلام القتل لجرائم أخف ضررا، حيث أمر بقتل الزاني [ ص: 110 ] المحصن بأسلوب رادع زاجر، لما يترتب على فعله من نشر الفحشاء بين المسلمين، وأمر بالقصاص حفظا لأمن الجماعة، فلا يعقل أن يكون معالجة جريمة الردة، وعقاب مرتكبها، والتي يترتب عليها انهيار أركان المجتمع بمجمله، دون ذلك. والحق أن المرتد إذا ثبتت ردته، وانطبقت عليه شروط الحد، فإنه يجب على الدولة الإسلامية قتله حدا، إذا لم يتب لما ثبت في ذلك من السنة وإجماع أهل العلم. [ ص: 111 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث