الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ولكن هزيمة الدنيا لا بد لها من أسباب يقوم بها العباد بتوفيق الله تعالى، والتوكل عليه سبحانه بعد الاستعداد بالعدة، وأخذ الأهبة والعزيمة والصبر; ولذا قال تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم .

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل هذا أمر تكليفي، وهو فرض كفاية على الأمة الإسلامية، يجب على الأمة كلها أن تتعاون في إعداد هذه القوة بالدربة والتعليم والرمي، وكل ما يربي الجند القوي.

فلا بد من التربية على الجندية، وإعداد عدة القتال، وذلك بالمستطاع بل بأقصى ما يستطاع، و(من) هنا بيانية في قوله: من قوة وهي تدل على عموم القوى، فأعدوا كل ما يمكن أن يكون قوة في الحرب من دربة على الرمي بالسهام، ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ألا إن القوة الرمي " كما روى عقبة بن عامر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان الراوي نفسه وهو عقبة راميا، حتى لقد مات وعنده سبعون قوس رمي، ومن القوة الحصون، ومن القوة المنجنيق، وهكذا كل ما يكون سببا للقوة، ومنها من الماضي النار الإغريقية، ولم تكن معروفة عند العرب، وإن وجدت في الحروب الإسلامية.

فكل قوة مستطاعة يجب على الأمة أن تتضافر على إيجادها، وإلا أثمت كلها، ولم ينج من الإثم فقيرها وغنيها ولا قويها أو ضعيفها، فالقادر بقدرته والضعيف بلسانه.

وقوله تعالى: ومن رباط الخيل معطوفة على من قوة ورباط الخيل جماعة الخيل خمسة فأكثر، وقيل: رباط جمع ربيط، وقيل: رباطا مصدر - رابط، [ ص: 3175 ] وأطلق على الخيل; لأن المرابطة تكون بها، ومهما يكن فالمراد من رباط: الخيل المجتمعة، وخصت الخيل بالذكر; لأنها كانت قوة الحرب في العرب، وربط الخير بنواصيها، فكانت رمز القوة، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الخيل ثلاثة: لرجل أجر ولرجل ستر، ولرجل وزر ، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها، ولا في ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء فهي له وزر ".

وقوله تعالى: ترهبون به عدو الله وعدوكم ترهبون أي تخيفون وتفزعون، وتربون في نفوس أعدائكم المهابة، وتلقون في قلوبهم الرهبة، وسمى الكفار (عدو الله) لأنهم كفروا به وكذبوا آياته، وسماهم (عدوكم) لأنهم يريدون بكم الأذى، ويناصبونكم العداوة لإيمانكم وكفرهم.

وقال تعالى: وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وقوله: (من دونهم) أي من غيرهم، أي: من غير الذين يجاهرون الآن بعداوتكم من المشركين واليهود وغيرهم ممن يلاقونكم من الرومان الذين يعاصرونكم، ويشير بهذا إلى الذين يجيئون بعد ذلك، الذين لا يعلمهم المسلمون في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن والاه، والله تعالى يعلمهم; لأنه علام الغيوب، وإن الله تعالى يشير بذلك إلى الأخلاف الذين يجيئون بعد ذلك، فإنه بمجرد أن انتشر الإسلام في الأرض ودخل الناس في الدين أفواجا - صار المسلمون في مذأبة من الأرض، فأوربا أرادت أن تنقض على الإسلام من الشرق والغرب .... والتتار أخذوا ينقصون على المسلمين الأرض من أطرافها.

وكان لا بد من قوة تقهر وترهب هؤلاء، وتلقي مهابة المسلمين في قلوبهم، ولكن مع ذلك لم يستجيبوا لنداء الله، ولم يعدوا ما استطاعوا من قوة، وإن ذلك الاستعداد كان يوجب أولا - أن يكون لهم مصانع تصنع لهم الأسلحة لا أن [ ص: 3176 ] يستعينوا بأسلحة من غيرهم، إن شاء أعطى وإن شاء منع، وفي عطائه ومنعه يعمل لمصلحة نفسه، ولا يريد بالإسلام خيرا.

ويوجب ثانيا: أن ينافسوا الناس في اختراع الأسلحة ليدفعوا أذاهم، وإلا كانوا - وهم هم - المرهوبين يرهبون ولا يرهبون، يخافون ولا يخيفون، وتتبدد قواهم ضياعا.

ويوجب ثالثا: تعاونهم جميعا في ذلك، حتى لا يؤكلوا في الأرض.

وقد كان عكس ذلك، فتقطعت وحدتهم، وضرب الناس بهم في افتراقهم فتوزعتهم الأرض، وأكلتهم ذئابها، وصيروا الخير لغيرهم دونهم، وصاروا لأعداء الله وأعدائهم ما يصنعون به السلاح ليستعمل لإرهابهم، وإرهاب كل من يعاونهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا وإن إعداد عدة الحرب والحرب ذاتها تحتاج إلى المال، ولذا قال تعالى: وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون

إن الحرب تحتاج إلى نفقات، وإعداد العدة يحتاج إلى نفقات، وفي أيامنا تحتاج العدة إلى الإنفاق من الدولة والجماعات، ولقد كان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يخرج من ماله كله للجهاد في سبيل الله كأبي بكر ، ومنهم من كان يخرج من نصف ماله كعمر، ومنهم من كان يجهز جيشا بأسره كذي النورين عثمان بن عفان ، وأنى لنا بأمثال هؤلاء من أمراء المسلمين وملوكهم، وعندهم المال الوفير من أكناز الأرض.

ومن لا ينفق ألقى بنفسه وبقومه في التهلكة، ولقد قال تعالى في الإنفاق في الحرب: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

وما تنفقوا و"ما" هنا شرطية، أي: إن تنفقوا في سبيل الله تعالى - وسبيل الله تعالى هو الجهاد يوف إليكم أي بالبركة في رزقكم، وبتيسير الرزق لكم، وتسهيل سبل الحياة والنماء في أموالكم، وبعد ذلك الجزاء في الآخرة، وهي خير [ ص: 3177 ] وأبقى، وأوفى وأتم، بهذا التفسير الدنيوي والنماء في هذه الحياة، والجزاء في الآخرة لا يظلمون، لا تنقصون شيئا مما قدمتم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث