الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الحجة في أن المؤلي مخير بين الطلاق والعود

ودلت الآية على أن كل من صح منه الإيلاء بأي يمين حلف ، فهو مؤل حتى يبر ، إما أن يفيء ، وإما أن يطلق ، فكان في هذا حجة لما ذهب إليه من يقول من السلف والخلف : إن المؤلي باليمين بالطلاق إما أن يفيء ، وإما أن يطلق ، ومن يلزمه الطلاق على كل حال لم يمكنه إدخال هذه اليمين في حكم الإيلاء ، فإنه إذا قال : إن وطئتك إلى سنة فأنت طالق ثلاثا ، فإذا مضت أربعة أشهر لا يقولون له إما أن تطأ وإما أن تطلق ، بل يقولون له إن وطئتها طلقت ، وإن لم تطأها [ ص: 317 ] طلقنا عليك ، وأكثرهم لا يمكنه من الإيلاج لوقوع النزع الذي هو جزء الوطء في أجنبية ، ولا جواب عن هذا إلا أن يقال بأنه غير مؤل ، وحينئذ فيقال : فلا توقفوه بعد مضي الأربعة الأشهر ، وقولوا : إن له أن يمتنع من وطئها بيمين الطلاق دائما ، فإن ضربتم له الأجل أثبتم له حكم الإيلاء من غير يمين ، وإن جعلتموه مؤليا ولم تجيزوه خالفتم حكم الإيلاء وموجب النص ، فهذا بعض حجج هؤلاء على منازعيهم .

فإن قيل : فما حكم هذه المسألة ، وهي إذا قال : إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا .

قيل : اختلف الفقهاء فيها ، هل يكون مؤليا أم لا؟ على قولين : وهما روايتان عن أحمد ، وقولان للشافعي في الجديد ، أنه يكون مؤليا ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك . وعلى قولين : فهل يمكن من الإيلاج ؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي .

أحدهما : أنه لا يمكن منه ، بل يحرم عليه ؛ لأنها بالإيلاج تطلق عندهم ثلاثا ، فيصير ما بعد الإيلاج محرما ، فيكون الإيلاج محرما ، وهذا كالصائم إذا تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر ، إلا قدر إيلاج لذكر دون إخراجه ، حرم عليه الإيلاج ، وإن كان في زمن الإباحة لوجود الإخراج في زمن الحظر كذلك هاهنا يحرم عليه الإيلاج ، وإن كان قبل الطلاق لوجود الإخراج بعده .

والثاني : أنه لا يحرم عليه الإيلاج ، قال الماوردي : وهو قول سائر أصحابنا ؛ لأنها زوجته ، ولا يحرم عليه الإخراج ؛ لأنه ترك . وإن طلقت بالإيلاج ويكون المحرم بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والنزع ، وهذا ظاهر نص الشافعي ، فإنه قال لو طلع الفجر على الصائم وهو مجامع وأخرجه مكانه كان على صومه ، فإن مكث بغير إخراجه أفطر ويكفر . وقال في كتاب الإيلاء ولو قال إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا ، وقف ، فإن فاء ، فإذا غيب [ ص: 318 ] الحشفة ، طلقت منه ثلاثا ، فإن أخرجه ثم أدخله فعليه مهر مثلها . قال هؤلاء ويدل على الجواز أن رجلا لو قال لرجل : ادخل داري ولا تقم ، استباح الدخول لوجوده عن إذن ، ووجب عليه الخروج لمنعه من المقام ، ويكون الخروج وإن كان في زمن الحظر مباحا ؛ لأنه ترك ، كذلك هذا المؤلي يستبيح أن يولج ، ويستبيح أن ينزع ويحرم عليه استدامة الإيلاج ، والخلاف في الإيلاج قبل الفجر والنزع بعده للصائم كالخلاف في المؤلي ، وقيل يحرم على الصائم الإيلاج قبل الفجر ، ولا يحرم على المؤلي ، والفرق أن التحريم قد يطرأ على الصائم بغير الإيلاج ، فجاز أن يحرم عليه الإيلاج ، والمؤلي لا يطرأ عليه التحريم بغير الإيلاج فافترقا .

وقالت طائفة ثالثة : لا يحرم عليه الوطء ، ولا تطلق عليه الزوجة ، بل يوقف ، ويقال له : ما أمر الله ؟ إما أن تفيء ، وإما أن تطلق . قالوا : وكيف يكون مؤليا ولا يمكن من الفيئة ، بل يلزم بالطلاق ، وإن مكن منها وقع به الطلاق ، فالطلاق واقع به على التقديرين مع كونه مؤليا ؟ فهذا خلاف ظاهر القرآن بل يقال لهذا : إن فاء لم يقع به الطلاق ، وإن لم يفئ ألزم بالطلاق ، وهذا مذهب من يرى اليمين بالطلاق لا يوجب طلاقا ، وإنما يجزئه كفارة يمين ، وهو قول أهل الظاهر ، وطاووس ، وعكرمة ، وجماعة من أهل الحديث ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث