الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين

جزء التالي صفحة
السابق

كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين

فإن قلت: بم تعلق قوله: كما أنزلنا ؟ قلت: فيه وجهان:

أحدهما، أن يتعلق بقوله: ولقد آتيناك أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون، الذين جعلوا القرآن عضين ، حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل، وعضوه، وقيل: كانوا يستهزؤون به فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي، ويجوز أن يراد بالقرآن: ما يقرؤونه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم، وبأن اليهود أقرت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض، وهذه تسلية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم: سحر وشعر وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.

والثاني: أن يتعلق بقوله: وقل إني أنا النذير المبين أي: وأنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعني: اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز; لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوبا بالنذير، أي: أنذر المعضين الذين يجزؤون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان [ ص: 419 ] برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا; فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا -عليه السلام- والاقتسام بمعنى: التقاسم.

فإن قلت: إذا علقت قوله: كما أنزلنا بقوله: ولقد آتيناك : فما معنى توسط "لا تمدن" إلى آخره بينهما ؟

قلت: لما كان ذلك تسلية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدد لمعنى التسلية، من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين، "عضين": أجزاء، جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة: من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء، قال رؤبة [من الرجز]:


وليس دين الله بالمعضي



وقيل: هي فعلة، من عضهته إذا بهته، وعن عكرمة : العضة: السحر، بلغة قريش، يقولون للساحر: عاضهة، ولعن النبي -صلى الله عليه وسلم- العاضهة والمستعضهة، نقصانها على الأول: واو، وعلى الثاني: هاء.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث