الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الإنكار بداعي الريبة وظن المنكر والتجسس لذلك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 281 ] في الإنكار بداعي الريبة وظن المنكر والتجسس لذلك ) .

نص أحمد فيمن رأي إناء يرى أن فيه مسكرا أنه يدعه يعني لا يفتشه ، ترجم عليه الخلال ( ما يكره أن يفتش إذا استراب به ) وقطع القاضي في المعتمد أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا ظن وقوعه ، وحكي عن بعضهم أنه يجب ، واختار ابن المنذر ، وغيره من الأئمة أن الميت إذا نيح عليه يعذب إذا لم يوص بتركه ، وكان من عادة أهله النوح ، وهذا معنى اختيار الشيخ فخر الدين في التلخيص قال الشيخ مجد الدين في شرح الهداية : وهو أصح الأقوال ; لأنه متى غلب على ظنه فعلهم له ولم يوص بتركه مع القدرة فقد رضي به فصار كتارك النهي على المنكر مع القدرة فقد جعل ظن وقوع المنكر بمنزلة المنكر الموجود في وجوب الإنكار ، والمشهور عندنا في هذا الحال أنه لا يعذب .

وذكر القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية : إن غلب على الظن استسرار قوم بالمعصية لأمارة دلت ، وآثار ظهرت ، فإن كان في انتهاك حرمة يفوت استدراكها ، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا [ ص: 282 ] برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها جاز أن يتجسس ، ويقدم على البحث والكشف هذا في المحتسب وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف ، والإنكار كالذي كان من شأن المغيرة بن شعبة وشهوده ، ولم ينكر عليهم عمر رضي الله عنه هجومهم ، وإن حدهم للقذف عند قصور الشهادة .

وإن كان دون ذلك في الريبة لم يجز التجسس عليه ، ولا كشف الأستار عنه ، وكذا ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية ، وظاهر كلام أحمد في موضع جوازه كما سيأتي في تسويته بين الحالين وعملا بالظن ، وهو رأي بعض المتأخرين ، ويتوجه أن يقال : نص أحمد في هذا الفصل في ظن وقوع منكر مستور ، ونصه في الفصل بعده في ظن وقوع منكر ظاهر ، فينكر الظاهر لا المستور .

وقول القاضي في انتهاك حرمة يفوت استدراكها دليل على أن المنكر المستور إذا زال لا تجوز المجاوزة بدخول الدار والمكان ، وغير ذلك لحصول المقصود ، وهو زوال المنكر ، وقد قال المروذي : قرأت على أبي عبد الله بن الربيع الصوفي قال : دخلت على سفيان بالبصرة فقلت : يا أبا عبد الله إني أكون مع هؤلاء المحتسبة ، فندخل على هؤلاء ، ونتسلق على الحيطان ، فقال : أليس لهم أبواب ؟ قلت : بلى ولكن ندخل عليهم لئلا يفروا ، فأنكره إنكارا شديدا وعاب فعلنا ، فقال رجل : من أدخل ذا ؟ قلت : إنما دخلت إلى الطبيب لأخبره بدائي ، فانتفض سفيان . وقال : إنما أهلكنا أنا نحن سقمى ، ونسمى أطباء ، ثم قال : لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كن فيه خصال ثلاث : رفيق بما يأمر ، رفيق بما ينهى عدل بما يأمر ، عدل بما ينهى ، عالم بما يأمر ، عالم بما ينهى . فإقرار أحمد هذا ولم يخالفه دل على القول به ، فأما إن لم يزل المنكر إلا بذلك فقد تقدم الكلام في إنكار المنكر المستور . والله أعلم . [ ص: 283 ]

وفي الصحيحين أن عتبان بن مالك عمي فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء قومه ، وتغيب رجل منهم يقال له : مالك بن الدخشم ، وهو بضم الدال وسكون الخاء المعجمة وضم الشين المعجمة ، وبعدها ميم ، وقيل : بزيادة ياء بعد الخاء على التصغير . وورد بالألف واللام في أوله وبدونهما وروي في غير الصحيح بالنون بدل الميم مكبرا ومصغرا ويقال أيضا الدخشن بكسر الدال والشين وفي الخبر { أنه عليه السلام دخل وهو يصلي في منزله وأصحابه يتحدثون بينهم ، وأنهم ودوا أنه دعا عليه ، فهلك وودوا أنه أصابه شيء ، فقضى عليه السلام وقال : أليس يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ؟ فقالوا : إنه يقول ذلك وما هو في قلبه : قال إنه لا يشهد أحد أنه لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه } .

وفي البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ألا تراه قال : لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله عز وجل } .

قال ابن عبد البر : لم يختلفوا أنه شهد بدرا وما بعدها من المشاهد قال : ولا يصح عنه النفاق .

قال ابن الجوزي : لا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار ، ولا يتعرض للشم ليدرك رائحة الخمر ، ولا يمس ما قد ستر بثوب ليعرف شكل المزمار ، ولا أن يستخبر جيرانه ليخبر بما جرى ، بل لو أخبره عدلان ابتداء أن فلانا يشرب الخمر فله إذ ذاك أن يدخل ، وينكر انتهى كلامه . وقد قال زيد بن وهب : أتي ابن مسعود فقيل له : هذا فلان يعني الوليد تقطر لحيته خمرا ، فقال : عبد الله إنا قد انتهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به رواه أبو داود حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد فذكره ، ولم يقل فيه يعني الوليد .

والأعمش مدلس والمعروف أن المدلس لا يحتج به إذا لم يصرح بالسماع إلا ما استثني من البخاري ومسلم حملا على السماع ، وبتقدير صحته ، غايته ظن صحابي واعتقاده أن هذا من التجسس على أن قوله : أتي ابن مسعود فقيل له : هذا فلان تقطر لحيته خمرا ، يحتمل أن يكون مراده الآن ويحتمل أن مراده من شأنه وعادته ، ذكره أبو داود في باب النهي عن التجسس [ ص: 284 ]

وروى فيه بإسناد الصحيح عن سفيان بن ثور عن راشد بن سعد عن معاوية قال : سمعت رسول الله يقول : { إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم } فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله عز وجل بها حدثنا سعيد بن عمرو الحمصي حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير وكثير بن مرة وعمرو بن الأسود والمقداد بن معدي كرب وأبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم } ضمضم حمصي مختلف في توثيقه .

وروى في باب الغيبة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا الأسود بن عامر حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عز وجل عورته ، ومن يتبع الله عز وجل عورته يفضحه في بيته } سعيد روى عنه اثنان ، ووثقه ابن حبان .

وقال أبو حاتم مجهول .

ورواه أحمد من حديثه ، وللترمذي وقال : حديث حسن غريب من حديث ابن عمر معناه وفيه : { لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم } ثم ذكر معنى ما تقدم ولأحمد بإسناد حسن من حديث ثوبان { لا تؤذوا عباد الله } وساقه بمعنى ما تقدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث