الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق

[ ص: 529 ] ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون

استئناف بياني أثاره ما شنع به حالهم من لزوم الذلة والمسكنة لهم والإشارة إلى ما تقدم من قوله وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب . وأفرد اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالمذكور وهو أولى بجواز الإفراد من إفراد الضمير في قول رؤبة :

فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق

قال أبو عبيدة لرؤبة : إن أردت الخطوط فقل كأنها ، وإن أردت السواد والبياض فقل كأنهما . فقال رؤبة : أردت كأن ذلك ويلك وإنما كان ما في الآية أولى بالإفراد لأن الذلة والمسكنة والغضب مما لا يشاهد فلا يشار إلى ذاتها ولكن يشار إلى مضمون الكلام وهو شيء واحد أي مذكور ومقول ومن هذا قوله تعالى ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم أي ذلك القصص السابق . ومنه قوله تعالى عوان بين ذلك وسيأتي وقال صاحب الكشاف والذي حسن ذلك أن أسماء الإشارة ليست تثنيتها وجمعها وتأنيثها على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع اهـ . قيل أراد به أن جمع أسماء الإشارة وتثنيتها لم يكن بزيادة علامات بل كان بألفاظ خاصة بتلك الأحوال فلذلك كان استعمال بعضها في معنى بعض أسهل إذا كان على تأويل . وهو قليل الجدوى لأن المدار على التأويل والمجاز سواء كان في استعمال لفظ في معنى آخر أو في استعمال صيغة في معنى أخرى فلا حسن يخص هذه الألفاظ فيما يظهر . فلعله أراد أن ( ذا ) موضوع لجنس ما يشار إليه .

والذي موضوع لجنس ما عرف بصلة فهو صالح للإطلاق على الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث وإن ما يقع من أسماء الإشارة والموصولات للمثنى نحو ذان وللجمع نحو أولئك ، إنما هو اسم بمعنى المثنى والمجموع لا أنه تثنية مفرد ، وجمع مفرد ، فذا يشار به للمثنى والمجموع ولا عكس فلذلك حسن استعمال المفرد منها للدلالة على المتعدد .

والباء في قوله بأنهم كانوا يكفرون سببية أي أن كفرهم وما معه كان سببا لعقابهم في الدنيا بالذلة والمسكنة وفي الآخرة بغضب الله وفيه تحذير من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه . [ ص: 530 ] وقوله ويقتلون النبيئين بغير الحق خاص بأجيال اليهود الذين اجترموا هذه الجريمة العظيمة سواء في ذلك من باشر القتل وأمر به ومن سكت عنه ولم ينصر الأنبياء .

وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء بن أموص الذي كان حيا في منتصف القرن الثامن قبل المسيح قتله الملك منسي ملك اليهود سنة 700 قبل المسيح نشر نشرا على جذع شجرة .

وأرمياء النبيء الذي كان حيا في أواسط القرن السابع قبل المسيح وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه بالحجارة حتى قتلوه وفي ذلك خلاف . وزكرياء الأخير أبا يحي قتله هيرودس العبراني ملك اليهود من قبل الرومان لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى ، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت هيرودس على يحيى .

وقوله بغير الحق أي بدون وجه معتبر في شريعتهم فإن فيها : أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دينهم لتخليد مذمتهم ، وإلا فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال ، وإنما قال الأنبياء لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ قال تعالى إنا لننصر رسلنا وقال والله يعصمك من الناس ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ادعاء منافيا لحكمة الإرسال ولكن الله أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما أرسل إليه .

وقوله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى نفس المشار إليه بذلك الأولى فيكون تكريرا للإشارة لزيادة تمييز المشار إليه حرصا على معرفته ، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة ولغضب الله تعالى عليهم ، والآية حينئذ من قبيل التكرير وهو مغن عن العطف مثل قوله تعالى أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون . ويجوز أن يكون المشار إليه بذلك الثاني هو الكفر بآيات الله وقتلهم النبيئين فيكون ذلك إشارة إلى سبب ضرب الذلة إلخ فما بعد كلمة ذلك هو سبب السبب تنبيها على أن إدمان العاصي يفضي إلى التغلغل فيها والتنقل من أصغرها إلى أكبرها .

والباء على الوجهين سببية على أصل معناها . ولا حاجة إلى جعل إحدى الباءين بمعنى [ ص: 531 ] مع على تقدير جعل اسم الإشارة الثاني تكريرا للأول أخذا من كلام الكشاف الذي احتفل به الطيبي فأطال في تقريره وتفنين توجيهه فإن فيه من التكلف ما ينبو عنه نظم القرآن .

وكان الذي دعا إلى فرض هذا الوجه هو خلو الكلام من عاطف يعطف بما عصوا على بأنهم كانوا يكفرون إذا كانت الإشارة لمجرد التكرير . ولقد نبهناك آنفا إلى دفع هذا بأن التكرير يغني غناء العطف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث