الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الباب السادس .

[ المواضع التي لا يصلى فيها ]

- وأما المواضع التي يصلى فيها ، فإن من الناس من أجاز الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة ، ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع : المزبلة ، والمجزرة ، والمقبرة ، وقارعة الطريق ، والحمام ، ومعاطن الإبل ، وفوق ظهر بيت الله ، ومنهم من استثنى من ذلك المقبرة فقط ، ومنهم من استثنى المقبرة والحمام ، ومنهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها ولم يبطلها وهو أحد ما روي عن مالك ، وقد روي عنه الجواز ، وهذه رواية ابن القاسم .

وسبب اختلافهم : تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب ، وذلك أن ههنا حديثين متفق على صحتهما وحديثين مختلف فيهما .

فأما المتفق عليهما فقوله - عليه الصلاة والسلام - : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ، وذكر فيها : وجعلت لي الأرض مسجدا ، وطهورا ، فأينما أدركتني الصلاة صليت " وقوله - عليه الصلاة والسلام - : " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا " ، وأما الغير المتفق عليهما فأحدهما ما روي " أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى أن يصلى في سبعة مواطن : في المزبلة ، والمجزرة ، والمقبرة ، وقارعة الطريق ، وفي الحمام وفي معاطن الإبل ، وفوق ظهر بيت الله " خرجه الترمذي .

والثاني ما روي أنه قال - عليه الصلاة والسلام : - " صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل " فذهب الناس في هذه الأحاديث ثلاثة مذاهب : أحدها : مذهب الترجيح ، والنسخ ، والثاني مذهب البناء : ( أعني : بناء الخاص على العام ) . والثالث : مذهب الجمع . فأما من ذهب مذهب الترجيح والنسخ فأخذ بالحديث المشهور ، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام : - " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وقال : هذا ناسخ لغيره ; لأن هذه هي فضائل له - عليه الصلاة والسلام - وذلك مما لا يجوز نسخه .

وأما من ذهب مذهب بناء الخاص على العام فقال : حديث الإباحة عام ، وحديث النهي خاص ، فيجب [ ص: 102 ] أن يبنى الخاص على العام . فمن هؤلاء من استثنى السبعة مواضع ، ومنهم من استثنى الحمام والمقبرة وقال : هذا هو الثابت عنه - عليه الصلاة والسلام - لأنه قد روي أيضا النهي عنهما مفردين ، ومنهم من استثنى المقبرة فقط للحديث المتقدم .

وأما من ذهب مذهب الجمع ولم يستثن خاصا من عام فقال أحاديث النهي محمولة على الكراهة ، والأول على الجواز . واختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس ، فكرهها قوم ، وأجازها قوم ، وفرق قوم بين أن يكون فيها صور أو لا يكون ، وهو مذهب ابن عباس لقول عمر : ( لا تدخل كنائسهم من أجل التماثيل ) والعلة فيمن كرهها لا من أجل التصاوير ، حملها على النجاسة ، واتفقوا على الصلاة على الأرض ، واختلفوا في الصلاة على الطنافس وغير ذلك مما يقعد عليه على الأرض ، والجمهور على إباحة السجود على الحصير وما يشبهه مما تنبته الأرض ، والكراهية بعد ذلك ، وهو مذهب مالك بن أنس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث