الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل كل من آمن وتاب بعد نزول العذاب نفعه إيمانه

فصل

وقد دلت الآية على أن كل من آمن وتاب بعد نزول العذاب نفعه إيمانه ، وأما من لم يتب أو تاب توبة كاذبة فهذا لا ينفعه . وأما التوبة عند [ ص: 381 ] حضور الموت فهي كالتوبة يوم القيامة ، قال تعالى : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار [النساء :18] ، وقال : كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به [آل عمران :86 - 91] . وقد فسروا ازديادهم كفرا بأنهم أصروا عليه إلى الموت ، فلن تقبل توبتهم عند الموت ، وذلك -والله أعلم- لأنه حين الموت وقع مبادئ الجزاء ، فلم يكن ثم زمن يتسع لأن يرجعوا عن السيئات ، فتنقص أو تذهب ، بل حصلت بالإصرار في زيادة بلا نقصان . ولو تاب أحدهم قبل الموت لم يكونوا قد ازدادوا كفرا ، بل ذهب الأصل والزيادة ، فإنهم بدلوا السيئات بالحسنات ، وأما عند الموت فقد ازدادوا بالإصرار ، ولم يكن هناك وقت يذهب ، لا هذا ولا هذا .

فقوله : ثم ازدادوا في معنى قوله : واستمروا على كفرهم وأصروا على كفرهم ، ونظيرها قوله : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم [ ص: 382 ] آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا [النساء :137] ، فهنا قال : لم يكن الله ليغفر لهم ، وهناك قال : لن تقبل توبتهم ، فإنه لو آمن ثم كفر ثم آمن وتاب من ردته قبلت توبته كما تقدم ، فإن كفر وارتد مرة ثانية حبط الإيمان الذي غفر به ذلك الكفر ، فيبقى عليه إثم الكفر الأول والثاني ، فإذا ازداد كفرا فأصر إلى الموت لم يغفر له . وقد ذكر في أول السورة الذي ازداد كفرا بعد الكفر الأول ، فذكر الكفر الأول والمكرر إذا حصل معهما ازدياد ، ولما قال هناك : لم تقبل توبتهم عند الموت كان هذا تنبيها على أن الثاني لا تقبل توبته بطريق الأولى . ولما ذكر في الثاني أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ، كان مفهومه أنهم لو تابوا قبل الارتداد لقبلت توبتهم وإن كرروا الكفر . فدل على أن قوله في الأولى : ازدادوا أراد به الإصرار ، فإنه لو لم يرد به الإصرار لكان من كفر بعد إيمانه وبقي مدة ثم تاب لم تقبل توبته ، وهذا خلاف قوله قبل ذلك : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [آل عمران :89] ، وخلاف مفهوم آية التكرير ، ولو كان كل مرتد بقي مدة لا تقبل توبته لم يحتج إلى التكرير .

فإن قيل : ازدياد الكفر أن يأتي مع الردة بزيادة في الكفر يغلظ به الكفر ، فتكون ردته مغلظة ، كردة مقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل [ ص: 383 ] اللذين أهدر دمهما يوم الفتح .

قيل : هذا من مسائل الاجتهاد ، والكلام فيه مبسوط في غير هذا الموضع . والذين أتاهم العذاب وبقي زمنا حتى ماتوا ، كقوم نوح لما شرع الماء يزيد لو تابوا كما تاب قوم يونس لقبل الله توبتهم ، لكن لم يتوبوا . وكذلك قوم عاد لما رأوا السحاب فقالوا : هذا عارض ممطرنا [الأحقاف :24] ، فهبت الريح سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، لم يتوبوا . وكذلك قوم صالح لما عقروا الناقة قال : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب [هود :65] لم يتوبوا .

فإن قيل : فقد قال : فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب [الشعراء :157 - 158] .

قيل : وقد قال عن أحد ابني آدم : فأصبح من النادمين [المائدة :31] ، ولم يكن هذا ندم توبة ، كذلك أولئك قالوا : وقد يقال : كانوا موعودين بالعذاب إذا عقروها ، وعذاب الدنيا لا يندفع بمثل هذه التوبة ، فإن قوم موسى لما تابوا من عبادة العجل كانت توبتهم بقتل خلق كثير منهم . وكذلك لما سألوا الرؤية جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم لم يتوبوا إلا خوفا من عذاب الدنيا .

أو يقال : كانت توبتهم من جنس توبة آل فرعون ، إذا جاءهم العذاب [ ص: 384 ] تابوا ، فإذا رفع نكثوا التوبة . فقوله : نادمين لا يدل على توبة صادقة ثابتة .

وكذلك قوله : وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين [الأنبياء :11 - 15] . فهو لم يذكر عنهم توبة ، ولكن إخبارهم بأنهم ظالمون ، والكفار والعصاة معترفون أنهم ظالمون مع الإصرار ، وإبليس معترف أنه عاص لربه مع إصراره ، وفرعون كان يعلم أن موسى صادق مع إصراره ، ومجرد العلم بأنه مذنب ليس توبة ، إنما التوبة رجوع القلب عن الذنب إلى الله تعالى وطاعته .

وكذلك قوم شعيب لما أخذتهم الظلة لم يتوبوا ، وكذلك قوم لوط لما جاءهم العذاب لم يتوبوا . والتوبة عند نزول العذاب كثيرا ما تكون غير صادقة ، بل يتوب إلى أن ينكشف ، ثم يعود ، كتوبة آل فرعون باللسان من غير عمل بموجبها ، بل مع الكذب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث