الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس

جزء التالي صفحة
السابق

( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين )

تقرر في الآيات السابقة أنه ليس لأحد أن يحرم على أحد شيئا من الطعام - وكذا غيره - إلا بإذن من الله في وحيه إلى رسله . وأن من فعل ذلك فهو مفتر على الله تعالى معتد على مقام الربوبية ، إذ لا يحرم على العباد إلا ربهم . وأن من أطاعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله تعالى في ربوبيته ، والآيات في هذا المعنى كثيرة . وأن من هذا الشرك والافتراء على الله تعالى ما حرمت الجاهلية من الأنعام والحرث كما فصل في الآيات التي قبل هذه ، [ ص: 130 ] وقد ختم الله تعالى هذا السياق ببيان ما حرمه على عباده من الطعام على لسان خاتم رسله وشرع من قبله فقال : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ) أي قل أيها الرسول لهؤلاء المفترين على الله تعالى فيما يضرهم من تحريم ما لم يحرم عليهم ولغيرهم من الناس : لا أجد فيما أوحاه الله تعالى إلي طعاما محرما على آكل يريد أن يأكله ، بل الأصل في جميع ما شأنه أن يؤكل أن يكون مباحا لذاته ، إلا أن يكون ميتة ، أي بهيمة ماتت حتف أنفها ولو بسبب غير التذكية بقصد الأكل ، أو دما مسفوحا ، أي مصبوبا كالدم الذي يجري من المذبوح أو لحم خنزير ، فإن ذلك كله خبيث تعافه الطباع السليمة وضار بالأبدان الصحيحة ، أو فسقا أهل لغير الله به ، وهو ما يتقرب به إلى غيره تعبدا ويذكر اسم ذلك الغير عليه عند ذبحه ، وجعل بعضهم الوصف بالرجس للحم الخنزير خاصة واستدلوا به على نجاسة عينه حتى قال بعضهم بنجاسة شعره . وما اخترناه من كون الوصف لجميع ما ذكر من الأنواع الثلاثة هو المتبادر وهو أظهر في الميتة والدم المسفوح منه في لحم الخنزير ، ولا سيما إذا أريد بالرجس الحسي منه فإن طباع أكثر البشر تستقذرهما وتعافهما ، ولحم الخنزير من أجمل اللحوم منظرا فلا يعافه إلا من يعتقد حرمته وذلك استقذار معنوي لا حسي ، وإنما يستقذر الخنزير حيا بملازمته للأقذار وأكله منها . والأرجح أن سبب تحريم لحمه ما فيه من الضرر لا كونه من القذر ، وتقدم بيان ذلك في تفسير آية المائدة .

قرأ ابن كثير وحمزة ( تكون ميتة ) بالتاء لتأنيث ميتة ، وابن عامر بالتاء مع رفع ميتة على معنى إلا أن توجد ميتة ، والباقون بالياء مع نصب ميتة وهذه وجوه في العربية كلها جائزة فصيحة .

( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ) أي فمن دفعته ضرورة المجاعة وفقد الحلال إلى أكل شيء من هذه المحرمات حال كونه غير باغ ، أي مريد لذلك قاصد له ولا متعد فيه قدر الضرورة ، فإن ربك الذي لم يحرم ما ذكر إلا لضرره . غفور رحيم فلا [ ص: 131 ] يؤاخذه بأكل ما يسد رمقه ويدفع به الهلاك عن نفسه . وقيل : إن المراد بالباغي من يبغي على مضطر مثله فينزع منه ما هو مضطر إليه إيثارا لنفسه عليه . وهذا مما يعلم حظره من أدلة أخرى وقيل : هو من يبغي على الإمام الحق ويخرج عليه . وهذه معصية لا دخل لها في حل الطعام وحرمته .

وظاهر الآية مع عطف ما حرم على بني إسرائيل عليها أن حصر محرمات الأطعمة في الأنواع الأربعة أصل من أصول شرائع جميع رسل الله تعالى ، والمعنى : لا أجد فيما أوحي إلي من أخبار الأنبياء وشرائعهم ولا فيما شرع على لساني أن الله حرم طعاما ما على طاعم ما يطعمه إلا هذه الأنواع الأربعة ، وما حرمه على اليهود تحريما موقتا عقوبة لهم وهو ما ذكر جملته أو أهمه في الآية التالية ، ودليل كونه موقتا ما في سورة آل عمران حكاية عن عيسى عليه السلام ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) ( 3 : 50 ) وما سيأتي في سورة الأعراف فيمن يتبع خاتم المرسلين منهم : ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) ( 7 : 157 ) ودليل كونه عقوبة لا لذاته ما سيأتي وقوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) ( 3 : 93 ) .

الآية وردت بصيغة الحصر القطعي ، فهي نص قطعي في حل ما عدا الأنواع الأربعة التي حصر التحريم بها فيها ، وقد بينا في تفسير آية المائدة أن المنخنقة والموقوذة والمتردية وأكيلة السبع اللاتي تموت بذلك ولا تدرك تذكيتها قبل الموت من نوع الميتة ، فهي تفصيل لها لا أنواع حرمت بعد ذلك حتى تعد ناسخة لآية الأنعام وتحريم الخبائث لا يدل على محرمات أخرى في الطعام غير هذه فيجعل ناسخا للحصر فيها ، فإن لفظ الخبائث يشمل ما ليس من الأطعمة كالأقذار وأكل أموال الناس بالباطل وكل شيء رديء . قال تعالى : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) ( 2 : 267 ) فليس في القرآن ناسخ لهذه الآية وما في معناها من الآيات المؤكدة لها ولا مخصص لعمومها ، وما يريد الله نسخه أو تخصيصه لا يجعله بصيغة الحصر المؤكدة كل هذا التأكيد الذي نشرحه بعد . ولكن ورد في الأحاديث تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير الجوارح وغير ذلك مما يأتي ; ولذلك . اختلفت أقوال مفسري السلف والخلف في الآية . وهاك ملخص المأثور فيها من الأخبار والآثار نقلا عن كتاب الدر المنثور :

أخرج عبد بن حميد ، عن طاوس قال : إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء ويستحلون أشياء فنزلت ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو داود ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا [ ص: 132 ] فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه ، فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو منه ، ثم تلا هذه الآية ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) إلى آخر الآية .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) فقال : ما خلا هذا فهو حلال .

وأخرج البخاري ، وأبو داود ، وابن المنذر ، والنحاس ، وأبو الشيخ ، عن عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد : إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر ، فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس وقرأ ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله في كتابه ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية .

وأخرج سعيد بن منصور ، وأبو داود ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن ابن عمر أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : خبيث من الخبائث ، فقال ابن عمر : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، فهو كما قال .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والنحاس ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير تلت ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية .

وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت : يا رسول الله ماتت فلانة - تعني الشاة - قال : " فلولا أخذتم مسكها " قالت : يا رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت ؟ فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ) " وإنكم لا تطعمونه وإنما تدبغونه حتى تنتفعوا به " فأرسلت إليها فسلختها ثم دبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ) إلى آخر الآية وقال : إنما حرم من [ ص: 133 ] الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم ، فأما الجلد والقد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أودجوا الدابة وأخذوا الدم فأكلوه . قالوا : هو دم مسفوح .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة قال : حرم من الدم ما كان مسفوحا فأما لحم يخالطه الدم فلا بأس به .

وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : ( أو دما مسفوحا ) قال : المسفوح الذي يهراق ولا بأس بما كان في العروق منها .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن عكرمة قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال له : آكل الطحال ؟ قال : نعم ، قال : إن عامتها دم ، قال : إنما حرم الله الدم المسفوح .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو الشيخ ، عن أبي مجلز في الدم يكون في مذبح الشاة أو الدم يكون على أعلى القدر ؟ قال : لا بأس إنما نهي عن الدم المسفوح .

وأخرج أبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن ابن عمر وعائشة قالا : لا بأس بأكل كل ذي شيء إلا ما ذكر الله في هذه الآية ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية .

وأخرج أبو الشيخ ، عن الشعبي أنه سئل عن لحم الفيل والأسد - فتلا ( قل لا أجد في ما أوحي إلي ) الآية .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأبو الشيخ ، عن ابن الحنفية أنه سئل عن أكل الجريث فقال : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس أنه سئل عن ثمن الكلب والذئب والهر وأشباه ذلك فقال : ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) ( 5 : 101 ) كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون أشياء فلا يحرمونها وأن الله أنزل كتابا فأحل فيه حلالا وحرم فيه حراما وأنزل في كتابه : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ) .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، والنسائي ، عن ابن عمر قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . [ ص: 134 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، ومسلم ، والنسائي ، عن أبي ثعلبة قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال : أكلت الحمر ، ثم جاءه جاء فقال : أفنيت الحمر ، فأمر مناديا فنادى في الناس " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس " فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم .

وأخرج مالك ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والترمذي وحسنه عن جابر قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والمجثمة والحمار الإنسي .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والترمذي وحسنه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع وحرم المجثمة والخلسة والنهبة .

وأخرج أبو داود ، والترمذي . وابن ماجه ، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهرة وأكل ثمنها .

وأخرج أبو داود ، عن عبد الله بن شبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضب . وأخرج مالك ، والشافعي ، وابن أبي شيبة ، والبخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن ابن عمر قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب فقال : " لست آكله ولا أحرمه " وأخرج مالك ، والبخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة ( وهي خالته ) فأتي بضب محنوذ ( مشوي بالحجارة المحماة ) فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، فقال بعض النسوة : أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل ، فقالوا : هو ضب يا رسول الله ، فرفع يده فقلت : أحرام هو يا رسول الله ؟ قال : " لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه " قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر . [ ص: 135 ] هذه جملة الأحاديث والآثار التي أوردها السيوطي في تفسير هذه الآية مما يؤيد الحصر في الآية ويخالفه . وتركت أضعف المكرر منها وإن كانت فيه زيادة كحديث خالد بن الوليد فيما حرم يوم خيبر وفيه الخيل والبغال وهو ضعيف وإنما أسلم خالد بعد خيبر . وفي أصحها أن ابن عباس كان يحتج بالآية على حصر محرمات الطعام فيما حرمته بالنص وإباحة ما عداه ولا يرى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الحمر الأهلية وغيرها ناسخا لها ولا مخصصا لعمومها على أن السلف كانوا يسمون التخصيص نسخا وكذلك ابن عمر وعائشة وهؤلاء من أعلم علماء الصحابة المتأخرين . وهذا هو الأصل القطعي المجمع عليه في هذا الباب وما عداه فهو مختلف فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث