الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ درس ] ( باب ذكر فيه حكم الصيام وما يتعلق به ) ، وهو لغة الإمساك عن الشيء وشرعا إمساك عن شهوتي البطن والفرج في جميع النهار بنية فله ركنان وافتتحه بما يثبت به رمضان بقوله ( يثبت رمضان ) أي يتحقق في الخارج وليس المراد خصوص الثبوت عند الحاكم بأحد أمور ثلاثة إما ( بكمال شعبان ) ثلاثين يوما وكذا ما قبله إن غم ولو شهورا لا بحساب نجم وسير قمر على المشهور ; لأن الشارع أناط الحكم بالرؤية أو بإكمال الثلاثين فقال عليه الصلاة والسلام { الشهر تسعة وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له } وفي رواية { فأكملوا عدة شعبان } ، وهي مفسرة لما قبلها قال مالك إذا توالى الغيم شهورا يكملون عدة الجميع حتى يظهر خلافه اتباعا للحديث ويقضون إن تبين لهم ما هم عليه انتهى ( أو برؤية عدلين ) الهلال المراد بهما ما قابل المستفيضة فيصدق بالأكثر فكل من أخبره عدلان برؤية الهلال أو سمعهما يخبران غيره وجب عليه الصوم لا بعدل ولا به وبامرأة ولا به وبامرأتين [ ص: 510 ] على المشهور في الكل أي فلا يجب على من سمع العدل أو هو والمرأة الصوم ، وأما الرائي فإنه يجب عليه قطعا فقوله بكمال شعبان أي ويعم قوله أو برؤية عدلين أي ولا يعم إلا إذا نقل بهما عنهما كما سيأتي ويثبت برؤية العدلين ( ولو ) ادعيا الرؤية ( بصحو بمصر ) أي في بلد كبير ( فإن ) ثبت برؤيتهما و ( لم ير ) لغيرهما ( بعد ثلاثين ) يوما من رؤيتهما حال كون السماء ( صحوا ) لا غيم فيها ( كذبا ) في شهادتهما ، وأما شهادتهما بعد الثلاثين صحوا فكالعدم لاتهامهما على ترويج شهادتهما ( أو ) برؤية جماعة ( مستفيضة ) لا يمكن تواطؤهم عادة على الكذب كل واحد منهم يخبر عن نفسه أنه رأى الهلال ولا يشترط أن يكونوا كلهم ذكورا أحرارا عدولا ( وعم ) الصوم سائر البلاد قريبا أو بعيدا ولا يراعى في ذلك مسافة قصر ولا اتفاق المطالع ولا عدمها فيجب الصوم على كل منقول إليه ( إن نقل ) ثبوته ( بهما ) أي بالعدلين أو بالمستفيضة ( عنهما ) أي عن العدلين أو عن المستفيضة فالصور أربع استفاضة عن مثلها أو عن عدلين وعدلان عن مثلهما أو عن استفاضة ولا بد في شهادة النقل عن الشاهدين أن ينقل عن كل واحد اثنان فيكفي نقل اثنين عن واحد ثم عن الآخر [ ص: 511 ] ولا يكفي نقل واحد عن واحد فالمصنف ظاهر في أن النقل عن رؤية العدلين بشرطه يعم كل من بلغه ذلك ، وهو مقتضى القواعد وظاهر ابن عبد السلام وكيف يصح لمن بلغه من أربعة عدول أو من عدلين نقلا عن كل من العدلين أنهما قد رأيا الهلال عدم لزوم الصوم فالقول بعد العموم والحالة هذه وإنما يخص من رأى ومن سمع منه دون من سمع من السامع وإنما محل العموم إذا حكم حاكم أو ثبت عنده مما لا وجه له ، وأما النقل عن الحكم بثبوت الهلال برؤية العدلين فإنه يعم ولو نقل الثبوت عند الحاكم واحد على الراجح

التالي السابق


( باب في الصيام ) ( قوله عن شهوتي البطن والفرج ) يبطل طرد هذا التعريف بما إذا جومعت نائمة أو قائمة عمدا فالتعريف يقتضي صحة صومه لإمساك كل عن شهوتي البطن والفرج وليس كذلك ( قوله فله ركنان ) أي الإمساك والنية وإنما كانا ركنين لدخولهما في ماهيته ومفهومه ، وأما شروط وجوبه فالإطاقة والبلوغ وشروط صحته الإسلام والزمان القابل للصوم ، وأما شروط وجوبه وصحته فالعقل وعدم الحيض والنفاس ومجيء شهر رمضان ( قوله أي يتحقق في الخارج ) سواء حكم بثبوته حاكم أو لا ( قوله وكذا ما قبله ) أي وكذا بكمال ما قبله ، وهو رجب ثلاثين وكذا ما قبل رجب وقوله إن غم شرط في كمال كل شهر ثلاثين أي إذا كانت السماء ليلة الثلاثين مغيمة في آخر كل شهر ، وأما إذا كانت السماء مصحية فلا يتوقف ثبوته على إكمال ثلاثين بل تارة يثبت بذلك إن لم ير الهلال وتارة يثبت برؤية الهلال ليلة الثلاثين فيكون شعبان أو غيره حينئذ تسعة وعشرين يوما كما سيأتي بقول أو برؤية عدلين للهلال .

( قوله لا بحساب نجم ) عطف على قوله بكمال شعبان وقوله وسير قمر تفسير وقوله على المشهور خلافا لمن قال إنه يثبت بحساب سير القمر ، وإذا ثبت بالحساب أن قوس القمر في تلك الليلة مرتفع بحيث إنه يرى ثبت الشهر وإلا فلا والثبوت بالنسبة لذلك الحاسب لسير القمر ولمن يصدقه في حسابه وهذا القول الضعيف هو مذهب الشافعي ( قوله أناط الحكم ) أي الذي هو ثبوت الشهر ( قوله تسعة وعشرون ) قيل إنه محمول على الغالب فيه لقول ابن مسعود رضي الله عنه { صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين } أخرجه أبو داود والترمذي وقد صام صلى الله عليه وسلم تسعة أعوام منها عامان ثلاثون وسبعة أعوام كل عام تسعة وعشرون ومعناه أن الشهر يكون تسعة وعشرين وهكذا وقع في حديث أم سلمة في البخاري قوله { فلا تصوموا حتى تروا الهلال } أي ليلة ثلاثين قوله { فإن غم عليكم } بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم ليلة الثلاثين قوله { فاقدروا له } بضم الدال وكسرها وهمزته همزة وصل أي فأتموه ثلاثين وهذا محط الاستدلال بالحديث وعلم مما قلناه أن المراد بإقداره إتمامه ثلاثين وأن اللام في قوله زائدة مثل { ردف لكم } وإتيان التقدير بمعنى التمام واقع بكثرة قال تعالى { قد جعل الله لكل شيء قدرا } أي تماما قوله { فأكملوا عدة شعبان } أي ثلاثين ليلة ( قوله وهي مفسرة لما قبلها ) أي لما علمت أن الإقدار يأتي بمعنى الإتمام والإكمال ( قوله ويقضون إن تبين لهم خلاف ما هم عليه ) أي كما إذا تبين أن شعبان تسعة وعشرون وأن رمضان كامل فإنهم يقضون يوما وإذا تبين نقص رجب وشعبان وكمال رمضان قضوا يومين قال عج ينبغي أن يقيد قول المصنف بكمال شعبان بما إذا لم تتوال أربعة أشهر قبل شعبان على الكمال وإلا جعل شعبان ناقصا ; لأنه لا يتوالى خمسة أشهر على الكمال كما لا يتوالى أربعة على النقص عند معظم أهل الميقات ا هـ وهذا ضعيف والمعتمد أنه إذا غم ليلة ثلاثين من شعبان لم يثبت رمضان إلا بكمال شعبان ، وإن توالى قبله أربعة كوامل أو ثلاثة نواقص ولا عبرة بقول أهل الميقات ا هـ عدوي واعلم أنه إذا كانت السماء مصحية ليلة إحدى وثلاثين من شعبان وقد كان هلاله ثبت برؤية عدلين من رجب فإن رمضان حينئذ لا يثبت بكمال شعبان لتكذيب الشاهدين أولا ولا يصح أن يقيد كلام المصنف بهذا [ ص: 510 ] لأن هذا لم يكمل فيه شعبان بدليل تكذيبهما ( قوله على المشهور في الكل ) خلافا لابن الماجشون في الأول ولأشهب في الثاني ولابن مسلمة في الثالث ( قوله أي فلا يجب على من سمع العدل ) أي سمعه يخبر بأنه رأى الهلال .

( قوله أي ويعم ) ثبوته البلاد والأقطار ( قوله ولا يعم ) أي ولا يعم ثبوته برؤيتهما بل إنما يجب الصوم في حق من أخبراه بالرؤية أو سمعهما يخبران غيره بها كما مر ( قوله إلا إذا نقل إلخ ) أي فكل من نقل إليه بعدلين عنهما وجب عليه الصوم ( قوله ولو ادعيا إلخ ) أي هذا إذا ادعيا الرؤية في غيم أو في صحو ببلد صغيرة بل لو ادعيا الرؤية بصحو مصر كما هو قول مالك وأصحابه قال ابن رشد ، وهو ظاهر المدونة وظاهره ولو ادعيا الرؤية في الجهة التي وقع الطلب فيها من غيرهما ورد المصنف بلو قول سحنون بردهما للتهمة ابن بشير ، وهو خلاف في حال أن نظر الكل إلى صوب واحد ردت ، وإن انفرد بالنظر إلى موضع ثبتت شهادتهما وعده ابن الحاجب قولا ثالثا واعترضه في التوضيح ( قوله فإن ثبت برؤيتهما ولم ير لغيرهما بعد ثلاثين صحوا ) ليس هذا مفرعا على شهادة الشاهدين في الصحو والمصر فقط كما قيل بل هو أعم من ذلك أي سواء كانت رؤيتهما مع الغيم أو الصحو كان البلد صغيرا أو كبيرا وكذا قال ابن غازي وأشار بقوله كما قيل لابن الحاجب وشراحه حيث فرعوه على المشهور فيما قبله واعترض ح إطلاق ابن غازي بأن أمر الشاهدين مع الغيم أو صغر المصر يحمل على السداد ( قوله بعد الثلاثين ) أي ليلة إحدى وثلاثين وقوله كذبا أي وحينئذ فصيام الحادي والثلاثون والحاصل أن تكذيبهما مشروط بأمرين عدم رؤيته لغيرهما ليلة إحدى وثلاثين وكون السماء صحوا في تلك الليلة فلو رآه غيرهما ليلة إحدى وثلاثين أو لم يره أحد وكانت السماء غيما لم يكذبا ووقع النزاع في أمر ثالث هل يشترط في تكذيبهما أن تكون رؤيتهما بصحو بمصر فإن كانت بغيم أو بصحو في بلد صغير لم يكذبا أو يكذبان مطلقا كانت رؤيتهما بصحو أو غيم كانت البلد صغيرا أو مصر الأول لشراح ابن الحاجب واختاره ح والثاني لابن غازي ومثل العدلين في كونهما يكذبان بالشرطين المذكورين ما زاد عليهما ولم يبلغ عدد المستفيضة ، وأما الجماعة المستفيضة فلا يتأتى فيهم ذلك لإفادة خبرهم القطع والظاهر أنه إن فرض عدم الرؤية بعد الثلاثين من إخبارهم بالرؤية دل على أن شرط الاستفاضة لم يتحقق فيهم وحينئذ فيكذبون والنية أول الشهر مع التكذيب صحيحة للعذر ولخلاف الأئمة ; لأن الشافعي يقول لا يكذب العدلان ويعمل في الفطر على رؤيتهما أولا وظاهر كلام المصنف أنهما يكذبان ولو حكم بشهادتهما حاكم ، وهو كذلك حيث كان مالكيا أما لو كان الحاكم بهما شافعيا لا يرى تكذيبهما فإنه يجب الفطر .

( قوله ، وأما شهادتهما إلخ ) الأوضح أن يقول كذبا في شهادتهما ولو رئي لهما إذ شهادتهما برؤيته بعد الثلاثين صحو كالعدم لإتهامهما على ترويج شهادتهما الأولى ( قوله مستفيضة ) أي منتشرة وقوله لا يمكن إلخ اعلم أن الخبر المستفيض وقع فيه خلاف فالذي ذكره ابن عبد السلام والتوضيح أنه المحصل للعلم أو الظن ، وإن لم يبلغ الذين أخبروه به عدد التواتر والذي لابن عبد الحكم أن الخبر المستفيض هو المحصل للعلم لصدوره ممن لا يمكن تواطؤهم على باطل لبلوغهم عدد التواتر واقتصر على هذا ابن عرفة والأبي والمواق وكذا شارحنا فالأول أعم من الثاني فقول الشارح لا يمكن تواطؤهم إلخ أي لبلوغهم عدد التواتر ( قوله وعم الصوم ) أي وعم وجوبه سائر البلاد القريبة والبعيدة إن نقل بهما عنهما وأولى إن نقل بهما عن الحكم برؤية العدلين أو الجماعة المستفيضة خلافا لعبد الملك القائل إذا نقل بهما على الحكم فإنه يقصر على من في ولايته وقال أبو عمر بن عبد البر إن النقل سواء كان عن حكم أو عن رؤية العدلين أو الجماعة المستفيضة إنما يعم البلاد القريبة لا البعيدة جدا وارتضاه ابن عرفة انظر ح ويمكن أن يكون مراد الشارح بالبعيد البعيد لا جدا فيكون ماشيا على ذلك القول [ ص: 511 ] قوله ولا يكفي نقل واحد عن واحد ) أي بأن ينقل واحد عن أحد العدلين وينقل واحد آخر عن العدل الآخر .

( قوله بشرطه ) ، وهو أن ينقل عن كل واحد اثنان ليس أحدهما أصلا ( قوله وظاهر ابن عبد السلام ) هو بالرفع عطفا على مقتضى القواعد ( قوله وكيف إلخ ) استفهام إنكاري بمعنى النفي وقوله لمن بلغه إلخ أي بالسماع منهم ( قوله فالقول ) مبتدأ وقوله بعد مما لا وجه له خبر ( قوله والحالة هذه ) أي والحال أنه نقل عن رؤية العدلين عدلان ( قوله وإنما يخص ) أي وجوب الصوم من رأي ، وهو العدلان وقوله ومن سمع منه أي ممن رأى وهما الناقلان ( قوله إذا حكم حاكم ) أي بثبوته ونقل ذلك الحكم وقوله أو ثبت عنده أي أو ثبت عند الحاكم بعدلين أو جماعة مستفيضة ولم يحكم ونقل ذلك الثبوت .

( قوله ، وأما النقل عن الحكم بثبوت الهلال برؤية العدلين ) أي والجماعة المستفيضة وقد تحصل من كلامالشارح أن صور النقل ستة ; لأنه إما عن رؤية العدلين أو عن رؤية المستفيضة أو عن الحكم والناقل في الثلاث إما عدلان أو مستفيضة وكلها تعم ويشملها كلام المصنف ; لأن قوله وعم إن نقل بهما عنهما أي وأولى إن نقل بهما عن الحكم ، وأما إن كان الناقل عدلا فإن نقل رؤية العدلين كان نقله غير معتبر ثبوته عند الحاكم ، وإن لم يحصل منه حكم أو نقل ثبوته برؤية المستفيضة فإنه يعم كل من نقل إليه كما سيأتي ذلك للشارح والحاصل أن الأقسام ثلاثة نقل عن الحاكم أو عن المستفيضة أو عن العدلين فالتعدد شرط في الأخير دون الأولين والمراد بالنقل عن الحاكم ما يشمل النقل لحكمه أو لمجرد الثبوت عنده

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث