الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

6768 [ ص: 560 ] 37 - باب: يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا

7191 - حدثنا محمد بن عبيد الله أبو ثابت ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق ، عن زيد بن ثابت قال : بعث إلي أبو بكر لمقتل أهل اليمامة وعنده عمر ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال عمر : هو والله خير . فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتتبع القرآن فاجمعه . قال زيد : فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كلفني من جمع القرآن . قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال أبو بكر : هو والله خير . فلم يزل يحث مراجعتي حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر ورأيت في ذلك الذي رأيا ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب والرقاع واللخاف وصدور الرجال ، فوجدت آخر سورة التوبة لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة : 128 ] إلى آخرها مع خزيمة -أو أبي خزيمة - فألحقتها في سورتها ، وكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله -عز وجل - ، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله ، ثم عند حفصة بنت عمر . قال محمد بن عبيد الله : اللخاف يعني : الخزف . [انظر : 2807 - فتح: 13 \ 183 ]

التالي السابق


ذكر فيه حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - السالف في التفسير .

[ ص: 561 ] و (العسيب ) المذكور فيه : جريدة من النخل ، وهي السعفة مما لا يثبت عليه الخوص ، والجمع العسب بضمتين ، واللخاف جمع لخفة -بالخاء المعجمة - وهي حجارة بيض رقاق ، وفي البخاري أنها الخزف .

قال المهلب : هذا الحديث يدل أن العقل أصل الخلال المحمودة كالأمانة والكفاية في عظيم الأمور ؛ لأنه لم يصف زيدا بأكثر من العقل وجعله سببا لائتمانه ورفع التهمة عنه بقول الصديق : (إنك شاب عاقل لا نتهمك ) .

وفيه : دليل على اتخاذ الكاتب السلطان والحاكم وأنه ينبغي أن يكون الكاتب عاقلا فطنا مقبول الشهادة ، هذا قول كافة الفقهاء .

وقال الشافعي : ينبغي لكاتب القاضي أن يكون عاقلا لئلا يخدع ويحرص على أن يكون فقيها لئلا يؤتى من جهالة ، ويكون بعيدا عن الطمع .

فصل :

وفيه : أن من سبقت له معرفة بالخدمة أولى بالولاية وأحق بها ممن لا سابقة له بذلك ولا معرفة .

وفيه : جواز مراجعة الكاتب للسلطان في الرأي ومشاركته له فيه .

فصل :

إن قال رافضي : كيف جاز للصديق أن يجمع القرآن ولم يجمعه الشارع ؟ .

[ ص: 562 ] أجاب ابن الطيب : إنه يجوز أن يفعل الفاعل ما لم يفعله الشارع إذا [كان ] فيه مصلحة في وقته واحتياط للدين ، وليس في أدلة الكتاب والسنة ما يدل على فساد جمعه بين اللوحين وتحصينه ، وجمع همهم على تأصيله ، وتسهيل الانتساخ منه والرجوع إليه ، والغنى به عن تطلب القرآن من الرقاع والعسب وغير ذلك مما لا يؤمن عليه الضياع ، فوجب إضافته إلى الصديق وأنه من أعظم فضائله وأشرف مناقبه ، حين سبق إلى ما (لم ) يسبق إليه أحد من الأمة ، وبأن اجتهاده في النصح لله ورسوله ولكتابه ولدينه وجميع المؤمنين ، وأنه في ذلك تبع لله ولرسوله ؛ لإخباره تعالى في كتابه أن القرآن إن كان مكتوبا في الصحف الأولى ، وأخبر عن تلاوة رسوله في الصحف بقوله : رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة [البينة : 2 ، 3 ] فلم يكن جمع الصديق مخالفا لله ولرسوله ؛ لأنه لم يجمع ما لم يكن مجموعا ، ولم يكتب ما لم يكن مكتوبا ، وقد أمرهم الشارع بكتابته ، فقال : "لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن " فألف المكتوب وصانه وأحرزه ، وجمعه بين لوحيه ، ولم يغير منه شيئا ، ولا قدم منه مؤخرا ، ولا أخر منه مقدما ، ولا وضع حرفا ولا آية في غير موضعها .

ودليل آخر : أن الله ضمن لرسوله ولسائر الخلق جمع القرآن وحفظه ، فقال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ ص: 563 ] [الحجر : 9 ] وقال : إن علينا جمعه وقرآنه [القيامة : 17 ] وقال : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [فصلت : 42 ] ، فنفى عنه إبطال الزائغين وإلباس الملحدين ، ثم أمر رسوله والأمة بحفظه والعمل به ، فوجب أن يكون كل أمر عاد بتحصينه وأدى إلى حفظه واجبا على كافة الأمة فعله ، فإذا قام به البعض فقد أحسن ، وناب عن باقي الأمة .

وقد روى عبد خير عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : يرحم الله أبا بكر هو أول من جمع القرآن بين لوحين . وهذا تعظيم لشأنه ومدح له ، وعلي - رضي الله عنه - أعلم من الرافضة بصواب هذا الفعل فيجب ترك قولهم لقوله .

ومما يدل على صحة هذه الرواية عن علي - رضي الله عنه - ابتغاؤه لأجره وإطلاقه للناس كتب المصاحف وحضه عليها ، وإظهاره تحكيم ما ضم الصديق والجماعة بين لوحين ، ولو كان ذلك عنده منكرا لما أخرج إلى الدعاء إلى من يخالفه مصحفا تنشره الريح ، وإنما كان يخرجه من الصحف ، والعسب واللخاف على وجه ما كان مكتوبا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدل أنه مصوب لفعل الصديق والجماعة ، وإن ذلك رأيه ودينه .

وقد سلف في باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن بقية الكلام في معاني هذا الحديث ، فراجعه .

فصل :

فيه من الفوائد : جواز دخول أهل الفضل والعلم على أهل الفضل والعلم من الأمراء والحرص على جمع القرآن وضبطه بالكتاب وفي إثباته [ ص: 564 ] إثبات العلم ، ومراجعة العلماء في ذلك خيفة أن ينقطع العلم بموت العلماء ، وبذل النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ، والرجوع إلى الحق إذا تبين .

واختيار الأئمة لمن يفد مؤنة في الأمور ممن اجتمع فيه العلم والفقه والضبط [ . . . ] .

وأن المصالح العامة ينبغي للإمام أن ينظر فيها ويصونها عنده ولا يهملها كما فعل الصديق والفاروق فيما جمعه زيد من القرآن .

فصل :

قوله : (قال أبو بكر : هو والله خير ، فلم يزل يحث مراجعتي ) كذا هنا ، وقال في جمع القرآن : فلم يزل أبو بكر يراجعني .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث