الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 348 ] 187

ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة

ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة

وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة ، وقتل جعفر بن يحيى .

وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي ، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب ، فقال لجعفر : أزوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تقربها ، فإني لا أطيق الصبر عنها . فأجابه إلى ذلك ، فزوجها منه ، وكانا يحضران معه ، ثم يقوم عنهما ، وهما شابان ، فجامعها جعفر ، فحملت منه ، فولدت له غلاما ، فخافت الرشيد ، فسيرته مع حواضن له إلى مكة ، فأعطته الجواهر والنفقات .

ثم إن عباسة وقع بينها وبين بعض جواريها شر ، فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى الرشيد ، فحج هارون هذه السنة ، وبحث عن الأمر فعلمه .

وكان جعفر ( يصنع للرشيد طعاما بعسفان إذا حج ، فصنع ذلك ، ودعاه فلم [ ص: 349 ] يحضر ) عنده ، فكان ذلك أول تغير أمرهم .

وقيل : كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي إلى جعفر بن يحيى بن خالد ، فحبسه ، ثم دعا به ليلة ، وسأله عن بعض أمره ، فقال له : اتق الله في أمري ، ولا تتعرض أن يكون غدا خصمك محمد - صلى الله عليه وسلم - فوالله ما أحدثت حدثا ، ولا آويت محدثا .

فرق له وقال : اذهب حيث شئت من بلاد الله . قال : فكيف أذهب ولا آمن أن أوخذ ؟ فوجه معه من أداه إلى مأمنه .

وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواص جعفر ، فرفعه إلى الرشيد ، فقال : ما أنت هذا ؟ فعله عن أمري . ثم أحضر جعفرا للطعام ، فجعل يلقمه ويحادثه ، ثم سأله عن يحيى ، فقال : هو بحاله في الحبس . فقال : بحياتي ؟ ففطن جعفر ، فقال : لا وحياتك ! وقص عليه أمره ، وقال : علمت أنه لا مكروه عنده . فقال : نعم ما فعلت ! ما عدوت ما في نفسي . فلما قام عنه قال : قتلني الله إن لم أقتلك ! فكان من أمره ما كان .

وقيل : كان من الأسباب أن جعفرا ابتنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم ، فرفع ذلك إلى الرشيد ، وقيل : هذه غرامته على داره ، فما ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك ؟ فاستعظمه .

وكان من الأسباب أيضا ما لا تعده العامة سببا ، وهو أقوى الأسباب ، ما سمع من يحيى بن خالد وهو يقول وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته هذه : اللهم إن كان رضاك أن تسلبني نعمك عندي فاسلبني ! اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي وأهلي وولدي فاسلبني ، إلا الفضل . ثم ولى ، فلما كان عند باب المسجد رجع ، فقال مثل ذلك ، وجعل يقول : اللهم إنه سمج بمثلي أن يستثني عليك ، اللهم والفضل .

[ ص: 350 ] وسمع أيضا يقول في ذلك المقام : اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك . اللهم إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي بذلك في الدنيا ، وإن أحاط ( ذلك بسمعي ) وبصري وولدي ومالي ، حتى يبلغ رضاك ، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة . فاستجيب له .

فلما انصرفوا من الحج ونزلوا الأنبار ، ونزل الرشيد العمر نكبهم .

وكان أول ما ظهر من فساد حالهم أن علي بن عيسى بن ماهان سعى بموسى بن يحيى بن خالد ، واتهمه في أمر خراسان ، وأعلم الرشيد أنه يكاتبهم ليسير إليهم ، ويخرجهم عن الطاعة ، فحبسه ثم أطلقه .

وكان يحيى بن خالد يدخل على الرشيد بغير إذن ، فدخل عليه يوما وعنده جبرائيل بن بختيشوع الطبيب ، فسلم ، فرد الرشيد ردا ضعيفا ، ثم أقبل الرشيد على جبرائيل ، فقال : أيدخل عليك منزلك أحد بغير إذن ؟ قال : لا ! قال : فما بالنا يدخل علينا بغير إذن ؟ فقال يحيى : يا أمير المؤمنين ، ما ابتدأت ذلك الساعة ، ولكن أمير ( المؤمنين خصني به ، حتى إن كنت لأدخل وهو في فراشه مجردا ، وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب ، فإذا قد علمت فإني سأكون [ عنده ] في الطبقة التي تجعلني فيها . فاستحيا هارون وقال : ما أردت ما تكره .

وكان يحيى إذا دخل على الرشيد قام له الغلمان ، فقال الرشيد لمسرور : مر الغلمان لا يقومون ليحيى إذا دخل الدار . فدخلها فلم يقوموا ، فتغير لونه ، [ ص: 351 ] وكانوا بعد ذلك إذا رأوه أعرضوا عنه .

بفلما رجع الرشيد من الحج نزل العمر الذي عند الأنبار ، سلخ المحرم ، وأرسل مسرورا الخادم ومعه جماعة من الجند إلى جعفر ليلا ، وعنده ابن بختيشوع المتطبب ، وأبو زكار المغني ، وهو في لهوه وأبو زكار يغني :

فلا تبعد ، فكل فتى سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادي     وكل ذخيرة لا بد يوما
وإن كرمت تصير إلى نفاد



قال مسرور : فقلت له : يا أبا الفضل ، الذي جئت له هو والله ذاك ، قد طرقك ، أجب أمير المؤمنين . فوقع على رجلي يقبلها ، وقال : حتى أدخل فأوصي ، فقلت : أما الدخول فلا سبيل إليه ، وأما الوصية فاصنع ما شئت . فأوصى بما أراد ، وأعتق مماليكه .

وأتتني رسل الرشيد تستحثني ، فمضيت به إليه ، فأعلمته وهو في فراشه ، فقال : ائتني برأسه . فأتيت جعفرا فأخبرته ، فقال : الله الله ! والله ما أمرك [ بما أمرك به ] إلا وهو سكران ، فدافع حتى أصبح ، أو راجعه في ثانية . فعدت لأراجعه ، فلما سمع حسي قال : يا ماص بظر أمه ، ائتني برأسه ! فرجعت إليه ( فأخبرته ، فقال : آمره . فرجعت ) ، [ ص: 352 ] فحذفني بعمود كان في يده ، وقال : نفيت من المهدي ، إن لم تأتني برأسه لأقتلنك ! قال : فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه .

وأمر بتوجيه من أحاط بيحيى وولده وجميع أسبابه ، وحول الفضل بن يحيى ليلا ، فحبس في بعض منازل الرشيد ، وحبس يحيى في منزله ، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك ، وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد في قبض أموالهم ، ووكلائهم ، ورقيقهم ، وأسبابهم ، وكل ما لهم .

فلما أصبح أرسل جيفة جعفر إلى بغداذ ، وأمر أن ينصب رأسه على جسر ، ويقطع بدنه قطعتين ، تنصب كل قطعة على جسر .

ولم يعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده وأسبابه ، لأنه علم براءته مما دخل فيه أهله . وقيل : كان يسعى بهم .

ثم حبس يحيى وبنيه الفضل ومحمدا وموسى محبسا سهلا ، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم ، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها .

ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح ، فعمهم [ ص: 353 ] بسخطه ، وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد ، فضيق عليهم .

ولما قتل جعفر بن يحيى قيل لأبيه : قتل الرشيد ابنك ! قال : كذلك يقتل ابنه . قيل : وقد أخرب ديارك . قال : كذلك تخرب دياره . فلما بلغ ذلك الرشيد قال : قد خفت أن يكون ما قاله ; لأنه ما قال شيئا إلا ورأيت تأويله .

قال سلام الأبرش : دخلت على يحيى وقت قبضه ، وقد هتكت الستور ، وجمع المتاع ، فقال : هكذا تقوم القيامة . قال : فحدثت الرشيد فأطرق مفكرا .

وكان قتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر ، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة ، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة ، ولما نكبوا قال الرقاشي - وقيل : أبو نواس - :

الآن استرحنا واستراحت ركابنا     وأمسك من يحدو ومن كان يحتدي
فقل للمطايا : قد أمنت من السرى     وطي الفيافي فدفدا بعد فدفد
وقل للمنايا : قد ظفرت بجعفر     ولن تظفري من بعده بمسود
وقل للعطايا بعد فضل : تعطلي     وقل للرزايا كل يوم : تجددي
ودونك سيفا برمكيا مهندا     أصيب بسيف هاشمي مهند



وقال يحيى بن خالد لما نكب : الدنيا دول ، والمال عارية ، ولنا بمن قبلنا أسوة ، وفينا لمن بعدنا عبرة .

ووقع يحيى على قصة محبوس : العدوان أوبقه ، والتوبة تطلقه .

وقال جعفر بن يحيى : الحظ سمط الحكمة ، به تفصل شذورها وينظم منثورها .

[ ص: 354 ] قال ثمامة : قلت لجعفر : ما البيان ؟ قال : أن يكون الاسم محيطا بمعناك ، مخبرا عن مغزاك ، مخرجا من الشركة ، غير مستعان عليه بالفكرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث