الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في زكاة مال اليتيم

641 حدثنا محمد بن إسمعيل حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا الوليد بن مسلم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال ألا من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة قال أبو عيسى وإنما روي هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب فذكر هذا الحديث وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فرأى غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحق وقالت طائفة من أهل العلم ليس في مال اليتيم زكاة وبه يقول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو وقد تكلم يحيى بن سعيد في حديث عمرو بن شعيب وقال هو عندنا واه ومن ضعفه فإنما ضعفه من قبل أنه يحدث من صحيفة جده عبد الله بن عمرو وأما أكثر أهل الحديث فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب فيثبتونه منهم أحمد وإسحق وغيرهما

التالي السابق


قوله : ( حدثنا محمد بن إسماعيل ) هو الإمام البخاري ( أخبرنا إبراهيم بن موسى ) بن يزيد بن زاذان التميمي أبو إسحاق الرازي الفراء المعروف بالصغير روى عن هشام بن يوسف الصنعاني والوليد بن مسلم وغيرهما ، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود ، وروى الباقون عنه بواسطة ، ثقة حافظ ، كذا في تهذيب التهذيب والتقريب .

قوله : ( ألا ) للتنبيه ( من ولي ) بفتح الواو وكسر اللام ، قال القاري في المرقاة : وفي نسخة أي من المشكاة بضم الواو وتشديد اللام المكسورة أي صار ولي يتيم ( وله مال ) صفة ليتيم أي من صار وليا ليتيم ذي مال ( فليتجر ) بتشديد الفوقية أي بالبيع والشراء ( فيه ) أي في مال اليتيم [ ص: 238 ] ( ولا يتركه ) بالنهي وقيل بالنفي ( حتى تأكله الصدقة ) أي تنقصه وتفنيه ؛ لأن الأكل سبب الفناء . قال ابن الملك : أي يأخذ الزكاة منها فينقص شيئا فشيئا ، وهذا يدل على وجوب الزكاة في مال الصبي ، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك ، وعند أبي حنيفة لا زكاة فيه ، انتهى .

قوله : ( وفي إسناده مقال إلخ ) قال الحافظ في بلوغ المرام : وله شاهد مرسل عند الشافعي ، انتهى . وقال في التلخيص : ورواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق الشيباني أيضا عن عمرو بن شعيب لكن راويه عنه مندل بن علي وهو ضعيف ، ومن حديث العرزمي عن عمرو ، والعرزمي ضعيف متروك ، ورواه ابن عدي من طريق عبد الله بن علي وهو الإفريقي وهو ضعيف ، قال الحافظ : وروى الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جريج عن يوسف بن ماهك مرسلا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : " ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة " ، ولكن أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة . وفي الباب عن أنس مرفوعا : " اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة " ، رواه الطبراني في الأوسط في ترجمة علي بن سعد ، انتهى .

قوله : ( وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب فذكر هذا الحديث ) قال الدارقطني في العلل : رواه حسين المعلم عن مكحول عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر ، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عمر لم يذكر ابن المسيب وهو أصح وإياه عنى الترمذي ، انتهى . كذا في التلخيص .

قوله : ( منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر ) روى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب قال : " اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة " ، ورواه البيهقي وقال : إسناده صحيح قاله الحافظ في التلخيص ، وقال فيه وروى الشافعي عن ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفا أيضا قال : وروى الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر ذلك من طرق عن علي بن أبي طالب وهو مشهور عنه انتهى ، وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال : كانت عائشة تليني وأخا لي يتيمين في حجرها فكانت تخرج من أموالنا الزكاة .

[ ص: 239 ] قوله : ( وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ) واستدلوا بأحاديث الباب وهي وإن كانت ضعيفة ، لكنها يؤيدها آثار صحيحة عن الصحابة -رضي الله عنهم- وبعموم الأحاديث الواردة في إيجاب الزكاة .

قوله : ( وقالت طائفة من أهل العلم : ليس في مال اليتيم زكاة ، وبه يقول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ) وبه يقول أبو حنيفة ، واستدل هؤلاء بحديث عائشة وعلي وغيرهما -رضي الله عنهم- : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : رفع القلم عن ثلاثة ؛ عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المبتلى حتى يبرأ ، وعن الصبي حتى يكبر .

قال ابن الهمام في فتح القدير : وأما ما روي عن عمر وابنه وعائشة -رضي الله عنهم- من القول بالوجوب في مال الصبي والمجنون لا يستلزم كونه عن سماع ؛ إذ يمكن الرأي فيه ، فيجوز كونه بناء عليه ، فحاصله قول صحابي عن اجتهاد عارضه رأي صحابي آخر . قال محمد بن الحسن في كتاب الآثار : أنبأنا أبو حنيفة حدثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن مسعود قال : ليس في مال اليتيم زكاة ، وليث كان أحد العلماء العباد ، وقيل : اختلط في آخر عمره ، ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأخذ عنه حال اختلاطه ويرويه ، وهو الذي شدد أمر الرواية ما لم يشدده غيره ، وروي مثل قول ابن مسعود عن ابن عباس تفرد به ابن لهيعة ، انتهى .

قلت : لم يثبت عن أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- بسند صحيح عدم القول بوجوب الزكاة في مال الصبي . وأما أثر ابن مسعود فهو ضعيف من وجهين : الأول أنه منقطع ، والثاني أن في إسناده ليث بن أبي سليم ، قال الحافظ ابن حجر في التقريب : صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه ، وقال الزيلعي في نصب الراية : قال البيهقي : وهذا أثر ضعيف ؛ فإن مجاهدا لم يلق ابن مسعود فهو منقطع ، وليث بن أبي سليم ضعيف عند أهل الحديث ، انتهى .

وأجاب ابن الهمام عن الوجه الأول ولم يجب عن الوجه الثاني ، وفيما أجاب عن الوجه الأول كلام فتفكر . وأما أثر ابن عباس فقد تفرد به ابن لهيعة كما صرح به ابن الهمام وهو ضعيف عند أهل الحديث ، قاله الترمذي في باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول . وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : يروى حديثه في المتابعات ولا يحتج به ، انتهى .

[ ص: 240 ] أما حديث عائشة وعلي المذكور ، ففي الاستدلال به على عدم وجوب الزكاة في مال الصبي نظر ، كيف وقد رواه عائشة وعلي -رضي الله تعالى عنهما- وهما قائلان بوجوب الزكاة في مال الصبي . وقال الزيلعي في نصب الراية : قال ابن الجوزي : والجواب أن المراد قلم الإثم أو قلم الأذى ، انتهى .

وقال القاضي ابن العربي في عارضة الأحوذي : وزعم أبو حنيفة أن الزكاة أوجبت شكر نعمة المال ، كما أن الصلاة أوجبت شكر نعمة البدن ولم يتعين بعد على الصبي شكر ، قلنا : محل الصلاة يضعف عن شكر النعمة فيه ، ومحل الزكاة وهو المال كامل لشكر النعمة ، فإن قيل : لا يصح منه القربة ، قلنا : يؤدى عنه كما يؤدى عن المغمى عليه وعن الممتنع جبرا ، وكما يؤدى عنه العشر والفطرة وهو دين يقضى عنه لمستحقه وإن لم يعمل به ؛ لأن الناظر له حكم به ، انتهى .

قوله : ( وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو ) وأما قول ابن حبان : لم يصح سماع شعيب من جده عبد الله فقال الدارقطني : هو خطأ . وقد روى عبيد الله بن عمر العمري ـ وهو من الأئمة العدول ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال : كنت جالسا عند عبد الله بن عمرو فجاء رجل فاستفتاه في مسألة فقال : يا شعيب ، امض معه إلى ابن عباس ، فقد صح بهذا سماع شعيب من جده عبد الله ، وقد أثبت سماعه منه أحمد بن حنبل وغيره ، كذا في نصب الراية ص 783 تخريج الهداية .

قلت : وقد أسند ذلك الدارقطني في السنن قال : حدثنا أبو بكر بن زياد النيسابوري : حدثنا محمد بن يحيى الذهلي وغيره قالوا : حدثنا محمد بن عبيد : حدثنا عبيد الله بن عمر ، ورواه الحاكم أيضا من هذا الوجه ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب وقال فيه : وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن ، وصح سماعه كما تقدم ، وكما روى حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن شعيب قال : قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، فذكر حديثا أخرجه أبو داود من هذا الوجه ، انتهى .

قلت : وقد سمع عمرو من أبيه شعيب ، ففي تهذيب التهذيب قال محمد بن علي الجوزجاني قلت لأحمد : عمرو سمع من أبيه شيئا؟ قال : يقول : حدثني أبي ، انتهى .

( وقد تكلم يحيى بن سعيد ) هو القطان ( في حديث عمرو بن شعيب وقال : هو عندنا واه ) أي : ضعيف ، وكذلك تكلم فيه غير واحد من أئمة الحديث ، ولكن أكثرهم على أنه صحيح قابل للاحتجاج ، كما صرح به الترمذي ( ومن ضعفه فإنما ضعفه من قبل أنه يحدث من صحيفة جده عبد الله بن [ ص: 241 ] عمرو ) يعني تضعيف من ضعفه ليس إلا من جهة أنه يحدث من صحيفة جده . قال الحافظ في تهذيب التهذيب : قال الساجي : قال ابن معين : هو ثقة في نفسه ، وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه وليس بمتصل ، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل ، وجد شعيب كتب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالا ، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها . قال الحافظ : فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح ـ غير أنه لم يسمعها وصح سماعه لبعضها ـ فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة ، وهو أحد وجوه التحمل ، والله تعالى أعلم ، انتهى .

قوله : ( وأما أكثر أهل الحديث فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب ويثبتونه ، منهم أحمد وإسحاق وغيرهما ) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ص 51 ج 2 : ترجمة عمرو قوية على المختار ، لكن حيث لا تعارض ، انتهى .

وفي شرح ألفية العراقي للمصنف : وقد اختلف في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأصح الأقوال أنها حجة مطلقا إذا صح السند إليه . قال ابن الصلاح : وهو قول أكثر أهل الحديث حملا للجد عند الإطلاق على الصحابي عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد والد شعيب ؛ لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك ، فقد قال البخاري : رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وأبا خيثمة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد منهم وثبتوه ، فمن الناس بعدهم؟ وقول ابن حبان : هي منقطعة لأن شعيبا لم يلق عبد الله مردود ، فقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو كما صرح به البخاري في التاريخ وأحمد ، وكما رواه الدارقطني والبيهقي في السنن بإسناد صحيح ، انتهى .

[ ص: 242 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث