الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الذي يرجع إلى نفس التصرف في ولاية النكاح

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الذي يرجع إلى نفس التصرف فهو : أن يكون التصرف نافعا في حق المولى عليه لا ضارا في حقه ، فليس للأب والوصي والجد أن يزوج عبد الصغير والصغيرة حرة ولا أمة لغيرهما لأن هذا التصرف ضار في حق المولى عليه لأن المهر والنفقة يتعلقان برقبة العبد من غير أن يحصل للصغير مال في مقابلته والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي كالطلاق والعتاق والتبرعات .

وكذا كل من يتصرف على غيره بالإذن لا يملك إنكاح العبد كالمكاتب والشريك والمضارب والمأذون ; لأن إطلاق التصرف لهؤلاء مقيد بالنظر .

وأما تزويج الأمة حرا أو عبدا لغيرهما فيملكه الأب والجد والوصي والمكاتب والمفاوض والقاضي وأمين القاضي ; لأنه نفع محض لكونه تحصيل مال من غير أن يقابله مال فيملكه هؤلاء ألا ترى أنهم يملكون البيع مع أنه مقابلة المال بالمال فهذا أولى فأما شريك العنان والمضارب والمأذون فلا يملكون تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد .

وعند أبي يوسف يملكون .

( وجه ) قول أبي يوسف أن هذا تصرف نافع ; لأنه تحصيل مال لا يقابله مال فيملكونه كشريك المفاوضة .

( وجه ) قولهما أن تصرف هؤلاء يختص بالتجارة والنكاح ليس من التجارة بدليل أن المأذونة لا تزوج نفسها ولو كان النكاح تجارة لملكت ; لأن التجارة معاوضة المال بالمال والنكاح معاوضة البضع بالمال فلم يكن تجارة فلا يدخل تحت ولايتهم ، بخلاف المفاوض ; لأن تصرفه مختص بالنفع لا بالتجارة وهذا نافع .

ولو زوج أمته من عبد ابنه قال أبو يوسف : يجوز .

وقال زفر : لا يجوز .

( وجه ) قول زفر أن تزويج عبده الصغير لم يدخل تحت ولاية الأب فكان الأب فيه كالأجنبي ، واحتمال الضرر ثابت لجواز أن يبيع الأمة فيتعلق المهر والنفقة برقبة العبد فيتضرر به الصغير فيصير كأنه زوجه أمة الغير .

( ولنا ) أن ثبوت الولاية موجود فلا يمتنع الثبوت إلا لمكان الضرر وهذا نفع لا مضرة فيه ; لأن الأولاد له ولا يتعلق المهر والنفقة برقبة العبد فكان نفعا محضا فيملكه قوله : " يحتمل أن يبيعه " قلنا : ويحتمل أن لا يبيعه فلا يجوز تعطيل الولاية المحققة للحال لأمر يحتمل الوجود والعدم وعلى هذا يخرج ما إذا زوج الأب أو الجد الصغيرة من كفء بدون مهر المثل أو زوج ابنه الصغير امرأة بأكثر من مهر مثلها أنه إن كان ذلك مما يتغابن الناس في مثله لا يجوز بالإجماع ، وإن كان مما لا يتغابن الناس في مثله يجوز في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يجوز .

وذكر هشام عنهما أن النكاح باطل .

ولو زوج ابنته الصغيرة بمهر مثلها من غير كفء فهو على هذا الخلاف ولو فعل غير الأب والجد شيئا مما ذكرنا لا يجوز في قوليهما جميعا .

( وجه ) قولهما أن ولاية الإنكاح تثبت نظرا في حق المولى عليه [ ص: 246 ] ولا نظر في الحط على مهر المثل في إنكاح الصغيرة ولا في الزيادة على مهر المثل في إنكاح الصغير بل فيه ضرر بهما .

والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي ولهذا لا يملك غير الأب والجد كذا هذا ولأبي حنيفة ما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه زوج عائشة رضي الله عنها وهي صغيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسمائة درهم ، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ومعلوم أن مهر مثلها كان أضعاف ذلك ولأن الأب وافر الشفقة على ولده ينظر له ما لا ينظر لنفسه والظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لتوفير مقصود من مقاصد النكاح هو أنفع وأجدى من كثير من المال من موافقة الأخلاق ، وحسن الصحبة ، والمعاشرة بالمعروف ، ونحو ذلك من المعاني المقصودة بالنكاح فكان تصرفه والحالة هذه نظرا للصغير والصغيرة لا ضررا بهما بخلاف غير الأب والجد ; لأن وجه الضرر في تصرفهما ظاهر وليس ثمة دليل يدل على اشتماله على المصلحة الباطنة الخفية التي تزيد على الضرر الظاهر ; لأن ذلك إنما يعرف بوفور الشفقة ولم يوجد بخلاف ما إذا باع الأب أمة لهما بأقل من قيمتها بما لا يتغابن الناس فيه أنه لا يجوز ; لأن البيع معاوضة المال بالمال والمقصود من المعاوضات المالية هو الوصول إلى العوض المالي ولم يوجد .

وبخلاف ما إذا زوج أمتهما بأقل من مهر مثلها أنه لا يجوز ; لأنه أنفع لهما فيما يحصل للأمة من حظ الزوج ، وإنما منفعتهما في حصول عوض بضع الأمة لهما - وهو مهر المثل - ولم يحصل وعلى هذا الخلاف التوكيل بأن وكل رجل رجلا بأن يزوجه امرأة فزوجه امرأة بأكثر من مهر مثلها مقدار ما لا يتغابن الناس في مثله أو وكلت امرأة رجلا بأن يزوجها من رجل فزوجها من رجل بدون صداق مثلها أو من غير كفء فهو على اختلاف الوكيل بالبيع المطلق ونذكر المسألة - إن شاء الله تعالى - في كتاب الوكالة وعلى هذا الوكيل بالتزويج من جانب الرجل أو المرأة إذا زوج الموكل من لا تقبل شهادة الوكيل له فهو على الاختلاف في البيع ونذكر ذلك كله - إن شاء الله تعالى في كتاب الوكالة - وعلى هذا الخلاف الوكيل من جانب الرجل بالتزويج إذا زوجه أمة لغيره أنه يجوز عند أبي حنيفة لإطلاق اللفظ ولسقوط اعتبار الكفاءة من جانب النساء .

وعندهما لا يجوز ; لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف وتعتبر الكفاءة من جانبين عندهما في مثل هذا الموضع لمكان العرف استحسانا على ما نذكر - إن شاء الله تعالى في موضعه - ولو أقر الأب على ابنته الصغيرة بالنكاح أو على ابنه الصغير لا يصدق في إقراره حتى يشهد شاهدان على نفس النكاح في قول أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد يصدق من غير شهود .

وصورة المسألة في موضعين أحدهما : أن تدعي امرأة نكاح الصغير أو يدعي رجل نكاح الصغيرة والأب ينكر ذلك فيقيم المدعي بينة على إقرار الأب بالنكاح فعند أبي حنيفة لا تقبل هذه الشهادة حتى يشهد شاهدان على نفس العقد .

وعندهما تقبل ويظهر النكاح .

والثاني أن يدعي رجل نكاح الصغيرة أو امرأة نكاح الصغير بعد بلوغهما وهما منكران ذلك فأقام المدعي البينة على إقرار الأب بالنكاح في حال الصغر وعلى هذا الخلاف الوكيل بالنكاح ، إذا أقر على موكله أو على موكلته بالنكاح ، والمولى إذا أقر على عبده بالنكاح أنه لا يقبل عند أبي حنيفة ، وعندهما يقبل وأجمعوا على أن المولى إذا أقر على أمته بالنكاح أنه يصدق من غير شهادة .

( وجه ) قولهما أنه إن أقر بعقد يملك إنشاءه فيصدق فيه من غير شهود كما لو أقر بتزويج أمته ، ولا شك أنه أقر بعقد يملك إنشاءه ; لأنه يملك إنشاء النكاح على الصغير والصغيرة والعبد ونحو ذلك ، وإذا ملك إنشاءه لم يكن متهما في الإقرار فيصدق كالمولى إذا أقر بالفيء في مدة الإيلاء ، وزوج المعتدة إذا قال في العدة راجعتك لما قلنا كذا هذا ولأبي حنيفة قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا نكاح إلا بشهود } نفى النكاح بغير شهود من غير فصل بين الانعقاد والظهور بل الحمل على الظهور أولى ; لأن فيه عملا بحقيقة اسم الشاهد إذ هو اسم لفاعل الشهادة وهو المؤدي لها ، والحاجة إلى الأداء عند الظهور لا عند الانعقاد ، ولأنه أقر على الغير فيما لا يملكه بعقد لا يتم به وحده وإنما يتم به وبشهادة الآخرين فلا يصدق إلا بمساعدة آخرين قياسا على الوكلاء الثلاثة في النكاح والبيع [ ص: 247 ] ودلالة الوصف أنه أقر بالنكاح والإقرار بالنكاح إقرار بمنافع البضع وإنها غير مملوكة ، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها لا للأب بخلاف الأمة فإن منافع بضعها مملوكة فكان ذلك إقرارا بما ملك فأبو حنيفة اعتبر ولاية العقد وملك المعقود عليه ، وهما اعتبرا ولاية العقد فقط - والله عز وجل أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث