الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عجز الأبصار عن رؤيته سبحانه في الدنيا

[ ص: 220 ] ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية ، وقالوا : كيف تعقل رؤية بغير جهة .

وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا ، لا لامتناع الرؤية ، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها ، لا لامتناع في ذات المرئي ، بل لعجز الرائي ، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته . ولهذا لما تجلى الله للجبل ، خر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ( الأعراف : 143 ) ، بأنه لا يراك حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده ، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته ، إلا من أيده الله كما أيد نبينا ، قال تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ( الأنعام : 8 ) . قال غير واحد من السلف : لا يطيقون أن يروا الملك في صورته ، فلو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة بشر ، وحينئذ يشتبه عليهم : هل هو بشر أو ملك ؟ ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولا منا .

وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه . لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة ، أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى ولا في جهة .

ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة : أتريد بالجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا ؟ فإن أراد بها أمرا وجوديا كان التقدير : كل ما ليس في شيء موجود لا يرى ، وهذه المقدمة ممنوعة ، ولا دليل على إثباتها ، بل هي باطلة ، فإن سطح العالم يمكن أن يرى ، وليس [ ص: 221 ] العالم في عالم آخر . وإن أردت بالجهة أمرا عدميا ، فالمقدمة الثانية ممنوعة ، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار .

وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة ، وإنما يتلقاه من قول فلان ؟ ! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول ، ولا ينظر فيها ، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، المنقول إلينا عن الثقات النقلة ، الذين تخيرهم النقاد ، فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده ، بل نقلوا نظمه ومعناه ، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان ، بل يتعلمونه بمعانيه . ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه ، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة فهو مأثوم وإن أصاب ، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ ، لكن إن أصاب يضاعف أجره .

وقوله : ( ( والرؤية حق لأهل الجنة ) ) تخصيص أهل الجنة بالذكر ، يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم . ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة ، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة ، كما ثبت ذلك في ( ( الصحيحين ) ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويدل عليه قوله تعالى : تحيتهم يوم يلقونه سلام ( الأحزاب : 44 ) . واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه لا يراه إلا المؤمنون .

الثاني : يراه أهل الموقف ، مؤمنهم وكافرهم ، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك .

الثالث : يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار . وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث