الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل

ثم بعد التعوذ يقرأ ، وللمصلي حالان :

أحدهما : أن يقدر على قراءة الفاتحة ، والثاني : لا يقدر .

فأما القادر ، فيتعين عليه قراءتها في القيام ، أو ما يقع بدلا عنه ، ولا يقوم مقامها ترجمتها ولا غيرها من القرآن ، ويستوي في تعين الفاتحة الإمام والمأموم والمنفرد ، في السرية والجهرية .

ولنا قول ضعيف ؛ أنها لا تجب على المأموم في الجهرية .

ووجه شاذ : أنها لا تجب عليه في السرية أيضا .

فإذا قلنا : لا يقرأ المأموم في الجهرية ، فلو كان أصم أو بعيدا لا يسمع قراءة الإمام لزمته القراءة على الأصح .

ولو جهر الإمام في السرية أو عكس فالأصح وظاهر النص أن الاعتبار بفعل الإمام .

والثاني : بصفة أصل الصلاة ، وإذا لم يقرأ المأموم ، هل يستحب له التعوذ ؟ وجهان ؛ لأنه ذكر سري .

قلت : الأصح لا يستحب ، لعدم القراءة . والله أعلم .

وإذا قلنا يقرأ المأموم في الجهرية ، فلا يجهر بحيث يغلب جهره ، بل يسر [ ص: 242 ] بحيث يسمع نفسه لو كان سميعا ، فإن هذا أدنى القراءة ، ويستحب للإمام على هذا القول : أن يسكت بعد الفاتحة قدر قراءة المأموم لها .

واعلم أن الفاتحة واجبة في كل ركعة إلا في ركعة المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا فإنه لا يقرأ في ركعته وتصح ، وهل يقال يحملها عنه الإمام أم لم تجب أصلا ؟ وجهان ، قلت أصحهما الأول . والله أعلم .

فرع :

( بسم الله الرحمن الرحيم ) آية كاملة من أول الفاتحة بلا خلاف ، وأما باقي السور ، سوى ( براءة ) فالمذهب أنها آية كاملة من أول كل سورة أيضا ، وفي قول أنها بعض آية ، وقيل قولان : أحدهما ليست بقرآن في أوائلها ، وأظهرهما : أنها قرآن ، والسنة : أن تجهر بالتسمية في الصلاة الجهرية في الفاتحة ، وفي السورة بعدها .

فرع :

تجب قراءة الفاتحة بجميع حروفها وتشديداتها . فلو أسقط منها حرفا ، أو خفف مشددا ، أو أبدل حرفا بحرف ، لم تصح قراءته ، وسواء فيه الضاد وغيره .

وفي وجه لا يضر إبدال الضاد بالظاء ، ولو لحن فيها لحنا يحيل المعنى كضم تاء ( أنعمت ) أو كسرها ، أو كسر كاف ( إياك ) لم يجزئه ، وتبطل صلاته إن تعمد ، ويجب إعادة القراءة ، إن لم يتعمد ، وتجزئ بالقراءات السبع .

وتصح بالقراءة الشاذة ، إن لم يكن فيها تغيير معنى ، ولا زيادة حرف ، ولا نقصانه .

[ ص: 243 ] فرع :

يجب ترتيب في قراءة الفاتحة . فلو قدم مؤخرا ، إن تعمد ، بطلت قراءته وعليه استئنافها ، وإن سها لم يعتد بالمؤخر ، ويبني على المرتب إلا أن يطول فيستأنف القراءة ، ولو أخل بترتيب التشهد ، نظر ، إن غير تغييرا مبطلا للمعنى ، لم يحسب ما جاء به ، وإن تعمده بطلت صلاته ، وإن لم يبطل المعنى أجزأه على المذهب ، وقيل فيه قولان .

وينبغي أن يقال في الفاتحة أيضا : إن غير الترتيب تغييرا يبطل المعنى ، بطلت صلاته كالتشهد .

فرع :

تجب الموالاة بين كلمات الفاتحة ، فإن أخل بها فله حالان : أحدهما : أن يكون عامدا ، فينظر ، إن سكت في أثناء الفاتحة ، أو طالت مدة السكوت ، بأن يشعر بقطعه القراءة أو إعراضه عنها مختارا ، أو لعائق ، بطلت قراءته ، ولزم استئنافها على الصحيح .

وعلى الشاذ المنقول عن العراقيين : لا تبطل . فإن قصرت مدة السكوت ، لم يؤثر قطعها ، وإن نوى قطع القراءة ولم يسكت لم تبطل قطعا .

وإن نوى قطعها وسكت يسيرا ، بطلت قراءته على الصحيح الذي قطع به الأكثرون .

ولو أتى بتسبيح أو تهليل في أثنائها أو قرأ آية أخرى بطلت قراءته ، قل ذلك أم كثر . هذا فيما لا يؤمر به المصلي . فأما ما أمر به في الصلاة ، ويتعلق بمصلحتها ، كتأمين المأموم لتأمين الإمام ، وسجوده للتلاوة ، وفتحه عليه القراءة ، وسؤاله [ ص: 244 ] الرحمة عند قراءته آيتها ، والاستعاذة من العذاب عند قراءة آيته ، فإذا وقع في أثناء الفاتحة لم تبطل الموالاة على الأصح .

وهذا تفريع على الصحيح في استحباب هذه الأمور للمأموم ، وعلى وجه : لا يستحب ، ولا يطرد الخلاف في كل مندوب ، فإن الحمد عند العطاس مندوب وإن كان في الصلاة ، ولو فعله ، قطع الموالاة ، ولكن يختص بالمندوبات المختصة بالصلاة لمصلحتها .

الحال الثاني : أن يخل بالموالاة ناسيا ، وتقدم عليه ، أن من ترك الفاتحة ناسيا ، فيه قولان .

المشهور الجديد : أنه لا يجزئه ، ولا يعتد له بتلك الركعة . بل إن تذكر بعد ما ركع ، عاد إلى القيام وقرأ ، وإن تذكر بعد قيامه إلى الركعة الثانية ، صارت ( الثانية ) أولاه ، ولغت الأولى .

والقديم : أنه تجزئه صلاته ، وأما ترك الموالاة ناسيا ، فالصحيح الذي اتفق عليه الجمهور ، ونقلوه عن نص الشافعي رحمه الله : أنه لا يضر ، وله البناء ، سواء قلنا : يعذر بترك الفاتحة ناسيا ، أم لا .

ومال إمام الحرمين ، والغزالي ، إلى أن الموالاة تنقطع بالنسيان إذا قلنا : لا يعذر به في ترك الفاتحة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث