الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة يدعو ويدعون ويكثرون في دعائهم الاستغفار في صلاة الاستسقاء

جزء التالي صفحة
السابق

( 1481 ) مسألة ; قال : ( ويدعو ، ويدعون ، ويكثرون في دعائهم الاستغفار ) وجملته أن الإمام إذا صعد المنبر جلس ، وإن شاء لم يجلس ; لأن الجلوس لم ينقل ، ولا هاهنا أذان ليجلس في وقته ، ثم يخطب خطبة واحدة ، يفتتحها بالتكبير ، وبهذا قال عبد الرحمن بن مهدي . وقال مالك ، والشافعي : يخطب خطبتين كخطبتي العيدين ; لقول ابن عباس : صنع النبي صلى الله عليه وسلم كما صنع في العيد . ولأنها أشبهتها في التكبير ، وفي صفة الصلاة ، فتشبهها في الخطبتين .

ولنا ، قول ابن عباس : لم يخطب كخطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير . وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت ولا جلوس . ولأن كل من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين ، ولأن المقصود إنما هو دعاء الله تعالى ليغيثهم ، ولا أثر لكونها خطبتين في ذلك ، والصحيح من حديث ابن عباس أنه قال : صلى ركعتين ، [ ص: 152 ] كما كان يصلي في العيد . ولو كان النقل كما ذكروه ، فهو محمول على الصلاة ، بدليل أول الحديث .

ويستحب أن يستفتح الخطبة بالتكبير ، كخطبة العيد ، ويكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ كثيرا : { استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا } وسائر الآيات التي فيها الأمر به ، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه . وروي عن عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي ، فلم يزد على الاستغفار ، وقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء .

وعن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب إلى ميمون بن مهران يقول : قد كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا وكذا ، وأمرتهم بالصدقة والصلاة ، قال الله تعالى : { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } . وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } . ويقولوا كما قال نوح : { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } . ويقولوا كما قال يونس : { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } . ويقولوا كما قال موسى : { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } .

ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث ، والاستغفار والتوبة تمحو المعاصي المانعة من الغيث ، فيأتي الله به .

ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بدعائه ، فروى جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل } . رواه أبو داود . قال الخطابي : مريعا يروى على وجهين بالياء والباء ، فمن رواه بالياء جعله من المراعة ، يقال : أمرع المكان : إذا أخصب ، ومن رواه مربعا ، كان معناه منبتا للربيع .

وعن عائشة قالت : { شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ، ووعد الناس يوما يخرجون فيه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فكبر ، وحمد الله ، ثم قال : إنكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم . ثم قال : { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين } لا إله إلا هو يفعل ما يريد ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين . ثم رفع يديه ، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه ، وهو رافع يديه ، ثم أقبل على الناس ، فنزل ، فصلى ركعتين } . وقال عبد الله بن عمرو { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى ، قال : اللهم اسق عبادك وبهائمك ، وانشر رحمتك ، وأحي بلدك الميت } . رواهما أبو داود .

روى ابن قتيبة ، بإسناده في " غريب الحديث " ، عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم { خرج للاستسقاء ، فصلى بهم ركعتين ، يجهر فيهما بالقراءة ، وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب ، و " سبح اسم ربك الأعلى " ، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب ، و " هل أتاك حديث الغاشية " ، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه ، [ ص: 153 ] وقلب رداءه ، ورفع يديه ، وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي ، ثم قال : اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، وحيا ربيعا ، وجدا طبقا غدقا مغدقا مونقا ، هنيئا مريئا مريعا مربعا مرتعا ، سائلا مسبلا مجللا ، ديما درورا ، نافعا غير ضار ، عاجلا غير رائث ; اللهم تحيي به البلاد ، وتغيث به العباد ، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد ، اللهم أنزل في أرضنا زينتها ، وأنزل علينا في أرضنا سكنها ، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا ، فأحيي به بلدة ميتا ، وأسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا . }

قال ابن قتيبة : المغيث : المحيي بإذن الله تعالى . والحيا : الذي تحيا به الأرض والمال . والجدا : المطر العام ، ومنه أخذ جدا العطية ، والجدوى مقصور . والطبق : الذي يطبق الأرض . والغدق والمغدق : الكثير القطر . والمونق : المعجب . والمريع : ذو المراعة والخصب . والمربع من قولك : ربعت مكان كذا : إذا أقمت به . واربع على نفسك : ارفق .

والمرتع : من رتعت الإبل ، إذا أرعت . والسابل : من السبل ، وهو المطر . يقال سبل سابل ، كما يقال : مطر ماطر . والرائث : البطيء . والسكن : القوة ، لأن الأرض تسكن به .

وروي عن عبد الله بن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى ، قال : { اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، هنيئا مريعا ، غدقا مجللا ، طبقا سحا دائما ، اللهم اسقنا الغيث ، ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك ، اللهم أنبت لنا الزرع ، وأدر لنا الضرع ، واسقنا من بركات السماء ، وأنزل علينا من بركاتك ، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري ، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك ، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا ، فأرسل السماء علينا مدرارا }

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث