الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة

وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين

أحسب أن موقع هذه الآية موقع الاحتراس من ظن أن النهي عن انتهاك الأشهر الحرم يقتضي النهي عن قتال المشركين فيها إذا بدءوا بقتال المسلمين ، وبهذا يؤذن التشبيه التعليلي في قوله : كما يقاتلونكم كافة فيكون المعنى فلا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم بالمعاصي ، أو باعتدائكم على أعدائكم ، فإن هم بادئوكم بالقتال فقاتلوهم على نحو قوله - تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فمقصود الكلام هو الأمر بقتال المشركين الذين يقاتلون المسلمين في الأشهر الحرم ، وتعليله بأنهم يستحلون تلك الأشهر في قتالهم المسلمين .

و ( كافة ) كلمة تدل على العموم والشمول بمنزلة كل لا يختلف لفظها باختلاف المؤكد من إفراد وتثنية وجمع ، ولا من تذكير وتأنيث ، وكأنه مشتق من الكف عن استثناء بعض الأفراد ، ومحلها نصب على الحال من المؤكد بها ، فهي في الأول تأكيد لقوله : المشركين وفي الثاني تأكيد لضمير المخاطبين ، والمقصود من تعميم الذوات تعميم الأحوال لأنه تبع لعموم الذوات ، أي كل فرق المشركين ، فكل فريق وجد في حالة ما ، وكان قد بادأ المسلمين بالقتال ، فالمسلمون مأمورون [ ص: 188 ] بقتاله ، فمن ذلك : كل فريق يكون كذلك في الأشهر الحرم ، وكل فريق يكون كذلك في الحرم .

والكاف في كما يقاتلونكم أصلها كاف التشبيه استعيرت للتعليل بتشبيه الشيء المعلول بعلته ; لأنه يقع على مثالها ومنه قوله - تعالى : واذكروه كما هداكم

وجملة واعلموا أن الله مع المتقين تأييد وضمان بالنصر عند قتالهم المشركين ; لأن المعية هنا معية تأييد على العمل ، وليست معية علم ، إذ لا تختص معية العلم بالمتقين .

وابتدئت الجملة بـ اعلموا للاهتمام بمضمونها كما تقدم في قوله - تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية ، بحيث يجب أن يعلموه ويعوه .

والجملة بمنزلة التذييل لما قبلها من أجل ما فيها من العموم في المتقين ، دون أن يقال واعلموا أن الله معكم ليحصل من ذكر الاسم الظاهر معنى العموم ، فيفيد أن المتصفين بالحال المحكية في الكلام السابق معدودون من جملة المتقين ، لئلا يكون ذكر جملة واعلموا أن الله مع المتقين غريبا عن السياق ، فيحصل من ذلك كلام مستقل يجري مجرى المثل وإيجاز يفيد أنهم حينئذ من المتقين ، وأن الله يؤيدهم لتقواهم ، وأن القتال في الأشهر الحرم في تلك الحالة طاعة لله وتقوى ، وأن المشركين حينئذ هم المعتدون على حرمة الأشهر ، وهم الحاملون على المقابلة بالمثل للدفاع عن النفس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث