الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله

إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا

استئناف بياني لقوله : ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير لأن نفي أن يكون قعودهم عن النفير مضرا بالله ورسوله ، يثير في نفس السامع سؤالا عن [ ص: 201 ] حصول النصر بدون نصير ، فبين بأن الله ينصره كما نصره حين كان ثاني اثنين لا جيش معه ، فالذي نصره حين كان ثاني اثنين قدير على نصره وهو في جيش عظيم ، فتبين أن تقدير قعودهم عن النفير لا يضر الله شيئا .

والضمير المنصوب بـ ( تنصروه ) عائد إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يتقدم له ذكر ; لأنه واضح من المقام .

وجملة فقد نصره الله جواب للشرط ، جعلت جوابا له لأنها دليل على معنى الجواب المقدر لكونها في معنى العلة للجواب المحذوف : فإن مضمون فقد نصره الله قد حصل في الماضي فلا يكون جوابا للشرط الموضوع للمستقبل ، فالتقدير : إن لا تنصروه فهو غني عن نصرتكم بنصر الله إياه إذ قد نصره في حين لم يكن معه إلا واحد لا يكون به نصر ، فكما نصره يومئذ ينصره حين لا تنصرونه . وسيجيء في الكلام بيان هذا النصر بقوله : فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها الآية .

ويتعلق " إذ أخرجه " بـ ( نصره ) أي زمن إخراج الكفار إياه ، أي من مكة ، والمراد خروجه مهاجرا . وأسند الإخراج إلى الذين كفروا لأنهم تسببوا فيه بأن دبروا لخروجه غير مرة كما قال - تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ، وبأن آذوه وضايقوه في الدعوة إلى الدين ، وضايقوا المسلمين بالأذى والمقاطعة ، فتوفرت أسباب خروجه ولكنهم كانوا مع ذلك يترددون في تمكينه من الخروج خشية أن يظهر أمر الإسلام بين ظهراني قوم آخرين ، فلذلك كانوا في آخر الأمر مصممين على منعه من الخروج ، وأقاموا عليه من يرقبه وحاولوا الإرسال وراءه ليردوه إليهم ، وجعلوا لمن يظفر به جزاء جزلا ، كما جاء في حديث سراقة بن جعشم .

كتب في المصاحف " إلا " من قوله : إلا تنصروه بهمزة بعدها لام ألف ، على كيفية النطق بها مدغمة ، والقياس أن تكتب ( إن لا ) - بهمزة فنون فلام ألف - لأنهما حرفان : ( إن ) الشرطية و ( لا ) النافية ، ولكن رسم المصحف سنة متبعة ، ولم تكن للرسم في القرن الأول قواعد متفق عليها ، ومثل ذلك كتب إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض [ ص: 202 ] في سورة الأنفال . وهم كتبوا قوله : بل ران في سورة المطففين بلام بعد الباء وراء بعدها ، ولم يكتبوها بباء وراء مشددة بعدها .

وقد أثار رسم إلا تنصروه بهذه الصورة في المصحف خشية توهم متوهم أن إلا هي حرف الاستثناء فقال ابن هشام في مغني اللبيب : " تنبيه ليس من أقسام ( إلا ) ، ( إلا ) التي في نحو إلا تنصروه فقد نصره الله وإنما هذه كلمتان ( إن ) الشرطية و ( لا ) النافية ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في شرح التسهيل من أقسام إلا ولم يتبعه الدماميني في شروحه الثلاثة على المغني ولا الشمني . وقال الشيخ محمد الرصاع في كتاب الجامع الغريب لترتيب آي مغني اللبيب : " وقد رأيت لبعض أهل العصر المشارقة ممن اعتنى بشرح هذا الكتاب - أي التسهيل - أخذ يعتذر عن ابن مالك والإنصاف أن فيه بعض الإشكال " . وقال الشيخ محمد الأمير في تعليقه على المغني " ليس ما في شرح التسهيل نصا في ذلك وهو يوهمه فإنه عرف المستثنى بالمخرج بـ ( إلا ) وقال " واحترزت عن ( إلا ) بمعنى إن لم ومثل بالآية ، أي فلا إخراج فيها " . وقلت عبارة متن التسهيل " المستثنى هو المخرج تحقيقا أو تقديرا من مذكور أو متروك بإلا أو ما بمعناها " ، ولم يعرج شارحه المرادي ولا شارحه الدماميني على كلامه الذي احترز به في شرحه ولم نقف على شرح ابن مالك على تسهيله ، وعندي أن الذي دعا ابن مالك إلى هذا الاحتراز هو ما وقع للأزهري من قوله " إلا تكون استثناء وتكون حرف جزاء أصلها ( إن لا ) نقله صاحب لسان العرب . وصدوره من مثله يستدعي التنبيه عليه .

و ثاني اثنين حال من ضمير النصب في " أخرجه " ، والثاني كل من به كان العدد اثنين فالثاني اسم فاعل أضيف إلى الاثنين على معنى ( من ) ، أي ثانيا من اثنين ، والاثنان هما النبيء - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر : بتواتر الخبر ، وإجماع المسلمين كلهم . ولكون الثاني معلوما للسامعين كلهم لم يحتج إلى ذكره ، وأيضا لأن المقصود تعظيم هذا النصر مع قلة العدد .

و ( إذ ) التي في قوله : إذ هما في الغار بدل من ( إذ ) التي في قوله : ( إذ أخرجه ) فهو زمن واحد وقع فيه الإخراج ، باعتبار الخروج ، والكون في الغار .

[ ص: 203 ] والتعريف في الغار للعهد ، لغار يعلمه المخاطبون ، وهو الذي اختفى فيه النبيء - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر حين خروجهما مهاجرين إلى المدينة ، وهو غار في جبل ثور خارج مكة إلى جنوبيها ، بينه وبين مكة نحو خمسة أميال ، في طريق جبلي .

والغار الثقب في التراب أو الصخر .

و إذ المضافة إلى جملة " يقول " بدل من إذ المضافة إلى جملة هما في الغار . بدل اشتمال .

والصاحب هو ثاني اثنين وهو أبو بكر الصديق . ومعنى الصاحب : المتصف بالصحبة ، وهي المعية في غالب الأحوال ، ومنه سميت الزوجة صاحبة ، كما تقدم في قوله - تعالى : ولم تكن له صاحبة في سورة الأنعام . وهذا القول صدر من النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر حين كانا مختفيين في غار ثور ، فكان أبو بكر حزينا إشفاقا على النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يشعر به المشركون ، فيصيبوه بمضرة ، أو يرجعوه إلى مكة .

والمعية هنا : معية الإعانة والعناية ، كما حكى الله - تعالى - عن موسى وهارون قال لا تخافا إنني معكما وقوله : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث