الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب نسبة الاختراع لغير الله تعالى حقيقة كفر

جزء التالي صفحة
السابق

104 (23) باب

نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر

[ 57 ] عن زيد بن خالد الجهني ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف ، أقبل على الناس ، فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ; فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب .


رواه أحمد ( 4 \ 117 ) ، والبخاري ( 846 ) ، ومسلم ( 71 ) ، وأبو داود ( 3906 ) ، والنسائي ( 3 \ 165 ) .

[ ص: 258 ]

التالي السابق


[ ص: 258 ] (23) ومن باب : نسبة الاختراع إلى غير الله حقيقة كفر

(قوله : " صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل ") أكثر الرواة يشددون ياء الحديبية ، وهي لغة أهل اليمن ، وأهل العراق يخففونها . والجعرانة يقولها أهل المدينة بكسر العين وتشديد الراء ، وأهل العراق يسكنون العين ويخففون الراء ، وابن المسيب وأهل المدينة يكسرون الياء مشددة ، وأهل العراق يفتحونها ، وكذلك قرأته ، وقيدته على من لقيته وقيدت عليه .

والحديبية : موضع فيه ماء بينه وبين مكة أميال ، وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه وهو محرم بعمرة قبل فتح مكة ، فصده المشركون عن البيت ، فصالحهم وشرط لهم وعليهم ، ولم يدخل مكة في تلك السنة ، ورجع إلى المدينة ، فلما كان العام المقبل ، دخلها ، وسيأتي تفصيل ذلك كله ، إن شاء الله تعالى .

وإثر الشيء بكسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة : بعده وعقبه ، ويقال فيه : أثر ، بفتح الهمزة والثاء . والسماء هنا المطر ، سمي بذلك ; لأنه من السماء ينزل ، وحقيقة السماء : كل ما علاك فأظلك .

و (قوله : " فلما انصرف ، أقبل على الناس " ) أي : انصرف من صلاته ، وفرغ منها ; فظاهره : أنه لم يكن يثبت في مكان صلاته بعد سلامه ; بل كان ينتقل عنه ويتغير عن حالته ، وهذا الذي يستحبه مالك للإمام في المسجد ; كما سيأتي .

[ ص: 259 ] و (قوله : " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ") ظاهره : أنه الكفر الحقيقي ; لأنه قابل به المؤمن الحقيقي ، فيحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها ، لا من فعل الله تعالى ; كما يعتقده بعض جهال المنجمين والطبائعيين والعرب .

فأما من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق المطر واخترعه ثم تكلم بذلك القول ، فليس بكافر ; ولكنه مخطئ من وجهين :

أحدهما : أنه خالف الشرع ; فإنه قد حذر من ذلك الإطلاق .

وثانيهما : أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم ، وذلك لا يجوز ; لأنا قد أمرنا بمخالفتهم ; فقال : خالفوا المشركين ، وخالفوا اليهود . ونهينا عن التشبه بهم ; وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال والأقوال على ما يأتي إن شاء الله تعالى ، ولأن الله تعالى قد منعنا من التشبه بهم في النطق ، بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا [ البقرة : 104 ] لما كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقصدون ترعينه ، منعنا الله من إطلاقها ، وقولها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن قصدنا بها الخير ; سدا للذريعة ، ومنعا من التشبه بهم . فلو قال غير هذا اللفظ [ ص: 260 ] الممنوع يريد به الإخبار عما أجرى الله به سنته جاز ; كما قال - عليه الصلاة والسلام - : إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت ، فتلك عين غديقة .

و (قوله : " فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ") أي : مصدق بأن المطر خلقي لا خلق الكوكب ، أرحم به عبادي ، وأتفضل عليهم به ، كما قال : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد [ الشورى : 28 ] .

والنوء لغة : النهوض بثقل ، يقال : ناء بكذا : إذا نهض به متثاقلا ; ومنه : لتنوء بالعصبة [ القصص : 76 ] أي : لتثقلهم عند النهوض بها . وكانت العرب إذا طلع نجم من المشرق ، وسقط آخر من المغرب ، فحدث عند ذلك مطر أو ريح : فمنهم من ينسبه إلى الطالع ، ومنهم من ينسبه إلى الغارب الساقط نسبة إيجاد واختراع ، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث ، فنهى الشرع عن إطلاق ذلك ; لئلا يعتقد أحد اعتقادهم ، ولا يتشبه بهم في نطقهم ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث