الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة

ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين

عطف على جملة فهم في ريبهم يترددون لأن معنى المعطوف عليها : أنهم لم يريدوا الخروج إلى الغزو ، وهذا استدلال على عدم إرادتهم الخروج إذ لو أرادوه لأعدوا له عدته . وهذا تكذيب لزعمهم أنهم تهيئوا للغزو ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود لأن عدم إعدادهم العدة للجهاد دل على انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو .

و " العدة " بضم العين : ما يحتاج إليه من الأشياء ، كالسلاح للمحارب ، والزاد للمسافر ، مشتقة من الإعداد وهو التهيئة .

والخروج تقدم آنفا .

والاستدراك في قوله : ولكن كره الله انبعاثهم استدراك على ما دل عليه شرط لو من فرض إرادتهم الخروج تأكيدا لانتفاء وقوعه بإثبات ضده ، وعبر عن ضد [ ص: 215 ] الخروج بتثبيط الله إياهم لأنه في السبب الإلهي ضد الخروج فعبر به عن مسببه ، واستعمال الاستدراك كذلك بعد لو استعمال معروف في كلامهم كقول أبي بن سلمى الضبي :


فلو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر



وقول الغطمش الضبي :


أخلاي لو غير الحمام أصابكم     عتبت ولكن ما على الموت معتب



إلا أن استدراك ضد الشرط في الآية كان بذكر ما يساوي الضد : وهو تثبيط الله إياهم ، توفيرا لفائدة الاستدراك ببيان سبب الأمر المستدرك ، وجعل هذا السبب مفرعا على علته : وهي أن الله كره انبعاثهم ، فصيغ الاستدراك بذكر علته اهتماما بها ، وتنبيها على أن عدم إرادتهم الخروج كان حرمانا من الله إياهم ، وعناية بالمسلمين فجاء الكلام بنسج بديع وحصل التأكيد مع فوائد زائدة .

وكراهة الله انبعاثهم مفسرة في الآية بعدها بقوله : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا

والانبعاث مطاوع ، بعثه إذا أرسله .

والتثبيط إزالة العزم . وتثبيط الله إياهم : أن خلق فيهم الكسل وضعف العزيمة على الغزو .

والقعود مستعمل في ترك الغزو تشبيها للترك بالجلوس .

و ( القول ) الذي في " وقيل اقعدوا " قول أمر التكوين : أي كون فيهم القعود عن الغزو .

وزيادة قوله : " مع القاعدين " مذمة لهم : لأن القاعدين هم الذين شأنهم القعود عن الغزو ، وهم الضعفاء من صبيان ونساء كالعمي والزمنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث