الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                السبب الخامس : النكاح . وأصله : قوله - عليه السلام - : ( تنكح المرأة لأربع : لدينها ، وحسبها ، ومالها ، وجمالها ) وإذا تعلق به حق الزوجة لبذله الصداق فيه كان الحجر فيما يخل به . وخالفنا الأئمة . وروى ابن ماجه : أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بحلي لها فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يجوز للمرأة عطية حتى تستأذن زوجها ، فهل استأذنت ؟ فقالت : نعم . فبعث - عليه السلام - إلى كعب فقال : هل أذنت لها أن تتصدق بحليها ؟ فقال : نعم ) . وفي أبي داود : لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها . ولقوله تعالى : " الرجال قوامون على النساء " ، وقياسا على المريض .

                                                                                                                [ ص: 252 ] احتجوا بما في الصحيحين : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للنساء : " تصدقن ولو من حليكن " ولم يسأل ، وقياسا على الرجال .

                                                                                                                وأجابوا عن قياسنا بوجوه : أحدها : أن المرض يقضي بالمال للوارث . والزوجية تجعل الزوج من أهل الميراث ، فهي أحد وصفي العلة ، فلا يثبت الحكم بها ، كما لا يثبت الحجر لها عليه ، وثانيها : تبرع المريض موقوف ، وهاهنا يبطل مطلقا ، والفرع لا يزيد على الأصل ، وثالثها : انتفاع المرأة بمال زوجها بالنفقة وغيرها أكثر من تحمل الزوج ولم يحجر عليه أولى .

                                                                                                                والجواب عن نصهم القول بالموجب ، فإنا إنما نمنع التصدق بما زاد على الثلث ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعين ذلك ، وعن القياس : الفرق بأن الرجل بذل الصداق في المال فتعلق حقه ، بخلافها .

                                                                                                                تفريع . في الجواهر : للزوج منعها من التصرف فيما زاد عن ثلثها من هبة أو صدقة ونحوه مما ليس بمعاوضة ; لقوله - عليه السلام - : ( لا يحل لامرأة تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها " ، والثلث ذو بال ، وليست أسوأ حالا من المريض ، فإن تبرعت بأكثر من الثلث أجازه ابن القاسم حتى يرده الزوج كعتق المديان ورواه . وقال عبد الملك : هو مردود في الأصل ; لقوله في الحديث " لا يجوز لامرأة ) ، فإن لم يعلم الزوج حتى بانت بموت أو طلاق ، أو علم فرده ولم يخرجه من ملكها حتى تأيمت نفذ لانتفاء الضرر ، وقال ابن القاسم : ذلك كذلك إلا أن يرده الزوج حين علم ، وقال أصبغ : أقول بقوله في الموت وفي التأيم بقول عبد الملك . وإذا تبرعت بما زاد على ثلثها خير الزوج بين إجازة الجميع ورد الجميع ; لاشتماله على الممنوع . وقال عبد الملك : يرد ما زاد على الثلث فقط كالمريض ; لأنه المحرم إلا العتق ؛ يبطل جميعه ; لأنه لا يتبعض ، ثم ليس لها التصرف في بقية المال الذي أخرجت ثلثه لاستيفائها حقها ، ولها ذلك في مال آخر إن طرأ .

                                                                                                                [ ص: 253 ] فرع

                                                                                                                في الكتاب : له منعها من الخروج دون التجارة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في النوادر : قال ابن القاسم : إذا أعتقت ثلث عبد لا تملك غيره جاز ، ولو أعتقته كله لم يجز منه شيء ; لأنه عتق لا يتبعض . وقال عبد الملك : يبطل في الوجهين ; لأن عتق بعضه كعتق كله لوجود التقويم على معتق البعض . وقاله مالك . وقال أصبغ : إذا أعتقت ثلث عبد لها مشترك كمل عتقه عليها إلا أن يرد ذلك الزوج ; لأن أصله أن فعلها ماض حتى يرد وإن كان لها عبيد فأعتقت أثلاثهم قال عبد الملك : بطل ، ولو أعتقت ثلثهم فإن خرج عبد وبقي من الثلث أسهم حتى يتم الثلث ، فإن كان تمامه في أقل من عبد رق جميعه . قال عبد الملك : وإذا دبرت عبدها مضى ولا يرده الزوج لبقاء رقه ، وإنما منعت بيعه ، ولها الامتناع من البيع من غير تدبير . وقاله مالك ، وابن القاسم . وقال عبد الملك : يتم ذلك إلا بإذنه كعتقه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : قال مالك : إذا تصدقت بالثلث فأقل على وجه الضرر بالزوج رده ، وأمضاه ابن القاسم ; لأنه حقها . فرع

                                                                                                                قال : قال عبد الملك : لها النفقة على أبويها وكسوتها وإن تجاوز الثلث ، ولا مقال للزوج لوجوبها عليها . فرع

                                                                                                                قال : قال أصبغ : إذا تصدقت بشوار بيتها - وهو الثلث - مضى ، وإن كره الزوج ، وتؤمر هي بتعمير بيتها بشوار مثله ، وكذلك لو تصدقت بصداقها . [ ص: 254 ] فرع

                                                                                                                قال : قال عبد الملك : إذا أقرت في الجهاز الكثير أنه لأهلها جملوها به ، والزوج يكذبها ، فإن لم يكن إقرارها بمعنى العطية نفذ أو بمعنى العطية رد إلى الثلث . فرع

                                                                                                                قال : قال ابن وهب : ليس للعبد منع امرأته الحرة مثل الحر ، بل لها التصدق بمالها لضعف ملكه في ماله ، فكيف في مال امرأته ؟ ! ولا مقال للحر في امرأته الأمة ; لأن مالها لسيدها ، وقال أصبغ : العبد كالحر ; لأنه يتجمل بالمال ، وقاله مالك .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : قال ابن عبد الحكم : إذا أراد الزوج الخروج بامرأته إلى بلد ، ولها عليه دين حل أو قارب الحلول ، أو لم يقارب . وقالت : لا أخرج ، هاهنا بيتي - فله الخروج بها ، وتطلبه بالدين حيثما حل ، وإن طلبت كتابا من القاضي بما ثبت من دينها فذلك لها إن كان قريبا بخلاف البعد .

                                                                                                                نظائر : قال ابن بشير : سبعة يختص تصرفهم بالثلث : ذات الزوج ، والمريض ، والحامل في ستة ، والزاحف في الصف ، والمحبوس للقتل ، والمقتص منه في جراح أو سرقة أو ضرب مما يخاف عليه الموت ، وراكب البحر على خلاف فيه .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية