الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل والتحقيق أن الذي نهى عنه السلف هو الكلام المبتدع

فصل

والتحقيق أن الذي نهى عنه السلف هو الكلام المبتدع الذي لم يشرعه الله ولا رسوله، كما قد قررت في «قاعدة السنة والبدعة» أن البدعة هي ما لم يشرع من الدين.

وغلبة اسم «الكلام» على الكلام المبتدع كغلبة اسم «السماع» على السماع المبتدع; فإن ناسا لما أحدثوا سماع القصائد والتغبير، لتحريك قلوبهم وصلاحها، وإثارة مقاصدها ومواجدها، وأحدث آخرون كلاما ونظرا، لعلم قلوبهم، وصلاح عقائدهم، وتحقيق مقالهم كان هؤلاء فيما [ ص: 8 ] أحدثوه من الأصوات المسموعة شبيها بهؤلاء فيما أحدثوه من الحروف المنطوقة.

وعبروا هم والمسلمون عن ذلك بأعم صفاته، وهو السماع، والكلام، فإذا أطلق اسم «السماع» عند كثير من الناس، أو قيل: فلان يحضر السماع، أو يقول به، وفلان ينكر السماع وينهى عنه، انصرف الإطلاق إلى السماع المحدث الذي هو مورد النزاع.

وإن كان السماع المشروع المأمور به، الذي هو واجب تارة ومستحب أخرى، هو سماعا أيضا، بل هو السماع المعروف في كلام من حمد السماع وأثنى عليه من المحتذين طريقة السلف رضي الله عنهم.

وكذلك إذا أطلق لفظ «الكلام» الذي يذمه وينهى عنه قوم، ويمدحه ويأمر به آخرون، فإنه عندهم هو الكلام المحدث.

وإن كان الكلام الذي أنزله الله تعالى هو أصدق الكلام وخيره وأفضله، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والأئمة كلاما.

لكن خص المحدث من النوعين باسم «الكلام» و«السماع»; لأن هذا الاسم بمجرده تعبير عنه، لا يدل على حمد ولا ذم، ولا أمر ولا نهي، واللام فيه تنصرف إلى المعهود.

بخلاف ما كان من الكلام والسماع مشروعا، فإن ذاك يعبر عنه بأخص أسمائه، مثل: علم، وقرآن، وسماع القرآن، ونحو ذلك; لأن من عادة العرب [ ص: 9 ] وغيرهم في الخطاب: إذا كان تحت الجنس نوعان عبروا عن أشرفهما باسمه الخاص، وتركوا الاسم المشترك للنوع المرجوح، كما فعلوا ذلك في مثل لفظ: دابة، وحيوان، وذوي الأرحام.

وقولنا: «كلام» أو «سماع» إنما هو تعبير عنه بالاسم المشترك بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، فإذا كان عندهم متميزا بما يدل على أنه حق وهدى ورشاد عبروا عنه بالاختصاص، كما أنه إذا كان متميزا بما يقتضي أنه باطل وضلال وغي عبروا عنه بالاختصاص.

ولا ريب أن المحدث من النوعين ليس حقا وهدى ورشادا من كل وجه، ولا باطلا وضلالا وغيا من كل وجه.

وهذا باتفاق جميع الطوائف; فإن القائلين بالكلام والسماع المحدثين يسلمون أن فيه ما هو باطل وضلال، وأن كثيرا من أهل الكلام ضل، وكثيرا من أهل السماع غوى، ويميز هؤلاء الكلام الصواب بصفات قد يكون في بعضها نزاع بينهم، كما يميز أولئك السماع النافع بصفات يكون في بعضها نزاع عند بعضهم.

والمنكرين للسماع والكلام المحدثين لا ينكرون أن في كلام المتكلمين ما قد يكون حقا وصوابا، وأن السماع قد تحصل به رقة ومنفعة [ ص: 10 ] للقلب، وإن كان تحصل به أيضا مضرة، كالخمر والميسر التي قال الله فيهما: فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما [البقرة: 219].

ولهذا يقولون: فلان صاحب علم، وفلان صاحب كلام. وهذا كثير في كلامهم، مثل قول الإمام أحمد عن ابن أبي دؤاد: «لم يكن يعرف العلم ولا الكلام»، وقوله: «عليكم بالعلم».

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث