الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ 6 ] - باب في المعراج .

الفصل الأول

5862 - ( عن قتادة ، عن أنس بن مالك [ عن مالك ] بن صعصعة رضي الله عنه ، أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حدثهم عن ليلة أسري به : ( بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعا إذ أتاني آت ، فشق ما بين هذه إلى هذه ) يعني من ثغرة نحره إلى شعرته " فاستخرج قلبي ، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا ، فغسل قلبي ، ثم حشي ، ثم أعيد ) - وفي رواية : " ثم غسل البطن بماء زمزم ، ثم ملئ إيمانا وحكمة لله ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار ، أبيض يقال له : البراق ، يضع خطوه عند أقصى طرفه ، فحملت عليه ، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم : قيل : مرحبا به ، فنعم المجيء جاء ، ففتح فلما خلصت ، فإذا فيها آدم فقال : هذا أبوك آدم ، فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية ، فاستفتح : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا له ، فنعم المجيء جاء ، ففتح . فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال : هذا يحيى وهذا عيسى فسلم عليهما ، فسلمت فردا ، ثم قالا : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي إلى السماء الثالثة ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما دخلت إذا يوسف ، قال : هذا يوسف ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد . ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما خلصت فإذا إدريس ، فقال : هذا إدريس ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبرئيل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما دخلت ، فإذا هارون . قال : هذا هارون فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبرئيل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قال : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، فلما خلصت فإذا موسى ، قال : هذا موسى ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، فلما جاوزت بكى ، قيل : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ؛ ثم صعد بي إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبرئيل ، قيل : من هذا : قال : جبرئيل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، فلما خلصت ، فإذا إبراهيم ، قال : هذا أبوك إبراهيم ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت إلى سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، قال : هذا سدرة المنتهى ، فإذا أربعة أنهار : نهران باطنان ونهران ظاهران ، قلت : ما هذان يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات ، ثم رفع لي البيت المعمور ، ثم أتيت بإناء من خمر ، وإناء من لبن ، وإناء من عسل ، فأخذت اللبن ، فقال : هي الفطرة أنت عليها وأمتك ، ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم ، فرجعت فمررت على موسى ، فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بخمسين صلاة كل يوم . قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم ، وإني والله قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك ، فرجعت فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عنى عشرا . فأمرت بعشر صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى ، فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بخمس صلوات كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم ، وإني قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك ، قال : سألت ربي حتى استحييت ، ولكني أرضى وأسلم . قال : فلما جاوزت ، نادى مناد : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ) . متفق عليه .

التالي السابق


[ 6 ] - باب في المعراج

العروج : هو الذهاب في صعود . قال تعالى : تعرج الملائكة والروح والمعراج بالكسر شبه السلم مفعال من العروج بمعنى الصعود ، فكأنه آلة له ، وقيل : بل هو آلة ، وفرق بينه وبين الإسراء ، كما بينته في رسالتي المسماة بالمدراج للمعراج ، وإنما سميت ليلة المعراج لصعود النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها إلى السماء ، وفي شرح السنة قال القاضي عياض : اختلف الناس في الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل : إنما كان جميع ذلك في المنام ، والحق الذي عليه أكثر الناس ، ومعظم السلف ، وعامة المتأخرين من الفقهاء ، والمحدثين ، والمتكلمين ، أنه أسري بجسده ، فمن طالعها وبحث عنها ، فلا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ، ولا استحالة في حملها عليه ، فيحتاج إلى تأويل ، وقيل : ذلك قبل أن يوحى إليه ، وهو غلط يوافق عليه ، فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم - بخمسة عشر شهرا . وقال الحربي : كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر ، قبل الهجرة بسنة ، وقال الزهري : كان ذلك بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين ، وقال ابن إسحاق : أسري به - صلى الله عليه وسلم - وقد فشا الإسلام بمكة ، وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق ، وقد أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء ، فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه ؟ وأما قوله في رواية شريك : وهو نائم ، وفي الرواية الأخرى : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان ، فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه ، إذ قد يكون فيه ذلك حالة أول وصول الملك إليه ، وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في القصة كلها وقال محيي السنة في المعالم : والأكثرون على ذلك . قلت : ومن القليل من قال بتعداد الإسراء نوما ويقظة وبه يجمع بين الأدلة المختلفة .

[ ص: 3757 ] قال الطيبي : وقد روينا عن البخاري والترمذي ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ( ثم ) : قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى بيت المقدس ، وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل ، عن ابن عباس قال : شيء أريه النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة رآه بعينه ، ولأنه قد أنكرته قريش وارتدت جماعة ممن أسلموا حين جمعوه ، وإنما ينكر إذا كانت في اليقظة ، فإن الرؤيا لا ينكر منها ما هو أبعد من ذلك على أن الحق أن المعراج مرتان : مرة بالنوم وأخرى باليقظة . قال محيي السنة : رؤيا أراه الله قبل الوحي بدليل قول من قال : فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه ، كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة ، ثم كان تحقيقه سنة ثمان وعن بعض المحققين ، أن الأرواح مأخوذة من أنوار الكمال والجلال ، وهي بالنسبة إلى الأبدان بمنزلة قرص الشمس بالنسبة إلى هذا العالم ، وكما أن كل جسم يصل إليه نور الشمس تتبدل ظلماته بالأضواء ، فكذلك كل عضو وصل إليه نور الروح انقلب حاله من الموت إلى الحياة .

وقالوا : الأرواح أربعة أقسام . الأول : الأرواح المكدرة بالصفات البشرية وهي أرواح العوام غلبته القوى الحيوانية لا تقبل العروج ، والثاني : الأرواح التي لها كمال القوة النظرية باكتساب العلوم ، وهذه أرواح العلماء ، والثالث : الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة ، وهذه أرواح المرتاضين إذا كبر وأقوى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة ، والرابع : الأرواح الحاصلة لها كمال القوتين ، وهذه غاية الأرواح البشرية وهي للأنبياء والصديقين ، فلما ازداد قوة أرواحهم ازداد ارتفاع أبدانهم عن الأرض ، وبهذا لما كان الأنبياء عليهم السلام قويت فيهم هذه الأرواح عرج بهم إلى السماء ، وأكملهم قوة نبينا ، فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى .

الفصل الأول

5862 - ( عن قتادة ) ، تابعي جليل ( عن أنس بن مالك ) أي : خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( عن مالك بن صعصعة ) : أنصاري مزني مدني سكن البصرة ، وهو قليل الحديث ( أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حدثهم ) أي : الصحابة : ومنهم أنس ( عن ليلة أسري به ) : بالإضافة وفي نسخة بالتنوين أي : ليلة أسري به فيها . قال زين العرب في شرح المصابيح : إنها مضافة إلى الماضي ، وفي نسخة روايتي مجرورة منونة . وقال الطيبي : يجوز بناء ليلة وإعرابها ، وأسري بصيغة المجهول إيماء إلى قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا والإسراء : من السرى ، وهو السير في الليل . يقال : سرى وأسرى بمعنى ، وقيل : أسرى سار من أول الليل وسرى من آخره . قيل : وهو أقرب فالباء في به للتعدية ، وذكر الليل للتجريد أو للتأكيد . وفي الآية بالتنكير للتقليل والتعظيم . ( بينما أنا في الحطيم ) : قال القاضي ، قيل هو الحجر سمي حجرا لأنه حجر عنه بحيطانه ، وحطيما لأنه حطم جداره عن مساواة الكعبة ، وعليه ظاهر قوله : بينما أنا في الحطيم ( وربما قال في الحجر ) : فلعله - صلى الله عليه وسلم - حكى لهم قصة المعراج مرات ، فعبر بالحطيم تارة ، وبالحجر أخرى . وقيل : الحطيم غير الحجر ، وهو ما بين المقام إلى الباب ، وقيل : ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر ، والراوي شك في أنه جمع في الحطيم أو في الحجر انتهى .

وقال ابن حبيب : الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام حيث ينحطم الناس للدعاء ، وقيل : كان أهل الجاهلية يتحالفون هنالك ، وينحطمون بالإيمان ، كذا ذكره الشارح الأول والله أعلم . ( مضطجعا ) : قيد للروايتين وهو يحتمل النوم واليقظة ( إذ أتاني آت ) أي : جاءني ملك ( فشق ) أي : قطع ( ما بين هذه إلى

[ ص: 3758 ] هذه ) يعني ) : تفسير من مالك على ما هو الظاهر أي : يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله هذا ( من ثغرة نحره ) : بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة أي : نقرة نحره التي بين الترقوتين ( إلى شعرته ) . بكسر الشين أي عانته ، وقيل منبت شعرها كذا في النهاية . ( فاستخرج قلبي ) : قال شارح : وهذا الشق غير ما كان في زمن الصبا إذ هو لإخراج مادة الهوى من قلبه ، وهذا لإدخال كمال العلم والمعرفة في قلبه . قلت : وفيه إيماء إلى التخلية والتحلية ومقام الفناء والبقاء ونفي السوي وإثبات المولى ، كما تشير إليه الكلمة العليا .

ثم اعلم أن هذا معجزة فإن من المحال العادي أن يعيش من ينشق بطنه ويستخرج قلبه ، وكأن بعضهم حملوها على المعاني المجازية ، ولذا قال التوربشتي : ما ذكر في الحديث من شق النحر واستخراج القلب ، وما يجري مجراه ، فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض بصرفه من وجه إلى وجه بمنقول متكلف دعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول ، هربا مما يتوهم أنه محال ، ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر لعدم المحال به على القدرة . ( ثم أتيت بطست ) : بفتح الطاء وتكسر وسينه مهملة في العربية ومعجمة ( من ذهب ) : لعل الاستعمال كان قبل التحريم أو القضية من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ( مملوءة ) : على وزن مفعول بالهمز ويشدد ( إيمانا ) : تمييز . قال القاضي : لعله من باب التمثيل إذ تمثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها قبله الطيبي ، وفيه أن الأرواح أجساد لطيفة على الصحيح من الأقوال ، إلا أن يقال : المراد ممثل له الأرواح بأجسادهم الفانية ، ولكن فيه أن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ، نعم لو قيل ببقاء أجسادهم المتعلقة بها أرواحهم في عالم الملك وبتمثلها في عالم الملكوت ، لكان توجيها وجيها وتنبيها نبيها ، بل هو الظاهر ، ولا يبعد عن قدرة القاهر . وفي شرح مسلم معنى جعل الإيمان في الطست جعل شيء فيه يحصل به الإيمان ، فيكون مجازا ، وقد قال الشارح : الأول لا مانع من إرادة الحقيقة أقول : والحاصل أن المعاني قد تتجسم كما حقق في وزن الأعمال وذبح كبش الموت ونحوهما . ( فغسل قلبي ، ثم حشي ) : ماض مجهول من الحشو أي : ملئ من حب ربي ( ثم أعيد ) . أي : القلب إلى موضعه الأول على الوجه الأكمل .

( وفي رواية : ( ثم غسل البطن ) أي : الجوف مطلقا أو محل القلب فإنه بيت الرب ( بماء زمزم ثم ملئ إيمانا وحكمة ) أي : إيقانا وإحسانا فهو تكميل وتذييل ( ثم أتيت بدابة ) : هي تطلق على الذكر والأنثى لقوله تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها والتاء فيها للوحدة ، فالمعنى بمركوب متوسط . ( دون البغل ) : أصغر منه ( وفوق الحمار ) أي : أكبر منه ( أبيض ) : بالنصب على الحال أو الصفة ( يقال له البراق ) : بضم أوله ، سمي به لبريق لونه ، أو لسرعة سيره كبرق السحاب ولا منع من الجمع ، وإن كان يؤكد الثاني قوله : ( يضع خطوه عند أقصى طرفه ) ، بفتح فسكون في كل منهما أي : يضع قدمه عند منتهى بصره وغاية نظره قيل : الأصح أنه كان معدا لركوب الأنبياء ، وقيل : لكل نبي براق على حدة ، وهو المناسب لمراتب الأصفياء ، ففي شرح مسلم قالوا : هو اسم للدابة التي ركبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء . قال الزبيدي في مختصر العين ، وصاحب التحرير : هي دابة كانت الأنبياء عليهم السلام يركبونها ، وهذا الذي قالاه محتاج إلى نقل صحيح .

قال الطيبي : ولعلهم حسبوا ذلك من قوله في حديث آخر : فربطه بالحلقة التي تربط بها الأنبياء أي : ربطت البراق . قلت وليس فيه دلالة على تقدير تسليم تقديره ، لأن المراد بالبراق الجنس في الثاني : قال : وأظهر منه حديث أنس في الفصل الثاني قول جبريل للبراق : فما ركبك أحد أكرم على الله منه . قلت : هو مع ظهوره لا يخفى ما فيه من الاحتمال المانع من صحة الاستدلال ، إذ محتمل أنه ركبه بعض الملائكة أو جبريل قبله عند نزوله إليه - صلى الله عليه وسلم - ، أو التقدير : فما ركب مثلك أو جنسك أحد أكرم على الله منه فلا معنى لتنفرك عنه . ( فحملت عليه ) : بصيغة المجهول أي : ركبت عليه بمعونة الملك أو بإعانة الملك ، وفيه إيماء إلى صعوبته كما سيأتي وجهه ، ( فانطلق بي جبريل حتى أتى باب السماء الدنيا ) ، ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء ، وتمسك به من زعم أن .

[ ص: 3759 ] المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس ، فأما المعراج فعلى غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق ، بل رقي في المعراج وهو السلم ، كما وقع به مصرحا ذكره العسقلاني . أقول : الأظهر أن هذا اقتصار من الراوي وإجمال لما سبق أنه ربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، نعم يمكن أن يكون سيره على البراق إلى بيت المقدس ، ثم إسراؤه إلى السماء بالمعراج الذي هو السلم والله أعلم . فكأن الراوي طوى الرواية ، فاختل به أمر الدراية ، ثم قيل : الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إظهار الحق للمعاندين ، لأنه لو عرج به عن مكة إلى السماء أولا لم يكن سبيل إلى إيضاح الحق للمعاندين ، كما وقع في الأخبار بصفة بيت المقدس ، وما صادفه في الطريق من العير مع ما في ذلك من حيازة فضيلة الرحيل إليه لأنه محل هجرة غالب الأنبياء ، ولما روي أن باب السماء الذي يقال له : مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس ، فأسري إليه ليحصل العروج مستويا من غير تعويج ذكره السيوطي .

( فاستفتح ) أي : طلب جبريل فتح باب السماء الدنيا ( قيل : من هذا ) ؟ أي : المستفتح ( قال : جبريل ) : بتقدير هو أو أنا ، قال القاضي عياض : وفيه أن للسماء أبوابا حقيقة وحفظة موكلين بها ، وفيه إثبات الاستئذان ، وأنه ينبغي أن يقول أنا زيد مثلا يعني : لا يكتفي بقوله أنا ، كما هو المتعارف إذ قد ورد به النهي ( قيل : ومن معك ) ؟ أي : أنت نعرفك ومن معك حتى تستفتح ( قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ) الواو للعطف وحرف الاستفهام مقدر أي : أطلب وأرسل إليه بالعروج أو بالوحي ، والأول أشهر وأظهر ، وعليه الأكثر . قال النووي : وفي رواية أخرى ، وقد بعث إليه أي بعث إليه للإسراء وصعود السماء ، وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة ، فإن ذلك لا يخفى على الملائكة إلى هذه المدة ، وهذا هو الصحيح . وقال البيضاوي أي : أرسل إليه بالعروج ، وقيل : معناه أوحي إليه ، وبعث نبيا ، والأول أظهر لأن أمر نبوته كان مشهورا في الملكوت لا يكاد يخفى على خزائن السماوات وحرسها ، وأوفق للاستفتاح والاستئذان ، ولذلك تكرر معه وتحت هذه الكلمات ونظائرها أسرار يتفطن لها من فتحت بصيرته واشتعلت قريحته . قلت : ولعل مأخذها وقوفه على جميع الأبواب على دأب آداب أرباب الألباب ، ثم السؤال من وراء الحجاب ، وكذا الجواب . بمرحبا مرحبا بذلك الجناب ، المشعر بالتنزل الرحماني ، والاستقبال الصمداني ، والإقبال الفرداني ، المشير إلى ما قال في الحديث القدسي المعبر عن الكلام النفسي ( من أتاني يمشي أتيته هرولة ، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ) المومئ إلى قوله سبحانه : وهو معكم أين ما كنتم المصرح بالمعية الخاصة في مقام مريد المزيد ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، ثم الوارد على لسانه بلسان الجمع : إن الله معنا ، ثم عرض علو مقامه ، وحصول مرامه على آبائه الكرام ، وإخوانه العظام في تلك المشاهد الفخام ، فيا لها من ساعة سعادة لا يتصور فوقها زيادة ! وقيل : كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه ، أو للاستبشار بعروجه إليه إذ كان من البين عندهم أن أحدا من البشر لا يترقى إلى أسباب السماوات من غير أن يأذن الله له ، ويأمر ملائكته بإصعاده ، فإن جبريل لم يصعد بمن لم يرسل إليه ، ولا يستفتح له أبواب السماء .

( قال ) أي : جبريل ( نعم ) أي : أرسل إليه بالتقريب لديه والإنعام عليه ( قيل مرحبا به ) أي : أتى الله بالنبي مرحبا أي : موضعا واسعا ، فالباء للتعدية ، ومرحبا مفعول به ، والمعنى جاء أهلا وسهلا لقوله : ( فنعم المجيء ) أي : مجيئه ( جاء ) ، فعل ماض وقع استئناف بيان زمانا أو حالا والمجيء فاعل نعم ، والمخصوص بالمدح محذوف . قال المظهر : فيه تقديم وتأخير ، وحذف المخصوص بالمدح أي : جاء فنعم المجيء مجيئه ، وقيل : تقديره نعم المجيء الذي جاءه ، فحذف الموصول واكتفي بالصلة أو نعم المجيء مجيء جاء فحذف الموصوف واكتفي بالصفة . ( ففتح ) أي : باب السماء ( فلما خلصت ) : بفتح اللام أي : وصلت إليها ودخلت فيها ( فإذا فيها آدم ، [ ص: 3760 ] فقال ) أي : جبريل ( هذا أبوك ) أي : جدك أي آدم ( فسلم عليه ) : قال التوربشتي : أمر بالتسليم على الأنبياء ، لأنه كان عابرا عليه وكان في حكم القائم ، وكانوا في حكم القعود ، والقائم يسلم على القاعد ، وإن كان أفضل منهم ، وكيف لا ، والحديث دل على أنه أعلى مرتبة وأقوى حالا وأتم عروجا ، ( فسلمت عليه فرد السلام ) ، أي : ردا جميلا ، وفيه دليل على أن الأنبياء أحياء حقيقة . ( ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ) : قيل : وبها اقتصر الأنبياء على هذا الوصف ، لأن الصلاح صفة تشمل جميع خصائل الخير وشمائل الكرم ، ولذا قيل : الصالح من يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق عباده ، ولذا ورد في الدعاء على ألسنة الأنبياء : توفني مسلما وألحقني بالصالحين ، ويمكن أن يكون المراد به الصالح لهذا المقام العالي ، والصعود المتعالي ( ثم صعد بي ) : بكسر العين أي : طلع - صلى الله عليه وسلم - جبريل والباء للتعدية أو المصاحبة ( حتى أتى السماء الثانية ) : وقد ورد أن بين كل سماء وسماء مسافة خمسمائة عام ، ( فاستفتح قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ) : في تكرار هذا السؤال والجواب في كل من الأبواب إشعار بأنه بسط له الزمان وطوي له المكان ، واتسع له اللسان ، وانتشر له الشأن في ذلك الآن بعون الرحمن . ( ففتح ، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة ) : جملة معترضة محتملة أن تكون من أصل الحديث ، وأن تكون مدرجة من كلام الراوي ، هذا وقال ابن الملك في شرح المشارق : المرئي كأن أرواح الأنبياء متشكلة بصورهم التي كانوا عليها ، إلا عيسى فإنه مرئي بشخصه ، وسبقه التوربشتي حيث قال : ورؤية الأنبياء في السماوات ، وفي بيت المقدس حيث أبهم يحمل على رؤية روحانيتهم الممثلة بصورهم التي كانوا عليها غير عيسى فإن رؤيته محتملة للأمرين ، أو أحدهما . قلت . وقد قدمنا أن الأنبياء لا يموتون كسائر الأحياء ، بل ينتقلون من دار الفناء إلى دار البقاء ، وقد ورد به الأحاديث والأنباء ، وأنهم أحياء في قبورهم فإنهم أفضل من الشهداء وهم أحياء عند ربهم .

( قال ) أي : جبريل ( هذا يحيى ) : قدمه لسبقه في الوجود ( وهذا عيسى ) : ختم به لأنه أتم في الشهود وخاتمة أرباب الفضل والجود . ( السلام عليهما ) . أي : جملة أو على حدة ( فسلمت فردا ) ، أي : السلام علي بأحسن رد ( ثم قالا : مرحبا بالأخ الصالح ) : لقوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة ولما سبق في الحديث ، من أن الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد . ( والنبي الصالح ، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل ومن معك ؟ قال : محمد . وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به ، فنعم المجيء جاء ) : فيه إشعار بأن كلا من الأنبياء لم يحصل لهم الاستعلاء إلا بالاستئذان الملكي والفتح الإلهي ، وأن كلا منهم كالملائكة لهم مقام معلوم ، وحال مفهوم ، لا مقدم لما أخر ، ولا مؤخر لما قدم ، والله أعلم ( فلما خلصت إذا يوسف قال : هذا يوسف فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ) أي : ردا حسنا ( ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة ، فاستفتح . قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به ، فنعم المجيء جاء ) : وهذا التكرار ، والبيان على وجه التكثير يعد من قبيل :

أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع [ ص: 3761 ] ففتح ، فلما خلصت فإذا إدريس ، قال : هذا إدريس ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ) : قال عياض هذا يخالف قول أهل التاريخ : إن إدريس كان من آبائه صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون قول إدريس ذلك تلطفا وتأدبا ، وهو أخ أيضا وإن كان أبا فإن الأنبياء إخوة ، كذا في شرح مسلم . ( ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به ، فنعم المجيء جاء ففتح ) : فيه إشعار بأنه لم يفتح باب السماء إلا لمن يكون مسبوقا بنعت العلاء ووصف الولاء ، وأما الأعداء فلا تفتح لهم أبواب السماء ، حتى يلج الجمل في سم الخياط . ( فلما خلصت فإذا هارون قال : هذا هارون ، فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة ، فاستفتح ، قيل من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به ، فنعم المجيء جاء ففتح ) ، فيه تنبيه نبيه على أن من منح له بفتح باب ما منع من باب آخر ، ولم يقع له حجاب ، بل يفتح له أبواب الرحمة ، ثم أبواب الجنة ، وما أحسن من قال من أرباب الحال :

على بابك الأعلى مددت يد الرجا ومن جاء هذا الباب لا يختشي الردى ( فلما خلصت إذا موسى ، قال : هذا موسى ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ، ثم قال ، مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، فلما جاوزت ) أي : موسى أو مقامي ( بكى ) ، أي : موسى تأسفا على أمته وشفقة على أهل ملته ، فإنهم قصروا في الطاعة ، ولم يتبعوه حق المتابعة مع طول مدته وامتداد أيام دعوته ، فلم ينتفعوا به انتفاع هذه الأمة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - مع قلة عمره وقصر زمانه ، وهذا يظهر وجه قوله : ( قيل له : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي ) ؟ فإنه لم يرد بذلك استقصار شأنه ، فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشاب ، وهذا زبدة كلام التوربشتي ، وقد حمله بعضهم على الغبطة وفيه نظر ظاهر لأهل الفطنة ، اللهم إلا أن يحمل على التمني ؛ فإنه يتصور في أمر المحل والله أعلم بالحال .

وقال بعض العلماء : لم يكن بكاء موسى عليه السلام حسدا معاذ الله ، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين ، فكيف ممن اصطفاه الله وهو في عالم الملكوت ، بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم الملزوم لنقص أجره ، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه ، وأما قوله : غلام فليس على سبيل التنقيص ، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه ، إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو أحسن منه . وقال العسقلاني : ويظهر لي أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا - صلى الله عليه وسلم - من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في أول الشيخوخة ، ولم يدخل على بدنه هرم ، ولا اعترى قوته نقص . قلت : ويمكن أن يكون وجه تسميته غلاما أنه حين مروره على الأنبياء كان في مدة عمره قليل بالنسبة إلى أعمارهم في الدنيا ، ثم مرور الأزمنة عليهم في حال البرزخ ، وقد يعتبر كونه غلاما لما حصل له المرتبة العلية في قليل من مدة البعثة النبوية ، فإن المعراج على ما سبق إنما كان بعد الوحي بزمان قليل إذ أقصى ما قيل فيه : أنه قبل الهجرة بسنة فيصدق عليه عمر الغلام بناء على أن قبله ليس من العمر التمام ، والله أعلم بحقيقة المرام .

[ ص: 3762 ] ( ثم صعد بي إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ) : في إطباق كلمتهم واتفاق جملتهم على هذا المدح المطلق إشعار بأن ألسنة الخلق أقلام الحق ، وليس هنا في الأصول لفظ : ففتح ، فكأنه سقط من لفظ الراوي ، أو اكتفاء بما سبق ، ودلالة عليه بقوله : ( فلما خلصت ، فإذا إبراهيم ، قال : هذا أبوك ) أي : جدك الأقرب ( إبراهيم ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ) ، وكان نبينا عليه السلام كان في الاستغراق التام ، ومشاهدة المرام غافلا عن الأنام ، كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله : ما زاغ البصر وما طغى حتى احتاج في كل من المقام إلى تعليم جبريل بالسلام . ( ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ) .

قال الحافظ السيوطي : استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم ، وأجيب : بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم ، أو أحضرت أجسادهم لملاقاته أي تلك الليلة تشريفا له ، واختلف في حكمة اختصاص من ذكر من الأنبياء بالسماء التي لقيه ، والأشهر أنه على حسب تفاوتهم في الدرجات ، وعن هذا قال ابن أبي جمرة : اختصاص آدم بالأولى ؛ لأنه أول الأنبياء وأول الآباء ، فكان في الأولى أولى ، وعيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدا من نبينا - صلى الله عليه وسلم - ويليه يوسف لأن أمة محمد يدخلون الجنة على صورته ، وإدريس في الرابعة لقوله تعالى : ورفعناه مكانا عليا والرابعة من السبع وسط معتدل ، وهارون في الخامسة لقربه من أخيه ، وموسى أرفع منه لفضل كلام الله تعالى ، وإبراهيم فوقه لأنه أفضل الأنبياء بعد نبينا . أقول : بقي الكلام على سائر الأنبياء عليهم السلام ، ولعلهم كانوا موجودين في السماوات بما يناسبهم من المقام ، ولم يذكر في كل سماء إلا واحد من المشاهير الأعلام ، واكتفى بذكرهم عن بقية الكرام .

( ثم رفعت إلى سدرة المنتهى ) : وفي نسخة السيد ، وبعض النسخ : رفعت لي سدرة المنتهى ، ويؤيده قوله الآتي : ثم رفع لي البيت المعمور ، وفي نسخة إلي بتشديد الياء . قال الحافظ العسقلاني : الأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء بضمير المتكلم ، وبعده حرف الجر ، وللكشميهني : رفعت لي بفتح العين وسكون التاء أي : رفعت السدرة لي باللام ، أي : من أجلي ، ويجمع بين الروايتين بأن المراد رفعه إليها أي : ارتقى به وأظهرت له ، والرفع إلى الشيء يطلق على التقرب منه . وقال التوربشتي : الرفع تقريبك الشيء ، وقد قيل في قوله تعالى : وفرش مرفوعة أي : مقربة لهم فكأنه أراد أن سدرة المنتهى استبينت له بنعرتها كل الاستبانة ، حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب إليه ، وفي معناه رفع لي البيت المعمور ، ورفع لي بيت المقدس . قال النووي : سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ، ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وحكي عن عبد الله بن مسعود أنها سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تبارك وتعالى . وقال السيوطي : وإضافتها إلى المنتهى لأنها مكان ينتهي دونه أعمال العباد وعلوم الخلائق ، ولا تجاوز للملائكة والرسل منها إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي في السماء السابعة ، وأصل ساقها في السادسة .

( فإذا نبقها ) : بكسر الموحدة ويسكن أي ثمرها من كبره الدال على كبرها ( مثل قلال هجر ) ، بكسر القاف جمع قلة بالضم وهي إناء للعرب كالجرة الكبيرة ، وهجر اسم بلد ينصرف ولا ينصرف ، ولما كانت الثمرة في قشرها كالمطعوم في ظرفه ضرب مثل ثمرتها بأكبر ما كانوا يتعارفونه بينهم من الظروف ، كذا ذكره شارح . وفي القاموس : هجر محركة بلد باليمن مذكر مصروف ، وقد يؤنث ويمنع ، وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال وينسب إلى هجر اليمن . ( وإذا ورقها ) أي : أوراقها في الكبر ( مثل آذان الفيلة ) ، بكسر الفاء وفتح التحتية واللام جمع الفيل ، مثل الديكة جمع الديك ، والآذان بالمد جمع الأذن .

[ ص: 3763 ] ( قال ) أي : جبريل ( هذا ) أي : هذا المقام أو هذا الشجر ( سدرة المنتهى ، فإذا أربعة أنهار ) أي : ظاهرة . وقال شارح : إذا للمفاجأة أي : فإذا أنا بأربعة أنهار ( نهران باطنان ونهران ظاهران قلت : ما هذان ) أي : النوعان من الأربعة نحو قوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم ( يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ) ، قال ابن الملك : يقال لأحدهما الكوثر وللآخر نهر الرحمة ، كما في خبر ، وإنما قال باطنان لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما ، أو لأنهما مخفيان عن أعين الناظرين ، فلا يريان حتى يصبا في الجنة ، ( وأما الظاهران فالنيل والفرات ) ، قال القاضي : الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها . وقال ابن الملك : يحتمل أن يكون المراد منهما ما عرفا بين الناس ، ويكون ماؤهما مما يخرج من أصل السدرة ، وإن لم يدرك كيفيته وأن يكون من باب الاستعارة في الاسم بأن شبههما بنهري الجنة في الهضم والعذوبة ، أو من باب توافق الأسماء بأن يكون نهري الجنة موافقين لاسمي نهري الدنيا . وفي شرح مسلم قال مقاتل : الباطنان هو السلسبيل والكوثر ، والظاهر أن النيل والفرات يخرجان من أصلها ، ثم يسيران حيث أراد الله تعالى ، ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها ، وهذا لا يمنعه شرع ولا عقل ، وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه .

( ثم رفع لي ) أي : قرب وأظهر لأجلي ( البيت المعمور ) ، وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة وحرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض ( ثم أتيت بإناء من خمر ، وإناء من لبن ، وإناء من عسل ، فأخذت اللبن ) ، قال ابن الملك : اعلم أن اللبن لما كان ذا خلوص وبياض ، وأول ما يحصل به تربية المولود صور به في العالم المقدس مثل الهداية والفطرة التي يتم به القوة الروحانية ، وهي الاستعداد للسعادة الأبدية . أولها انقياد الشرع ، وآخرها الوصول إلى الله تعالى . ( فقال : هي الفطرة ) : أنث مرجع اللبن مع أنه مذكر مراعاة للخبر ( أنت عليها وأمتك ) ، أي : عليها أو كذلك ( ثم ) : يعني بعد وصوله إلى مقام : ( دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ( فرضت علي الصلاة ) : وفي الحديث الآتي : على أمتي ولا منافاة . ( خمسين صلاة ) : بتقدير أعني ، وقوله : ( كل يوم ) ، أي : وليلة ظرف ( فرجعت فمررت على موسى ) ، أي : بعد إبراهيم ، فقد روى الترمذي ، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال : يا محمد أقرئ أمتك السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء ، وأنها قيعان ، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ( فقال ) أي : موسى ( بما أمرت ) : من العبادة ( قلت : أمرت بخمسين صلاة ) أي : أقلها ركعتان . قال ابن الملك : وقيل كانت كل صلاة على ركعتين ، ألا ترى أن من قال علي صلاة يلزمه ركعتان ( كل يوم ) . يحتمل اختصاصه بالنهار ، والأظهر أن المراد كل يوم وليلة لما سيأتي من قوله : خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فيكون من باب الاكتفاء للظهور والاستغناء .

( قال : إن أمتك لا تستطيع ) : قيد بالأمة لأن قوة الأنبياء وعصمتهم تمنعهم عن المخالفة ، وتعينهم على الموافقة في الطاعة ، ولو على أقصى غاية المشقة والطاقة ، والمعنى لا تقدر أمتك عادة أو سهولة لضعفهم أو كسلهم . ( خمسين صلاة ) أي : أداءها ( كل يوم ) ، ثم بين عدم استطاعتهم بقوله : ( وإني والله قد جربت الناس ) أي : زاولت ومارست الأقوياء من الناس ( قبلك ) ، يعني : ولقيت الشدة فيما أدت منهم ، ( وعالجت بني إسرائيل ) أي : بالخصوص ( أشد المعالجة ) أي : ولم يقدروا على مثل ذلك ، فكيف أمتك ؟ ( فارجع إلى ربك )

[ ص: 3764 ] فاسأله ) : أمر من سأل مهموزا أو مبدلا أو منقولا نسختان مقبولتان وقراءتان صحيحتان أي : فاطلب ( التخفيف لأمتك ، فرجعت ) أي : إلى ربي ( فوضع عني عشرا ) : وهو خمس الأصل ، وسيأتي أنه وضع عنه خمسا ، وكأنه كان أولا ثم صار عشرا ، أو عبر عن الخمس بالعشر اقتصارا ( فرجعت إلى موسى فقال مثله ) ، أي : مثل مقالته الأولى ( فرجعت ) أي : ثانيا ( فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت ) أي : ثالثا ( فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى ، فقال مثله . فرجعت ) أي : رابعا ( فأمرت بعشر صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت ) أي : خامسا ( فأمرت بخمس صلوات كل يوم ) أي : وليلة ، ولعل الاكتفاء فيه للتغليب حيث أكثر الصلوات فيه ، أو لأن الليل تابع لما قبله كما في ليلة عرفة وليالي أيام النحر ، ( فرجعت إلى موسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بخمس صلوات كل يوم قال : إن أمتك ) أي : أكثرهم ( لا تستطيع خمس صلوات ) أي : مواظبتها ومداومتها ومحافظتها ( كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ) أي : ولم يستطيعوا ما دون ذلك ( فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ) ، قال الخطابي : مراجعة الله في باب الصلاة إنما جازت من رسولنا محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام لأنهما عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعا لما صدرت منهما المراجعة ، فصدور المراجعة دليل على أن ذلك غير واجب قطعا ، لأن ما كان واجبا قطعا لا يقبل التخفيف ، ذكره الطيبي . وتبعه ابن الملك ، وأقول : ما لم يكن واجبا لا يحتاج إلى سؤال التحفيف قطعا ، فالصحيح ما قيل أنه تعالى في الأول فرض خمسين ، ثم رحم عباده ونسخها بخمس كآية الرضاع عند بعض ، وعدة المتوفى عنها زوجها على قول ، وفيه دليل على أنه يجوز نسخ الشيء قبل وقوعه ، كما قال به الأكثرون ، وهو الصحيح . وقالت المعتزلة ، وبعض العلماء : لا يجوز . ذكره النووي .

( قال ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( سألت ربي ) أي : التخفيف ( حتى استحييت ) أي : من كثرته ، وفي نسخة بياء واحدة ، فهما لغتان ، أو الثانية تخفيف للأولى بالنقل والحذف ، والمعنى فلا أرجع لطلب التخفيف ، وإن كان الظن في الأمة أن لا يستطيعوا دوام المحافظة ، ( ولكني أرضى ) أي : بما قضى ربي وقسم ( وأسلم ) أي : أمري وأمرهم إلى الله وأنقاد بما حكم . قال الطيبي ، فإن قلت : حق ، لكن أن يقع بين كلامين متغايرين معنى فما وجهه ها هنا ؟ قلت : تقدير الكلام هنا حتى استحييت فلا أرجع ، فإني إذا رجعت كنت غير راض ولا مسلم ، ولكني أرضى وأسلم انتهى . ولا يخفى أن المراجعة غير نافية للرضا والتسليم ، وإلا لما رضي بها موسى ونبينا عليهما أفضل الصلاة وأكمل التسليم ، وتوضيحه ؛ أن سؤال العافية ودفع البلاء وطلب الرزق ودعاء النصر على الأعداء ، وأمثال ذلك كما صدر من الأنبياء والأولياء لا ينافي الرضا بالقضاء أبدا ، ولا التسليم لما في الأزل أبدا .

( قال ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( فلما جاوزت ) ، أي : موسى وتركت المراجعة ( نادى مناد ) أي : حاكيا كلام ربي ( أمضيت فريضتي ) أي : أحكمتها وأنفدتها أولا . ( وخففت عن عبادي ) . أي : ثانيا وسيأتي لهذا تتمة معرفتها مهمة ( متفق عليه ) : ورواه النسائي .

[ ص: 3765 ]

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث