الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل

في الركوع .

أقله
، أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه ، ولو أراد وضعهما عليهما ، وهذا عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين ، ولو انخنس وأخرج ركبتيه وهو مائل منتصب ، وصار بحيث لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه لم يكن ذلك ركوعا ؛ لأن نيلهما لم يحصل بالانحناء .

قال إمام الحرمين : ولو مزج الانحناء بهذه الهيئة المذكورة ، وكان التمكن من وضع الراحتين على الركبتين بهما جميعا ، لم يكن ركوعا أيضا . ثم إن لم يقدر على الانحناء إلى الحد المذكور إلا بمعين ، أو باعتماد على شيء أو بأن ينحني على شقه ، لزمه ذلك ، فإن لم يقدر ، انحنى القدر الممكن ، فإن عجز ، أومأ بطرفه عن قيام .

[ ص: 250 ] هذا بيان ركوع القائم ، وأما ركوع القاعد ، فقد تقدم بيان أقله ، وأكمله في فصل القيام .

وتجب الطمأنينة في الركوع ، وأقلها : أن يصبر حتى تستقر أعضاؤه في هيئة الركوع ، وينفصل هويه عن ارتفاعه منه .

فلو جاوز حد أقل الركوع ، فزاد في الهوي ثم ارتفع ، والحركات متصلة ، لم تحصل الطمأنينة ، ولا يقوم زيادة الهوي مقام الطمأنينة ، ويشترط أن لا يقصد بهويه غير الركوع .

فلو قرأ في صلاته آية سجدة ، فهوى ليسجد للتلاوة ، ثم بدا له بعد ما بلغ حد الراكعين أن يركع ، لم يعتد بذلك عن الركوع ، بل يجب عليه أن يعود إلى القيام ، ثم يركع .

وأما أكمل الركوع ، فأمران :

أحدهما : في الهيئة ، والثاني : في الذكر . أما الهيئة : فأن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه ويمدهما كالصفيحة ، وينصب ساقيه إلى الحقو ، ولا يثني ركبتيه ، ويضع يديه على ركبتيه ، ويأخذهما بهما ، ويفرق بين أصابعه حينئذ ، ويوجهها نحو القبلة ، فإن كانت إحدى يديه مقطوعة أو عليلة فعل بالأخرى ما ذكرنا ، فإن لم يمكنه وضعهما على ركبتيه أرسلهما ، ويجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه ، ولا تجافي المرأة ولا الخنثى .

الأمر الثاني : الذكر : فيستحب أن يكبر للركوع ، ويبتدئ به في ابتداء الهوي ، وهل يمد التكبير ؟ قولان :

القديم : لا يمده ، بل يحذفه ، والجديد الصحيح : يستحب مده إلى تمام الهوي ، حتى لا يخلو جزء من صلاته عن ذكر .

ويجري القولان في جميع تكبيرات الانتقالات ، هل يمدها إلى الركن المنتقل إليه ، أم لا ؟ ، ويستحب أن يرفع يديه إذا ابتدأ التكبير ، وتقدمت صفة الرفع .

ويستحب أن يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم ، ثلاث مرات . قال بعضهم : ويضيف إليه : وبحمده .

والأفضل أن يقول بعده : اللهم لك [ ص: 251 ] ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، خشع ( لك ) سمعي ، وبصري ، ومخي ، وعظمي ، وعصبي ، وشعري ، وبشري ، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين ، وهذا أتم الكمال .

ثم الزيادة على ثلاث تسبيحات إنما تستحب للمنفرد ، وأما الإمام فلا يزيد على ثلاث ، وقيل : خمس ، إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ، فيستوفي الكمال ، وتكره قراءة القرآن في الركوع والسجود .

قلت : قال أصحابنا : يستحب أن لا يصل تكبيرة الركوع بآخر السورة ، بل يسكت بينهما سكتة لطيفة ، ويبتدئ التكبير قائما مع ابتداء رفع اليدين . فإن ترك رفع اليدين حتى فرغ من التكبير لم يرفعهما ، وإن ذكر قبل فراغه رفع ، ولو كان أقطع الكفين ، لم يبلغ بيديه ركبتيه ، لئلا يغير هيئة الركوع . ذكره الماوردي وغيره .

قالوا : ويستحب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه لكل مصل ؛ قائم وقاعد ومضطجع وموم .

ونص عليه في ( الأم ) قال أصحابنا : وأقل ما يحصل به الذكر في الركوع ، تسبيحة واحدة . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث