الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3845 ] (82) سورة الانفطار مكية

وآياتها تسع عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4)

علمت نفس ما قدمت وأخرت
(5) يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12) إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله (19)

تتحدث هذه السورة القصيرة عن الانقلاب الكوني الذي تتحدث عنه سورة التكوير. ولكنها تتخذ لها شخصية أخرى، وسمتا خاصا بها، وتتجه إلى مجالات خاصة بها تطوف بالقلب البشري فيها; وإلى لمسات وإيقاعات من لون جديد. هادئ عميق. لمسات كأنها عتاب. وإن كان في طياته وعيد!

ومن ثم فإنها تختصر في مشاهد الانقلاب، فلا تكون هي طابع السورة الغالب - كما هو الشأن في سورة التكوير - لأن جو العتاب أهدأ، وإيقاع العتاب أبطأ.. وكذلك إيقاع السورة الموسيقي. فهو يحمل هذا الطابع. فيتم التناسق في شخصية السورة والتوافق!

إنها تتحدث في المقطع الأول عن انفطار السماء وانتثار الكواكب، وتفجير البحار وبعثرة القبور كحالات مصاحبة لعلم كل نفس بما قدمت وأخرت، في ذلك اليوم الخطير..

وفي المقطع الثاني تبدأ لمسة العتاب المبطنة بالوعيد، لهذا الإنسان الذي يتلقى من ربه فيوض النعمة في ذاته وخلقته، ولكنه لا يعرف للنعمة حقها، ولا يعرف لربه قدره، ولا يشكر على الفضل والنعمة والكرامة: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك؟ في أي صورة ما شاء ركبك ..

[ ص: 3846 ] وفي المقطع الثالث يقرر علة هذا الجحود والإنكار. فهي التكذيب بالدين - أي بالحساب - وعن هذا التكذيب ينشأ كل سوء وكل جحود. ومن ثم يؤكد هذا الحساب توكيدا، ويؤكد عاقبته وجزاءه المحتوم: كلا. بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون. إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين. وما هم عنها بغائبين ..

فأما المقطع الأخير فيصور ضخامة يوم الحساب وهوله، وتجرد النفوس من كل حول فيه، وتفرد الله سبحانه بأمره الجليل: وما أدراك ما يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين؟ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله ..

فالسورة في مجموعها حلقة في سلسلة الإيقاعات والطرقات التي يتولاها هذا الجزء كله بشتى الطرق والأساليب.

إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت ..

وقد تحدثنا في السورة الماضية عن الإيحاء الذي يتسرب في الحس من رؤية هذا الكون تتناوله يد القدرة بالتغيير، وتهزه هزة الانقلاب المثير، فلا يبقى شيء على حاله في هذا الكون الكبير. وقلنا: إن هذا الإيحاء يتجه إلى خلع النفس من كل ما تركن إليه في هذا الوجود، إلا الله سبحانه خالق هذا الوجود، الباقي بعد أن يفنى كل موجود. والاتجاه بالقلب إلى الحقيقة الوحيدة الثابتة الدائمة التي لا تحول ولا تزول، ليجد عندها الأمان والاستقرار، في مواجهة الانقلاب والاضطراب والزلزلة والانهيار، في كل ما كان يعهده ثابتا مستقرا منتظما انتظاما يوحي بالخلود! ولا خلود إلا للخالق المعبود!

ويذكر هنا من مظاهر الانقلاب انفطار السماء.. أي انشقاقها. وقد ذكر انشقاق السماء في مواضع أخرى: قال في سورة الرحمن: فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان .. وقال في سورة الحاقة: وانشقت السماء. فهي يومئذ واهية .. وقال في سورة الانشقاق: إذا السماء انشقت ... .. فانشقاق السماء حقيقة من حقائق ذلك اليوم العصيب. أما المقصود بانشقاق السماء على وجه التحديد فيصعب القول به، كما يصعب القول عن هيئة الانشقاق التي تكون.. وكل ما يستقر في الحس هو مشهد التغير العنيف في هيئة الكون المنظور، وانتهاء نظامه هذا المعهود، وانفراط عقده، الذي يمسك به في هذا النظام الدقيق..

ويشارك في تكوين هذا المشهد ما يذكر عن انتثار الكواكب. بعد تماسكها هذا الذي تجري معه في أفلاكها بسرعات هائلة مرعبة، وهي ممسكة في داخل مداراتها لا تتعداها، ولا تهيم على وجهها في هذا الفضاء الذي لا يعلم أحد له نهاية. ولو انتثرت - كما سيقع لها يوم ينتهي أجلها - وأفلتت من ذلك الرباط الوثيق - غير المنظور - الذي يشدها ويحفظها، لذهبت في الفضاء بددا، كما تذهب الذرة التي تنفلت من عقالها!

وتفجير البحار يحتمل أن يكون هو امتلاؤها وغمرها لليابسة وطغيانها على الأنهار. كما يحتمل أن يكون هو تفجير مائها إلى عنصريه: الأكسوجين والهيدروجين; فتتحول مياهها إلى هذين الغازين كما كانت قبل أن يأذن الله بتجمعهما وتكوين البحار منهما. كذلك يحتمل أن يكون هو تفجير ذرات هذين الغازين - كما يقع في تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية اليوم.. فيكون هذا التفجير من الضخامة والهول بحيث تعتبر [ ص: 3847 ] هذه القنابل الحاضرة المروعة لعب أطفال ساذجة! .. أو أن يكون بهيئة أخرى غير ما يعرف البشر على كل حال.. إنما هو الهول الذي لم تعهده أعصاب البشر في حال من الأحوال!

وبعثرة القبور.. إما أن تكون بسبب من هذه الأحداث السابقة. وإما أن تكون حادثا بذاته يقع في ذلك اليوم الطويل، الكثير المشاهد والأحداث. فتخرج منها الأجساد التي أعاد الله إنشاءها - كما أنشأها أول مرة - لتتلقى حسابها وجزاءها..

يؤيد هذا ويتناسق معه قوله بعد عرض هذه المشاهد والأحداث: علمت نفس ما قدمت وأخرت ..

أي ما فعلته أولا وما فعلته أخيرا. أو ما فعلته في الدنيا، وما تركته وراءها من آثار فعلها. أو ما استمتعت به في الدنيا وحدها، وما ادخرته للآخرة بعدها.

على أية حال سيكون علم كل نفس بهذا مصاحبا لتلك الأهوال العظام. وواحدا منها مروعا لها كترويع هذه المشاهد والأحداث كلها!

والتعبير القرآني الفريد يقول: علمت نفس .. وهو يفيد من جهة المعنى: كل نفس. ولكنه أرشق وأوقع.. كما أن الأمر لا يقف عند حدود علمها بما قدمت وأخرت. فلهذا العلم وقعه العنيف الذي يشبه عنف تلك المشاهد الكونية المتقلبة. والتعبير يلقي هذا الظل دون أن يذكره نصا. فإذا هو أرشق كذلك وأوقع!

وبعد هذا المطلع الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر، يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر، فإذا هو غافل لاه سادر.. هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب رضي، وفيها وعيد خفي، وفيها تذكير بنعمة الله الأولى عليه: نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته. ولكنه اختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة.. وهو لا يشكر ولا يقدر:

يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك ..

إن هذا الخطاب: يا أيها الإنسان ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه، وهو "إنسانيته" التي بها تميز عن سائر الأحياء وارتفع إلى أكرم مكان; وتجلى فيها إكرام الله له، وكرمه الفائض عليه.

ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل الجليل: ما غرك بربك الكريم؟ يا أيها الإنسان الذي تكرم عليك ربك، راعيك ومربيك، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة.. يا أيها الإنسان ما الذي غرك بربك، فجعلك تقصر في حقه، وتتهاون في أمره، ويسوء أدبك في جانبه؟ وهو ربك الكريم، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي تميزك عن سائر خلقه، والتي تميز بها وتعقل وتدرك ما ينبغي وما لا ينبغي في جانبه؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث