الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله

[ ص: 233 ] ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون جملة معطوفة على جملة ومنهم من يلمزك في الصدقات باعتبار ما تفرع عليها من قوله : فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون عطفا ينبئ عن الحالة المحمودة ، بعد ذكر الحالة المذمومة .

وجواب لو محذوف دل عليه المعطوف عليه ، وتقديره : لكان ذلك خيرا لهم .

والإيتاء الإعطاء ، وحقيقته إعطاء الذوات ويطلق مجازا على تعيين المواهب كما في وآتاه الله الملك والحكمة وفي ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء

وقوله : ( ما آتاهم الله ) من هذا القبيل ، أي ما عينه لهم ، أي لجماعتهم من الصدقات بنوطها بأوصاف تحققت فيهم كقوله : إنما الصدقات للفقراء الآية .

وإيتاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - : إعطاؤه المال لمن يرى أن يعطيه مما جعل الله له التصرف فيه ، مثل النفل في المغانم ، والسلب ، والجوائز ، والصلات ، ونحو ذلك ، ومنه إعطاؤه من جعل الله لهم الحق في الصدقات .

ويجوز أن يكون إيتاء الله عين إيتاء الرسول - عليه الصلاة والسلام ، وإنما ذكر إيتاء الله للإشارة إلى أن ما عينه لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو ما عينه الله لهم ، كما في قوله : سيؤتينا الله من فضله ورسوله أي ما أوحى الله به إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطيهم وقوله : قل الأنفال لله والرسول .

و ( حسب ) اسم بمعنى الكافي ، والكفاية تستعمل بمعنى الاجتزاء ، وتستعمل بمعنى ولي مهم المكفي ، كما في قوله - تعالى : وقالوا حسبنا الله وهي هنا من المعنى الأول .

و ( رضي ) إذا تعدى إلى المفعول دل على اختيار المرضي ، وإذا عدي بالباء دل على أنه صار راضيا بسبب ما دخلت عليه الباء ، كقوله : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة [ ص: 234 ] وإذا عدي بـ ( عن ) فمعناه أنه تجاوز عن تقصيره أو عن ذنبه فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين

فالقول هنا مراد به الكلام مع الاعتقاد ، فهو كناية عن اللازم مع جواز إرادة الملزوم ، فإذا أضمروا ذلك في أنفسهم فذلك من الحالة الممدوحة ولكن لما وقع هذا الكلام في مقابلة حكاية اللمز في الصدقات ، واللمز يكون بالكلام دلالة على الكراهية ، جعل ما يدل على الرضا من الكلام كناية عن الرضى .

وجملة سيؤتينا الله من فضله ورسوله بيان لجملة ( حسبنا الله ) لأن كفاية المهم تقتضي تعهد المكفي بالعوائد ودفع الحاجة ، والإيتاء فيه بمعنى إعطاء الذوات .

والفضل زيادة الخير والمنافع إن الله لذو فضل على الناس والفضل هنا المعطى : من إطلاق المصدر وإرادة المفعول ، بقرينة من التبعيضية ، ولو جعلت ( من ) ابتدائية لصحت إرادة معنى المصدر .

وجملة إنا إلى الله راغبون تعليل ، أي لأننا راغبون فضله .

وتقديم المجرور لإفادة القصر ، أي إلى الله راغبون لا إلى غيره ، والكلام على حذف مضاف ، تقديره : إنا راغبون إلى ما عينه الله لنا لا نطلب إعطاء ما ليس من حقنا .

والرغبة الطلب بتأدب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث