الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


660 [ ص: 92 ] ( 9 ) باب كفارة من أفطر في رمضان

620 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة ; أن رجلا أفطر في رمضان . فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر ، [ ص: 93 ] بعتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا . فقال : لا أجد فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرق تمر . فقال : " خذ هذا فتصدق به " فقال : يا رسول الله . ما أحد أحوج مني . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه ، ثم قال : " كله " .

[ ص: 94 ] 621 - وعن عطاء بن عبد الله الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ; أنه قال : جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضرب نحره ، وينتف شعره ، ويقول : هلك الأبعد . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما ذاك ؟ " . فقال : أصبت أهلي ، وأنا صائم في رمضان . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ . " فقال : لا . فقال : " هل تستطيع أن تهدي بدنة ؟ " . قال : لا . قال : " فاجلس " . فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرق تمر . فقال : " خذ هذا فتصدق به " فقال : ما أحد أحوج مني . فقال : " كله ، وصم يوما مكان ما أصبت " .

[ ص: 95 ] قال مالك ، قال : عطاء : فسألت سعيد بن المسيب : كم في ذلك العرق من التمر ؟ فقال : ما بين خمسة عشر صاعا إلى عشرين .

التالي السابق


14059 - قال أبو عمر : لم يختلف رواة " الموطأ " عن مالك في حديث ابن شهاب في هذا الباب أنه رواه بلفظ التخيير في العتق ، والصوم ، والإطعام ، ولم يذكر الفطر بأي شيء كان ، بجماع أو بأكل .

14060 - وتابعه على روايته هذه ابن جريج ، وأبو إدريس ، عن ابن شهاب .

14061 - وكذلك رواه أبو بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن شهاب بإسناده مثله .

14062 - ورواه أشهب عن مالك والليث ، جميعا عن ابن شهاب بإسناده مثله . وهو خطأ من أشهب على الليث ، والمعروف فيه عن الليث كرواية ابن عيينة ، ومعمر ، وإبراهيم بن سعد ، ومن تابعهم .

14063 - والذي رواه ابن عيينة ، ومعمر ، وأكثر رواة ابن شهاب في هذا الحديث عن ابن شهاب ، عن حميد ، عن نافع ، عن أبي هريرة ، أن رجلا وقع على [ ص: 96 ] امرأته في رمضان . . فذكروا المعنى الذي به أفطر عامدا . وذكروا الكفارة على ترتيب كفارة الطهارة ، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ " ، قال : لا . قال : " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ " ، قال : لا . ثم ذكروا الإطعام . . إلى آخر الحديث .

14064 - ورواه كما رواه ابن عيينة ، وشعيب بن أبي حمزة ، والأوزاعي وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، والليث بن سعد ، وإبراهيم بن سعد ، والحجاج بن أرطاة ، ومنصور بن المعتمر ، وعراك بن مالك ، كلهم عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة في رجل وقع على امرأته في رمضان ، على هذا الترتيب .

14065 - وقد رواه قوم عن مالك كرواية هؤلاء على الترتيب ، وذكر الجماع منهم : الوليد بن مسلم ، وحماد بن مسعدة ، وإبراهيم بن سعد .

14066 - وقد ذكرنا الأحاديث عنهم وعن أصحاب ابن شهاب بذلك في " التمهيد " .

14067 - والصحيح عن مالك ما في " الموطأ " .

14068 - وذهب مالك في " الموطأ " : إلى أن المفطر في رمضان بأكل ، أو شرب ، أو جماع ; أن عليه الكفارة المذكورة في هذا الحديث على ظاهره ; لأنه ليس في روايته فطر مخصوص بشيء دون شيء ، فكل ما وقع عليه اسم فطر متعمدا فالكفارة لازمة لفاعله ، على ظاهر الحديث .

14069 - وروي عن الشعبي في المفطر عامدا في رمضان ، أن عليه عتق رقبة ، [ ص: 97 ] أو إطعام ستين مسكينا ، أو صيام شهرين متتابعين مع قضاء اليوم .

14070 - وروي مثل ذلك عن الزهري ، ذكره سعيد ، قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن برد بن سفيان ، عن ابن شهاب الزهري في الرجل يقع على امرأته في رمضان ؟ قال : فيه من الكفارة ما في الطهارة بعتق رقبة ، أو يطعم ستين مسكينا ، أو يصوم شهرين متتابعين .

14071 - وفي قول الشعبي ، والزهري ، ما يقضي لرواية مالك بالتخيير في هذا الحديث ، وهو حجة مالك ; إلا أن مالكا يختار الإطعام ، لأنه يشبه البدل من الصيام .

14072 - ألا ترى أن الحامل والمرضع والشيخ الكبير والمفرط في رمضان حتى يدخل عليه رمضان آخر - لا يؤمر واحد منهم بعتق ولا صيام مع القضاء ، وإنما يؤمر بالإطعام ، فالإطعام له مدخل من الصيام ونظائر من الأصول .

14073 - فهذا ما اختاره مالك وأصحابه .

14074 - وقال ابن وهب عن مالك : الإطعام أحب إلي في ذلك من العتق وغيره .

14075 - وقال ابن القاسم عنه : إنه لا يعرف إلا الإطعام ، ولا يأخذ بالعتق ولا بالصيام .

14076 - وقد ذكر عن عائشة قصة الواقع على أهله في رمضان في هذا الخبر ، ولم يذكر فيه الإطعام .

[ ص: 98 ] 14077 - وذهب الشافعي ، والثوري ، وسائر الكوفيين إلى أن كفارة المفطر في رمضان للجماع عامدا ككفارة المظاهر مرتبة .

14078 - وذهبت جماعتهم أيضا إلى أن من كفر بالصيام أن الشهرين متتابعان ، إلا ابن أبي ليلى ، فقال : ليس الشهران متتابعين من ذلك .

14079 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من ذكر التتابع في الشهرين بأسانيد حسان .



14080 - واختلفوا أيضا في قضاء ذلك اليوم مع الكفارة ، فقال مالك : الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في رمضان : إطعام ستين مسكينا ، وصيام ذلك اليوم .

14081 - قال : وليس العتق والنحر من كفارة رمضان في شيء .

14082 - وقال الأوزاعي : إن كفر بالعتق أو بالطعام صام يوما مكان ذلك اليوم الذي أفطر ، فإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء يومه ذلك .

14083 - وقال الثوري : يقضي اليوم ويكفر مثل كفارة الظهار .

[ ص: 99 ] 14084 - وقال الشافعي : يحتمل إن كفر أن تكون الكفارة بدلا من الصيام ، ويحتمل أن يكون الصيام بدلا من الكفارة . ولكل وجه ، وأحب إلي أن يكفر ويصوم مع الكفارة ( هذه رواية الربيع ) .

14085 - وقال المزني عنه - فيمن وطئ امرأته فأولج عامدا - : كان عليه القضاء والكفارة .

14086 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وأبو ثور ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق : ويقضي يوما مكانه ، ويكفر مثل كفارة الظهار .

14087 - وقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : الذي يجامع في رمضان ، ثم يكفر أليس عليه أن يصوم يوما مكانه ؟ قال : ولا بد أن يصوم يوما مكانه ؟ .

14088 - ومن حجة من لم ير مع الكفارة قضاء ، أنه ليس في خبر أبي هريرة ، ولا خبر عائشة ، ولا في نقل الحفاظ لهما ذكر القضاء ، وإنما فيهما الكفارة فقط . ولو كان القضاء واجبا لذكره مع الكفارة .

14089 - ومن حجة من رأى القضاء مع الكفارة : حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن أعرابيا جاء ينتف شعره ، فقال : يا رسول الله : وقعت على امرأتي في رمضان . . فذكر مثل حديث أبي هريرة ، وزاد : وأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقضي يوما مكانه .

[ ص: 100 ] 14090 - وقد رواه هشام بن سعد ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان . فخالف الحفاظ فيه في موضعين : ( أحدهما ) أنه جعله عن أبي سلمة ، وإنما هو عن حميد . ( والآخر ) أنه زاد فيه ذكر الصوم ، قال فيه : " كله أنت وأهل بيتك ، وصم يوما مكانه " .

14091 - وهشام بن سعد لا يحتج به في حديث ابن شهاب ، ومن جهة النظر والقياس أن الكفارة عقوبة للذنب الذي ركبه ، والقضاء بدل من اليوم الذي أفسده ، فكما لا يسقط عن المفسد حجه بالوطئ البدل إذا أهدى ، فكذا قضاء اليوم ، والله أعلم .



14092 - واختلف العلماء فيمن أفطر يوما في رمضان بأكل أو شرب متعمدا .

14093 - فقال مالك وأصحابه ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والأوزاعي ، وإسحاق ابن راهويه ، وأبو ثور : عليه من الكفارة ما على المجامع ، كل واحد منهم على أصله الذي قدمنا ذكره عنهم من الترتيب والتخيير .

14094 - وإلى هذا ذهب محمد بن جرير .

14095 - وروي مثل ذلك أيضا عن عطاء في رواية ، وعن الحسن ، والزهري .

[ ص: 101 ] 14096 - وقال الشافعي وأحمد : عليه القضاء ولا كفارة عليه .

14097 - وهو قول سعيد بن جبير ، وابن سيرين ، وجابر بن سعد ، والشعبي ، وقتادة .

14098 - وروى مغيرة عن إبراهيم مثله .

14099 - ذكر سنيد ، عن عباد بن العوام ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير ، قال : إذا أفطر يوما من رمضان متعمدا قضى يوما مكانه كما قال .

14100 - وحدثنا عباد بن هشام بن حسان ، عن سعيد ، عن ابن سيرين ، قال : يعوذ منه من الذنوب ، يستغفر الله منه ويتوب ، ويصوم يوما مكانه .

14101 - قال عباد : إنما الكفارة على من واقع .

14102 - وقال الشافعي : عليه مع القضاء العقوبة ، وانتهاكه حرمة الشهر .

14103 - وسائر من ذكرنا قوله من التابعين قال : يقضي يوما مكانه ويستغفر الله ويتوب إليه .

14104 - قال بعضهم : ويصنع معروفا .

14105 - ولم يذكر عنهم عقوبة .

14106 - وقال أحمد والشعبي : لا أقول بالكفارة إلا في الفتيان ، ( ذكره الأثرم عنه ) .

14107 - وقد روي عن عطاء أن من أفطر يوما من رمضان من غير علة كان عليه تحرير رقبة ، فإن لم يجد فبقرة أو بدنة ، أو عشرون صاعا من طعام يطعم المساكين .

[ ص: 102 ] 14108 - وروى قتادة ، عن الحسن ، قال : إذا لم يجد المجامع عامدا في رمضان رقبة أهدى بدنة إلى مكة .

14109 - قال : ولو أفطر بغير جماع لم يكن عليه إلا قضاء يوم .

14110 - وقد روي عن الحسن أنه سوى بين الآكل والمجامع في الرقبة والبدنة .

14111 - وعن ابن عباس ، قال : عليه عتق رقبة أو صوم شهر أو إطعام ثلاثين مسكينا .

14112 - وعن ابن المسيب أنه قال : عليه صوم شهر .

- وعنه أيضا - وهو قول ربيعة - أن عليه أن يصوم اثني عشر يوما .

14113 - وكان ربيعة يحتج لقوله هذا بأن شهر رمضان فضل على اثني عشر شهرا ; فمن أفطر فيه يوما كان عليه اثنا عشر يوما .

14114 - وكان الشافعي يعجب من هذا ، وينتقص فيه ربيعة .

14115 - ولربيعة شذوذ ، منها : في المحرم يقتل جرادة أن عليه صاعا من قمح ; لأنه آذى الصيد . ومنها فيمن طلق امرأة من نسائه الأربع وجهلها بعينها ، أنه لا يلزمه فيهن شيء ، ولا يمنع من وطئهن .

14116 - وبه قال داود .

14117 - وروى معمر ، عن قتادة ، عن ابن المسيب أنه سأله عن رجل أكل في رمضان عامدا ، قال عليه صيام شهر ، فقلت : يومين . قال صيام شهر . قال : [ ص: 103 ] فعددت أياما ، فقال : صيام شهر .

14118 - هكذا قال معمر عن قتادة . وهي رواية مفسرة ، وأظنه ذهب إلى التتابع في الشهر ألا يخلطه بفطر ، كأنه يقول : من أفسده بفطر يوم أو أكثر قضاه كله نسقا ; لأن الله تعالى فرض شهر رمضان ، وهو متتابع ، فإذا تخلله فطر لزمه في القضاء التتابع كمن قدر صوم شهر رمضان متتابعا ، والله أعلم .

14119 - وقال ابن سيرين : يقضي يوما ويستغفر الله .

14120 - قال أبو عمر : أقاويل التابعين بالعراق والحجاز لا وجه لها عند أهل الفقه لمخالفتها السنة ، وإنما في المسألة قولان :

14121 - ( أحدهما ) قول مالك ومن تابعه ، والحجة لهم حديث ابن شهاب هذا ، ومن جهة النظر أن الآكل والشارب في القياس كالمجامع سواء ; لأن الصوم من الشريعة الامتناع من الأكل والشرب والجماع . فإذا أثبتت الشريعة من وجه واحد منها شيئا ، سبيل نظيره في الحكم سبيله ، والنكتة الجامعة بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا . ولفظ حديث مالك يجمع كل فطر .

14122 - والقول الثاني قول الشافعي ومن تابعه ، والحجة لهم أن الحديث ورد في المجامع ، وليس الآكل مثله . فدليل إجماعهم أن المستقيء عامدا : عليه القضاء ، وليس عليه كفارة ، وهو مفطر عمدا ، وكذلك مزدرد الحصاة عمدا عليه القضاء ، وهو مفطر متعمدا ، ولأن الذمة بريئة فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين " .

[ ص: 104 ] 14123 - وروى أبو المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أفطر يوما من رمضان قويا متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن صامه " .

14124 - وروي عن علي ، وابن مسعود مثله .

14125 - وهذا يحتمل أن يكون - لو صح على - التغليظ .

14126 - وهو حديث ضعيف لا يحتج به .

14127 - وقد جاءت الكفارة : بأسانيد صحاح .



14128 - واختلف الفقهاء فيما يجزئ من الإطعام عمن يجب أن يكفر فيه عن فساد يوم من شهر رمضان .

14129 - فقال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والأوزاعي : يطعم ستين مسكينا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - مدا لكل مسكين .

[ ص: 105 ] 14130 - وذكر أن العرق كان فيه خمسة عشر صاعا . وذلك في حديث مالك ، عن عطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ، وهو مذكور أيضا في حديث مجاهد ، وعطاء ، عن أبي هريرة ، وقد ذكرناه : في " التمهيد " إلا أن في حديث أبي هريرة " عشرين صاعا " .

14131 - وقد روي ذلك من وجوه مرسلة ومسندة ، ومعلوم أن ذلك غير ما ذهب إليه من قال : بنصف صاع لكل مسكين .

14132 - وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجزئه أقل من مدين بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك نصف صاع لكل مسكين قياسا على فدية الأذى .

14133 - وقول مالك أولى ; لأنه نص لا قياس .



14134 - واختلف العلماء أيضا في الواطئ أهله في رمضان إذا وجب عليه التكفير بالإطعام دون غيره ولم يجد ما يطعم ، وكان في حكم الرجل الذي ورد فيه الحديث .

14135 - فأما مالك ، فلم أجد عنه في ذلك شيئا منصوصا .

14136 - وكان عيسى بن دينار يقول : إنها على المعسر واجبة ، فإذا أيسر أداها .

14137 - وقد يخرج قول ابن شهاب على هذا ; لأنه جعل إباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك الرجل أكل الكفارة لعسرته رخصة له وخصوصا .

14138 - قال ابن شهاب : ولو أن رجلا فعل ذلك لم يكن له بد من التكفير .

[ ص: 106 ] 14139 - وقيل للأوزاعي فيمن لم يجد كفارة المفطر ولم يقدر على الصيام ، أيسأل في الكفارة ؟ فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد كفارة المفطر عليه وعلى أهله ، فليستغفر الله ولا يعد ، ولم ير عليه شيئا إذا كان معسرا .

14140 - وقال الشافعي : قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كله وأطعمه أهلك " يحتمل معاني ، منها أنه لما كان في الوقت الذي أصاب فيه أهله ليس ممن يقدر على واحدة من الكفارات ، تطوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن قال له في شيء أتي به " كفر به " . فلما ذكر الحاجة ، ولم يكن الرجل قبضه ، قال له : " كله وأطعمه أهلك " . وجعل التمليك له حينئذ مع القبض .

14141 - ويحتمل أن يكون لما ملكه وهو محتاج ، وكان إنما كون الكفارة عليه إذا كان عنده فضل ، ولو لم يكن عنده فضل كان له أكله هو وأهله ؛ لحاجته .

14142 - ويحتمل في هذا أن تكون الكفارة دينا عليه ، متى أطاقها أداها ، وإن كان ذلك ليس في الخبر ، وكان هذا أحب إلينا ، وأقرب من الاحتياط .

14143 - قال : ويحتمل إذا كان لا يقدر على شيء من الكفارات ، وكان لغيره أن يكفر عنه كان لغيره أن يتصدق عليه وعلى أهله بتلك الكفارة إذا كانوا محتاجين ويجزئ عنه .

14144 - ويحتمل أن يكون إذا لم يقدر على شيء في حاله تلك أن تكون الكفارة ساقطة عنه إذا كان معسرا كما سقطت الصلاة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبا .

14145 - وقال الأثرم : قلت لابن حنبل : حديث الزهري ، عن حميد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أطعمه عيالك " أتقول به ؟ قال : نعم ، إذا كان [ ص: 107 ] محتاجا ، ولكن لا يكون في شيء من الكفارات إلا في الجماع في رمضان وحده ، لا في كفارة اليمين ، ولا في كفارة الظهار .

14146 - قيل له : " ليس في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ووقع عليها نحو هذا ؟ قال : ولمن تقول هذا ؟ إنما حديث سلمة بن صخر : " تصدق بكذا ، واستعن بسائره على أهلك " ، فإنما أمر له بما بقي .

14147 - قلت : فإن كان المجامع محتاجا فأطعمه عياله ؟ قال : يجزئ عنه . قلت : ولا يكفر إذا وجد ؟ قال : لا ، إلا أنه خاص في الجماع وحده .

14148 - وزعم الطبري أن قياس الثوري ، وأبي حنيفة وأصحابه ، وأبي ثور ، أن الكفارة دين عليه لا يسقطها عنه عسره ، وعليه أن يأتي بها إذا قدر عليها كسائر الكفارات .

14149 - قال أبو عمر : إن احتج محتج في إسقاط الكفارة عن المعسر بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " كله أنت وعيالك " ، ولم يقل له : تؤديها إذا أيسرت ، ولو كانت واجبة عليه لم تسقط عنه حتى يبين ذلك له ، قيل له : ولا قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنها ساقطة عنك لعسرتك ، بعد أن أخبره بوجوبها عليه ، وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة ، والله أعلم .



14150 - واختلفوا في الكفارة على المرأة إذا وطئها زوجها وهي طائعة في رمضان .

[ ص: 108 ] 14151 - فقال مالك : إذا طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة . وإذا أكرهها فعليه كفارتان عنه وعنها . وكذلك إذا وطئ أمته كفر كفارتين .

[ ص: 109 ] 14152 - وقال الأوزاعي : سواء طاوعته امرأته أو أكرهها فليس عليه إلا كفارة واحدة إن كفر بالعتق أو الإطعام ، فإن كفر بالصيام فعلى كل واحد منهما صيام شهرين متتابعين .

14153 - وقال الشافعي : الصيام ، والعتق ، والإطعام سواء ، ليس عليهما إلا كفارة واحدة ، وسواء طاوعته أو أكرهها ; لأن النبي - عليه السلام - إنما أجاب السائل بكفارة واحدة ، ولم يسأله طاوعته امرأته أو أكرهها ، ولو كان الحكم مختلفا لما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبيين ذلك .

14154 - وهو قول داود وأهل الظاهر .

14155 - وأجمعوا أن كفارة المظاهر واحدة .

[ ص: 110 ] 14156 - وإن وطئ ، قال أبو حنيفة وأصحابه : إن طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة ، وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة ولا شيء عليها .

14157 - ومن حجة من رأى الكفارة لازمة عليها إن طاوعته : القياس على قضاء ذلك اليوم ، فوجب عليها قضاء ذلك اليوم وجبت عليها الكفارة .



14158 - وأجمعوا على أن من وطئ في رمضان فكفر عنه ، ثم وطئ في يوم آخر - أن عليه كفارة أخرى .

14159 - وأجمعوا على أن ليس على من وطئ مرارا في يوم واحد إلا كفارة واحدة .

14160 - واختلفوا فيمن وطئ في يوم من رمضان فلم يكفر حتى وطئ في يوم آخر .

140161 - فقال مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد : عليه لكل يوم كفارة ، كفر أو لم يكفر .

14162 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إن كفر ثم وطئ فعليه كفارة أخرى ، وإن وطئ قبل أن يكفر فكفارة واحدة قياسا على حد الزاني والسارق .

14163 - وقال الثوري : أحب إلي أن يكفر عن كل يوم ، وأرجو أن تجزئه كفارة واحدة ما لم يكفر .



14164 - واختلفوا فيمن جامع ناسيا في صومه .

[ ص: 111 ] 14165 - فقال الشافعي - والثوري في رواية الأشجعي - وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والحسن بن حي ، وأبو ثور ، وإسحاق ابن راهويه : ليس عليه شيء ، لا قضاء ولا كفارة ، بمنزلة من أكل ناسيا عندهم .

14166 - وهو قول الحسن ، وعطاء ، ومجاهد ، وإبراهيم .

14167 - وقال مالك ، والليث ، والأوزاعي ، والثوري في رواية : عليه القضاء ولا كفارة .

14168 - وروي مثل ذلك عن عطاء .

14169 - وقد روي عن عطاء أن عليه الكفارة مع القضاء ، وقال : مثل هذا لا ينسى .

14170 - وقال قوم من أهل الظاهر : سواء وطئ ناسيا أو عامدا ، عليه القضاء أو الكفارة .

14171 - وهو قول عبد الملك بن الماجشون ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل ; لأن الحديث الموجب للكفارة لم يفرق فيه بين الناسي والعامد .

14172 - قال : أحمد بن حنبل : وظاهر قول الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم - : " وقعت على امرأتي " - النسيان والجهالة ، فلم يسأله أنسيت أم تعمدت ، وأفتاه على ظاهر الفعل .



14173 - واختلفوا أيضا فيمن أكل أو شرب ناسيا .

14174 - فقال الثوري ، وابن أبي ذئب ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو ثور ، [ ص: 112 ] وإسحاق ، وأحمد ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وداود : لا شيء عليه ، ويتم صومه .

14175 - وهو قول جمهور التابعين .

14176 - قال ربيعة ومالك : عليه القضاء .

14177 - وقال الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عمن أكل ناسيا في رمضان ؟ فقال : ليس عليه شيء . على حديث أبي هريرة " الله أطعمه وسقاه " ثم قال أبو عبد الله : مالك - زعموا أنه يقول عليه القضاء ، وضحك .

14178 - وروي عن علي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وعلقمة ، وإبراهيم ، وابن سيرين ، وجابر بن زيد : من أكل ناسيا لا قضاء عليه .

14179 - أما حديثه عن عطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ، فلم يختلف على مالك في إرساله .

14180 - وكذلك رواه ابن جريج عن عطاء كما قال مالك سواء .

14181 - ولا يحفظ عن سعيد بن المسيب ذكر البدنة إلا من رواية عطاء الخراساني ، وهو ثقة .

[ ص: 113 ] 14182 - وروي عن أيوب ، عن القاسم بن عاصم أنه قال لسعيد بن المسيب : إن عطاء الخراساني يحدث عنك في الرجل الذي وقع على أهله في رمضان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بعتق رقبة . قال : لا أجد ، فقال : " انحر جزورا " ، فقال : لا أجد ، قال : " فتصدق بعشرين صاعا من تمر " . فقال سعيد : كذب الخراساني ، إنما بلغني أن النبي ( عليه السلام ) قال له : " تصدق " ، فتصدق .

14183 - قال أبو عمر : قد ذكرنا هذا الحديث في " التمهيد " اضطراب [ ص: 114 ] فيه على القاسم بن عاصم ، ولا يجرح بمثله عطاء الخراساني بفضله وشهرته في العلم . والخبر أكثر من شهرة القاسم بن عاصم ، وإن كان البخاري ذكر عطاء الخراساني بهذا الخبر في كتاب " الضعفاء " له ولم يتابعه أحد على ذلك .

14184 - وعطاء مشهور الفضل ، وقد روى عنه الأئمة ، وله فضائل جمة .

14185 - وأما ذكر البدنة في هذا الخبر فلا أعلمه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من رواية ليث عن مجاهد ، وعطاء ، جميعا عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - ذكره البخاري في التاريخ عن ابن شريك ، عن أبيه عن ليث عن عطاء ومجاهد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أعتق رقبة " ثم قال : " انحر بدنة " .

14186 - قال البخاري : ولا يتابع عليه .

14187 - قال أبو عمر : أحسن طرق هذا الحديث عندي - والله أعلم - ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن يزيد المعلم ، قال : حدثني موسى بن معاوية ، قال : حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني وقعت على امرأتي في رمضان ؟ قال : " بئس ما صنعت ! أعتق رقبة " ، قال : لا أجد ، قال : " انحر بدنة " ، قال : لا أجدها ، قال : " اذهب فتصدق بعشرين صاعا " ، قال : لا أجد . قال : " فجئني أتصدق عنك " ، قال : ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه مني . قال : " اذهب فكله أنت وأهلك " .

14188 - قال أبو عمر : قد وجدنا ذكر البدنة في هذا الحديث من غير رواية [ ص: 115 ] عطاء الخراساني ، فلا وجه لإنكار من أنكر ذلك عليه ، والله أعلم .

14189 - إلا أن العمل عند أهل العلم بالحجاز ، والعراق الذين تدور عليهم الفتوى على ما في حديث ابن شهاب ، عن حميد ، عن أبي هريرة المذكور عنه في هذا الباب ليس فيه نحر البدنة .

14190 - وما أعلم أحدا أفتى في هذه المسألة بنحر بدنة إلا عطاء ، والحسن البصري على ما تقدم .

14191 - قال أبو عمر : روى قتادة عن سعيد بن المسيب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سلمان بن صخر البياضي .

14192 - وهذا وهم من قتادة وممن رواه عن قتادة ، وليس في أصحاب النبي - عليه السلام - من يسمى سلمان إلا سلمان الفارسي ، وسلمان بن عامر الضبي ، والحديث الصحيح إنما فيه سلمة بن صخر ، ولو صح سلمان لأمكن أن يكون أخا سلمة بن صخر البياضي . وقد ذكرنا الخبر بإسناده في " التمهيد " .

14193 - وقد قيل إن سلمة بن صخر كان يقال له سلمان ، فالله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث