الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة المكفرات وقاعدة أسباب المثوبات

( الفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة أسباب المثوبات )

اعلم أن كثيرا من الناس يعتقدون أن المصائب سبب في رفع الدرجات وحصول المثوبات وليس كذلك بل تحرير الفرق بينهما أن المثوبات لها شرطان أحدهما أن تكون من كسب العبد ومقدوره فما [ ص: 232 ] لا كسب له فيه وما لا في قدرته ، أو هو من جنس مقدوره غير أنه لم يقع بمقدوره كالجناية على عضو من أعضائه لا مثوبة فيه ، وأصل ذلك قوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فحصر ماله فيما هو من سعيه وكسبه وقوله تعالى { إنما تجزون ما كنتم تعملون } فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور ، وثانيهما : أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به فما لا أمر فيه لا ثواب فيه كالأفعال قبل البعثة ، وكأفعال الحيوانات العجماوات مكتسبة مرادة لها واقعة باختيارها ، ولا ثواب لها فيها لعدم الأمر بها ، وكذلك الموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل ، ولا ثواب لهم فيه على الصحيح ؛ لأنهم غير مأمورين بعد الموت ، ولا منهيين فلا إثم ، ولا ثواب [ ص: 233 ] لعدم الأمر والنهي هذا أحد أسباب المثوبات .

وأما المكفرات فلا يشترط فيها شيء من ذلك بل قد تكون كذلك مكتسبة مقدورة من باب الحسنات لقوله { إن الحسنات يذهبن السيئات } وقد لا تكون كذلك كما تكفر التوبة والعقوبات السيئات ، وتمحو آثارها ، ومن ذلك المصائب المؤلمات لقوله تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } ولقوله عليه السلام { لا يصيب المؤمن [ ص: 234 ] من وصب ، ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ذنوبه } فالمصيبة كفارة للذنوب جزما سواء اقترن بها السخط أو الصبر والرضا فالسخط معصية أخرى ، ونعني بالسخط عدم الرضا بالقضاء كما تقدم تقريره لا التألم من المقضيات كما تقدم بيانه ، والصبر من القرب الجميلة ، فإذا تسخط جعلت سيئة ثم قد تكون هذه السيئة قدر السيئة التي كفرتها المصيبة أو أقل أو أعظم بحسب كثرة السخط وقلته وعظم المصيبة وصغرها فإن المصيبة العظيمة تكفر من السيئات أكثر من المصيبة اليسيرة فالتكفير واقع قطعا تسخط المصاب أو صبر غير أنه إن صبر اجتمع التكفير والأجر ، وإن تسخط فقد يعود الذي تكفر بالمصيبة بما جناه من التسخط أو أقل منه أو أكثر ، وعلى هذا يحمل ما في بعض الأحاديث من ترتيبه المثوبات على المصائب أي إذا صبر ليس إلا فالمصيبات لا ثواب فيها قطعا من جهة أنها مصيبة ؛ لأنها غير مكتسبة .

والتكفير بالمصيبة يقع بالمكتسب وغير المكتسب ، ومنه قوله : عليه السلام في مسلم وغيره { لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار قالت قلت : يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له : وواحد لقال وواحد } والحجاب راجع إلى معنى التكفير أي تكفر مصيبة فقد الولد ذنوبا كان شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار [ ص: 235 ] من جهة مجاز التشبيه ، واعلم أن التكفير في موت الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام الداخلة على القلب من فقد المحبوب ، فإن كثر كثر التكفير ، وإن قل قل التكفير فلا جرم يكون التكفير على قدر نفاسة الولد في صفاته ونفاسته في بره وأحواله ، فإن كان الولد مكروها يسر بفقده فلا كفارة بفقده ألبتة ، وإنما أطلق عليه السلام التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم فظهر لك الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات بهذه التقادير والمباحث ، وعلى هذا البيان لا يجوز أن تقول لمصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك : جعل الله لك هذه المصيبة كفارة ؛ لأنها كفارة قطعا والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز ؛ لأنه قلة أدب مع الله - تعالى ، وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال : اللهم عظم له الكفارة ؛ لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير فإنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم [ ص: 236 ] ذلك فيه وفي نظائره

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة أسباب المثوبات اعلم أن كثيرا من الناس يعتقدون أن المصائب سبب في رفع الدرجات وحصول المثوبات وليس كذلك بل تحرير الفرق بينهما أن المثوبات لها شرطان أحدهما أن تكون من كسب العبد ومقدوره فما [ ص: 232 ] لا كسب له فيه وما لا في قدرته ، أو هو من جنس مقدوره غير أنه لم يقع بمقدوره كالجناية على عضو من أعضائه لا مثوبة فيه ، وأصل ذلك قوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فحصر ما له فيما هو من سعيه وكسبه وقوله تعالى { إنما تجزون ما كنتم تعملون } فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور ، وثانيهما : أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به فما لا أمر فيه لا ثواب فيه كالأفعال قبل البعثة وكأفعال الحيوانات العجماوات مكتسبة مرادة لها واقعة باختيارها ، ولا ثواب لها فيها لعدم الأمر بها ، وكذلك الموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل ، ولا ثواب لهم فيه على الصحيح ؛ لأنهم غير مأمورين بعد الموت ، ولا منهيين فلا إثم ، ولا ثواب [ ص: 233 ] لعدم الأمر والنهي )

قلت هذا حديث غير صحيح بل الصحيح أن رفع الدرجات لا يشترط في أسبابها كونها مكتسبة ، ولا مأمورا بها فمنها ما يكون سببه كذلك ومن ذلك الآلام وجميع المصائب وقد دلت على ذلك كله دلائل وظواهر الشرع متظاهرة يعضدها قاعدة رجحان جانب الحسنات المقطوع بها وما استدل به من عموم قوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وقوله : { إنما تجزون ما كنتم تعملون } وما أشبه ذلك من الآي والأخبار يتعين حمله على الخصوص جمعا بين الأدلة فإن قال قائل ذلك : وإن كان سببا لرفع الدرجات وزيادة النعيم فلا يسمى ثوابا ولا أجرا ، ولا جزاء فإنها ألفاظ مشعرة بالإعطاء في مقابلة عوض فالأمر فيما يقوله قريب ؛ إذ لا مشاحة في الألفاظ ، وكيف يصح حمله الآيتين وما أشبههما على العموم مع الإجماع المعلوم المنعقد على صحة النيابة في الأعمال المالية كلها مع الخلاف في البدنية كلها أو ما عدا الصلاة منها فلا بد من حمل الآيتين وشبههما على الإيمان أو عليه وعلى سائر الأعمال القلبية قال ( وأما المكفرات فلا يشترط فيها شيء من ذلك بل قد تكون كذلك مكتسبة مقدورة من باب الحسنات لقوله تعالى { إن الحسنات يذهبن السيئات } وقد لا تكون كذلك كما تكفر التوبة والعقوبات السيئات وتمحو آثارها ومن ذلك المصائب المؤلمات ) قلت : ما قاله في ذلك صحيح إلا قوله : وتمحو آثارها فإنه إن أراد بذلك محوها من الصحائف فإن ذلك ليس بصحيح ؛ لأنه عين الإحباط ، وهو باطل عند أهل السنة قال ( لقوله تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } ) قلت لا دليل له في هذه الآية على كون المصائب مكفرة للذنوب أو غير مكفرة ، وإنما فيها أن المصائب سببها الذنوب ، وأن من الذنوب ما لا يقابل بمصيبة يكون سببا لها بل يسامح فيه ويعفى عنه .

قال ( ولقوله صلى الله عليه وسلم { لا يصيب المؤمن [ ص: 234 ] من وصب ، ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ذنوبه } ) قلت : ما قاله في ذلك صحيح ويعني بقوله يعود يكون ذنب السخط مثله أو أقل منه أو أكثر ؛ لأن الكفر يعود حقيقة قال ( وعلى هذا يحمل ما في بعض الأحاديث من ترتب المثوبات على المصائب أي إذا صبر ليس إلا فالمصيبات لا ثواب فيها قطعا من جهة أنها مصيبة ؛ لأنها غير مكتسبة ، والتكفير بالمعصية يقع بالمكتسب وغير المكتسب ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في مسلم وغيره { لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار قالت قلت : يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له وواحد لقال وواحد } فالحجاب راجع إلى معنى التكفير أي تكفر مصيبة فقد الولد ذنوبا كان شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار [ ص: 235 ] من جهة مجاز التشبيه )

قلت : ما قاله من أن المصيبة لا ثواب فيها قطعا ليس بصحيح وقد تبين قبل هذا أن ما استدل به من العمومات لا دليل فيه لتعين حملها على الخصوص بالإجماع على صحة النيابة في الأمور المالية وبالظواهر المظاهرة بثبوت الحسنات في الآلام وشبهها قال ( واعلم أن التكفير في موت الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام ) قلت : ما قاله في ذلك صحيح قال ( فإن كان الولد مكروها يسر بفقده فلا كفارة بفقده ألبتة ، وإنما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم ) .

قلت : ما قاله في ذلك تحكم بتقييد كلام الشارع من غير دليل ، وتضييق لباب الرحمة الثابت سعته قال ( فظهر لك الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات بهذه التقارير والمباحث ) قلت : لم يظهر ذلك على الوجه الذي زعم قال ( وعلى هذا البيان لا يجوز أن تقول : المصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك جعل الله لك هذه المصيبة كفارة ؛ لأنها كفارة قطعا ، والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز ؛ لأنه قلة أدب مع الله - تعالى ، وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال : اللهم عظم له الكفارة ؛ لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير أنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم [ ص: 236 ] ذلك فيه وفي نظائره ) قلت : ما قاله في هذا الفصل ليس بصحيح ، ولا مانع من الدعاء بتحصيل الحاصل أي المعلوم الحصول ؛ إذ ذلك مراده هنا ، ولا وجه لقوله : إن ذلك قلة أدب مع الله - تعالى - كيف وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يدعو لنفسه الكريمة بالمغفرة } مع العلم بثبوتها له ، وما المانع أن يدعو بذلك غيره ، أو يدعو له لعدم علمه بحصول شرط التكفير والغفران ، وهو الوفاة على الإيمان .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الخامس والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة المثوبات ) وهو مبني على طريقة الأصل ، وهي أن للمثوبات شرطين : ( الأول ) أن تكون من كسب العبد ومقدوره لقوله تعالى : - { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فحصر ماله فيما هو من سعيه وكسبه وقوله تعالى : - { إنما تجزون ما كنتم تعملون } فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور

( والشرط الثاني ) : أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به فلا ثواب فيما لا أمر فيه كالأفعال قبل البعثة وكأفعال الحيوانات العجماوات فإنها لعدم الأمر بها لا ثواب لها فيها ، وإن كانت مكتسبة مراده لها واقعة باختيارها ، وكالموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل ؛ إذ لا ثواب لهم فيه على الصحيح ؛ لأنهم بعد الموت غير مأمورين ، ولا منهيين ، وأن المكفرات لا يشترط فيها شيء من ذلك بل هي ثلاثة أنواع ؛ لأنها إما من باب الحسنات فتكون مكتسبة مقدورة قال الله - تعالى : - { إن الحسنات يذهبن السيئات } ، وإما من باب التوبة والعقوبات فتكفر السيئات وتمحو آثارها ، وإما من باب المصائب المؤلمات فتكفر الذنوب جزما سواء اقترن بها السخط الذي هو عدم الرضا بالقضاء لا التألم من المقضيات كما تقدم بيانه أو اقترن بها الصبر والرضا ، وإن لم تكن سببا في رفع الدرجات وحصول المثوبات ضرورة أنها غير مكتسبة وقال - تعالى - { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا يصيب [ ص: 252 ] المؤمن من وصب ، ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ذنوبه } خلافا لما يعتقده كثير من الناس من أنها تكون سببا في ذلك وما في بعض الأحاديث من ترتيبه المثوبات على المصائب فمحمول على ما إذا صبر ليس إلا فإنه إن صبر اجتمع له التكفير والأجر .

وإن تسخط فقد يعود الذي تكفر بالمصيبة بما جناه من السخط أو أقل منه أو أكثر فقوله : عليه السلام في مسلم وغيره { لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار قالت قلت : يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له : وواحد لقال : وواحد } معناه أن مصيبة فقد الولد تكفر ذنوبا كان شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار من جهة مجاز التشبيه ثم إن تكفير موت الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام الداخلة على القلب من فقد المحبوب فإن كثر كثر التكفير ، وإن قل قل التكفير فلا جرم يكون التكفير على قدر نفاسة الولد في صفاته أو نفاسته في بره وأحواله ، فإن كان الولد مكروها يسر بفقده فلا كفارة بفقده ألبتة ، وإنما أطلق عليه السلام التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم ، قال : فظهر بهذه التقارير والمباحث الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات ، وعليه فلا يجوز أن تقول لمصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك : جعل الله لك هذه المصيبة كفارة ؛ لأنها كفارة قطعا ، والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز ؛ لأنه قلة أدب مع الله - تعالى ، وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال : اللهم عظم له الكفارة ؛ لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير فإنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم ذلك فيه ، وفي نظائره هذا خلاصة ما قاله الأصل في هذه الطريقة .

واختار ابن الشاط والجمهور من علماء المذاهب الأربعة الطريقة الثانية ، وهي أن رفع الدرجات وحصول المثوبات لا يشترط في أسبابها كونها مكتسبة ، ولا مأمورا بها ، وأنه لا فرق بينها وبين المكفرات بل هي نوع منها ، وأن تلك الأسباب نوعان ما يكون سببه غير مكتسب ، ولا مقدور ، ومن ذلك الآلام وجميع المصائب قال ابن الشاط : وقد دلت على ذلك كله دلائل .

وظواهر الشرع متظاهرة يعضدها قاعدة رجحان جانب الحسنات المقطوع بها ا هـ وقد نقل العلامة الجمل على الجلالين عن ابن تيمية وغير واحد من المحققين كالكرخي أن من تلك الظواهر أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم كما في آية { واتبعتهم [ ص: 253 ] ذريتهم بإيمان } إلخ ، ومنها قوله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين { وكان أبوهما صالحا } فانتفعا بصلاح أبيهما ، وليس من سعيهما ومنها أن الله - تعالى - قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } وقال - تعالى - { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } وقال - تعالى - { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } فقد رفع - تعالى - العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير ، ومنها أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره ، وهو انتفاع بعمل الغير ، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم { يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار } وهذا انتفاع بسعي الغير ، ومنها أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض .

وذلك منفعة بعمل الغير .

ومنها أن الله يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته ، وهذا انتفاع بغير عملهم .

ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع من الصلاة على المدين حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب فانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الغير ، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال لمن صلى وحده ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه } فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير قال ابن تيمية : ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فمن اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع ، وذلك باطل من هذه الوجوه وغيرها ا هـ ومثله للكرخي قال ابن الشاط فيتعين حمل عموم قوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وقوله تعالى { إنما تجزون ما كنتم تعملون } وما أشبه ذلك من الآي والأخبار والخصوص جمعا بين الأدلة فإن قال قائل ذلك ، وإن كان سببا لرفع الدرجات وزيادة النعيم فلا يسمى ثوابا ، ولا أجرا ولا جزاء فإنها ألفاظ مشعرة بالإعطاء في مقابلة عوض فالأمر فيما يقوله قريب ؛ إذ لا مشاحة في الألفاظ ، وكيف يصح حمله أي الشهاب القرافي الآيتين وما أشبههما على العموم مع الإجماع المعلوم المنعقد على صحة النيابة في الأعمال المالية كلها مع الخلاف في البدنية كلها ، أو ما عدا الصلاة منها . ا هـ .

ففي حاشية البناني على عبد الباقي على مختصر خليل نقل الحطاب عند قوله في المختصر : وما تطوع وليه عنه ما للعلماء من الخلاف في جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم أو شيء من القرب قال : وجلهم أجاب بالمنع ؛ لأنه لم يرد فيه أثر ، ولا شيء عمن يقتدى به من السلف انظره .

وقد اعترضه الشيخ ابن زكري بحديث كعب بن عجرة كما في المواهب وغيرها { قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت : الربع قال ما شئت ، وإن زدت فهو خير لك [ ص: 254 ] قلت النصف قال ما شئت ، وإن زدت فهو خير لك قال : أجعل صلاتي كلها لك قال قال إذا تكفى همك ويغفر ذنبك } ا هـ بلفظه ، وفي حاشية كنون أن الشيخ الطيب بن كيران بعد أن ذكر قوله الحافظ المنذري ومن وافقه قوله : أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك ا هـ قال : وفيه أن هذا التفسير خلاف ظاهر العبارة ، ولو أريد لقيل : فكم أصرف لك من وقت دعائي مثلا ، ويؤيد إرادة ظاهر العبارة ما في المعهود للشهود فإنه بعد أن ذكر الحديث عن كعب بن عجرة ، وتفسير المنذري المتقدم ذكر عن أبي المواهب الشاذلي أنه قال فذكر رؤياه المتقدمة ، وقال عقبها : انتهى ، وهو حسن .

وهذا مذهب جماعة من الصوفية قال أبو المواهب التونسي قال لي المصطفى في مبشرة : أنت تشفع في مائة ألف قلت : بم نلت هذا قال بإعطائك لي ثواب صلاتك علي وحج ابن الموفق حججا فجعل ثوابها للمصطفى فرآه يقول له : هذه يد لك عندي أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك فأدخلك الجنة بغير حساب ، ولا يستلزم ذلك سوء الأدب كما زعموا .

ومنهم سيدي زروق فإن المقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم وإعظامهم لا أنهم محتاجون لما يهدى لهم ، والهدية على قدر مهديها لا المهدى إليه ، والأعمال أنفس ما عند المهدي ، وهي جهد مقل فلا محذور في إهدائها مع رؤية قصورها وعدم أهليتها نعم إن استعظم ما أهدى فسوء أدب ، ويمكن حمل كلام سيدي زروق عليه ، والله أعلم ا هـ وأصله لجسوس وزاد بل منهم من يجعل أعماله هدية للأولياء أو يجعل وردا لجميعهم أو للجهة التي يعتقدها ، ومنهم من يجعل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مآب حسن النية والتقرب لجانبه الكريم صلى الله عليه وسلم وأما قول الشيخ زروق في عدة المريد بعد نقل مذهب الصوفية المتقدم ليس الحق في ذلك إلا باتباع سنته ، وإكرام قرابته وكثرة الصلاة عليه ؛ لأنه غني عن أعمالنا وإني لأرى ذلك إساءة أدب معه لمقابلته بما لا يصلح أن يكون صاحبه مقبولا فكيف الاعتداد بثوابه ا هـ فليس بقوي للحديث المتقدم فإنه ظاهر في الجواز كما تقدم ، وأيضا فإن المقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم إلى آخر ما تقدم ثم قال أشار إلى ذلك شيخنا العلامة سيدي محمد بن عبد الرحمن بن زكري رحمه الله تعالى في شرحه لصلاة القطب مولانا عبد السلام بن مشيش نفعنا الله ببركته آمين . ا هـ .

وقد ذكر ابن زكري رحمه الله جميع ما تقدم عند قوله : صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله إلا أن عبارته كلام العهود أقوى وأظهر ؛ لأن [ ص: 255 ] لفظ الحديث يدل له ؛ إذ لو أريد بيان كم يجعل للصلاة عليه من أوقات عبادته لقال فكم أصرف من أوقات عبادتي في الصلاة عليك ، ويؤيده رؤيا أبي المواهب المتقدمة ثم قال : والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هدية له على كل حال كما في الأحاديث ، وإن لم ينو المصلي كون ثوابها له فمعنى الإهداء حاصل له في الجملة والمقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم وإعظامهم لا أنهم محتاجون إلى هدية المهدي ؛ ولذلك يجزلون المثوبات على أدنى شيء ، وأيضا فينوي المصلي بذلك تحصين عمله من الرد ليقوى بذلك رجاؤه احتراما بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن الهدايا للملوك إذا كانت لا تناسب جلالة مقاديرهم ، ويخشى ردهم لها دخلت في جملة هدايا واسطة عظيم عند الملك فتقبل حينئذ من جملة هداياه ، وهذا كله إذا احتقر العامل نفسه ، واعتقد قصوره وعدم أهليته لذلك ، وأما إذا رأى عمله شيئا معتبرا في نفسه معتدا به فسوء الأدب لازم له ، ويمكن حمل ما لسيدي زروق عليه ، ويمكن أن يريد غير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أما هي فحديث أبي ظاهر في خلافه كما سبق والله - تعالى - أعلم ا هـ فأنت تراه إنما ذكر رؤيا أبي المواهب وغيره على وجه التأييد والاستئناس لظاهر لفظ الحديث لا على وجه الاحتجاج .

وقبل ذلك تلميذه جسوس وغيره فتأمله ، والله أعلم ا هـ المراد من كلام كنون ومراده دفع تنظير الرهون في مستند ابن زكري أولا بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بالرؤيا ، وإن كانت حقا لا سيما من مثل أبي المواهب وثانيا بأن ما فهم من الحديث معارض بما فهم منه غير واحد من الأئمة من غير ذكر خلاف فيه فانظره إن شئت ، قلت : وقد وجه عدم ثبوت الأحكام الشرعية بالرؤيا العلامة العطار على محلى جمع الجوامع فقال : ولا يلزم من صحة الرؤية التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي حكي أن رجلا رآه صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له إن في المحل الفلاني ركازا اذهب فخذه ، ولا خمس عليك فذهب فوجده فاستفتى العلماء فقال العز بن عبد السلام : أخرج الخمس فإنه ثبت بالتواتر ، وقصارى رؤيتك الآحاد ا هـ فافهم ، وفي الخازن : وأجمع العلماء على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها وعلى وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام ، وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصل للميت ثوابها ، وقال جماعة من أصحابه : يصله ثوابها ، وبه قال أحمد بن حنبل وأما الصلوات وسائر التطوعات فلا تصله [ ص: 256 ] عند الشافعي والجمهور ، وقال أحمد : يصله ثواب الجميع ، والله أعلم ا هـ قال ابن الشاط : فلا بد من حمل الآيتين وشبههما على الإيمان أو عليه وعلى سائر الأعمال القلبية . ا هـ .

وفي الخازن وقيل : أراد بالإنسان في قوله تعالى { وأن ليس للإنسان } الآية الكافر والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بأن يوسع عليه في رزقه ويعافى في بدنه حتى لا يبقى له في الآخرة خير ، وقيل : إن قوله { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وكرمه ا هـ وفي الخطيب وقال ابن عباس هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي : وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام بقوله - تعالى - { ألحقنا بهم ذريتهم } فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة : إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما روي أن { امرأة رفعت صبيا لها ، وقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال : نعم ولك أجر } { وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي قتلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال : نعم } ا هـ قال ابن الشاط : وقول القرافي بأن التوبة والعقوبات تكفر السيئات ، وتمحو آثارها إن أراد به محوها من الصحائف فهو ليس بصحيح ؛ لأنه عين الإحباط ، وهو باطل عند أهل السنة قال : ولا دليل له في قوله تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } على كون المصائب مكفرة للذنوب أو غير مكفرة ، وإنما فيها المصائب سببها الذنوب ، وأن من الذنوب ما لا يقابل بمصيبة يكون سببا لها بل يسامح فيه ويعفى عنه قال : وما قاله من أن المصيبة لا ثواب فيها قطعا ليس بصحيح ، وقد تبين قبل هذا أن ما استدل به من العمومات لا دليل فيه لتعين حملها على الخصوص بالإجماع على صحة النيابة في الأمور المالية وبالظواهر المتظاهرة بثبوت الحسنات في الآلام وشبهها ، قال : فلم يظهر الفرق بين القاعدتين على الوجه الذي زعم أي : وإنما يظهر على وجه آخر ، وهو ما أشار إليه قبل بقوله : فإن قال قائل ذلك ، وإن كان مسببا إلخ قال : وما قاله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم فهو تحكيم بتقييد كلام الشارع من غير دليل ، وتضييق لباب الرحمة الثابت سعته قال : ولا مانع من الدعاء بتحصيل الحاصل أي المعلوم الحصول ؛ إذ ذلك مراده بقوله : والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز ؛ لأنه إلخ ، ولا وجه لقوله : إن ذلك قلة أدب مع الله - تعالى - كيف وقد ثبت أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لنفسه الكريمة بالمغفرة } مع العلم بثبوتها [ ص: 257 ] له ، وما المانع أن يدعو بذلك غيره ، أو يدعو له لعدم علمه بحصول شرط التكفير والمغفرة وهو الموافاة على الإيمان ا هـ والله - سبحانه وتعالى - أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث