الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح

جزء التالي صفحة
السابق

وأما بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح وبيان حكم صحة التسمية وفسادها فنقول : لصحة التسمية شرائط منها .

أن يكون المسمى مالا متقوما وهذا عندنا .

وعند الشافعي هذا ليس بشرط ويصح التسمية سواء كان المسمى مالا أو لم يكن بعد أن يكون مما يجوز أخذ العوض عنه ، واحتج بما روي { أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله إني وهبت نفسي لك فقال عليه الصلاة والسلام ما بي في النساء من حاجة ، فقام رجل وقال زوجنيها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم ما عندك ؟ فقال : ما عندي شيء أعطيها فقال : أعطها ولو خاتما من حديد ، فقال ما عندي ، فقال : هل معك شيء من القرآن ؟ قال : نعم سورة كذا فقال زوجتكها بما معك من القرآن } ومعلوم أن المسمى - وهو السورة من القرآن لا يوصف بالمالية ، فدل أن كون التسمية مالا ليس بشرط لصحة التسمية ، ولنا قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } شرط أن يكون المهر مالا ، فما لا يكون مالا لا يكون مهرا فلا تصح تسميته مهرا ، وقوله تعالى { فنصف ما فرضتم } أمر بتنصيف المفروض في الطلاق قبل الدخول فيقتضي كون المفروض محتملا للتنصيف - وهو المال - وأما الحديث فهو في حد الآحاد ولا يترك نص الكتاب بخبر الواحد مع ما أن ظاهره متروك ; لأن السورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع ، وليس فيه ذكر تعليم القرآن ولا ما يدل عليه ، ثم تأويلها زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وبركته لا أنه كان ذلك النكاح بغير تسمية مال ، وعلى هذا الأصل مسائل : إذا تزوج على تعليم القرآن أو على تعليم الحلال والحرام من الأحكام أو على الحج والعمرة ونحوها من الطاعات لا تصح التسمية عندنا ; لأن المسمى ليس بمال فلا يصير شيء من ذلك مهرا ثم الأصل في التسمية أنها إذا صحت وتقررت يجب المسمى ثم ينظر إن كان المسمى عشرة فصاعدا فليس لها إلا ذلك ، وإن كان دون العشرة تكمل العشرة عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر .

والمسألة قد مرت وإذا فسدت التسمية أو تزلزلت يجب مهر المثل ; لأن العوض الأصلي في هذا الباب هو مهر المثل ; لأنه قيمة البضع ، وإنما يعدل عنه إلى المسمى إذا صحت التسمية وكانت التسمية ، تقديرا لتلك القيمة ، فإذا لم تصح التسمية أو تزلزلت لم يصح التقدير فإذا لم يصح التقدير ، فوجب المصير إلى الفرض الأصلي ، ولهذا كان المبيع بيعا فاسدا مضمونا بالقيمة في ذوات القيم لا بالثمن كذا هذا ، والنكاح جائز لأن جوازه لا يقف على التسمية أصلا ، فإنه جائز عند عدم التسمية رأسا ، فعدم التسمية إذا لم يمنع جواز النكاح ففسادها أولى أن لا يمنع ، ولأن التسمية إذا فسدت التحقت بالعدم فصار كأنه تزوجها ولم يسم شيئا ، وهناك النكاح صحيح كذا هذا ، ولأن تسمية ما ليس بمال شرط فاسد ، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة بخلاف البيع ، والفرق أن الفساد في باب البيع لمكان الربا ، والربا لا يتحقق في النكاح فيبطل الشرط ويبقى النكاح صحيحا .

وعنده تصح التسمية ويصير المذكور مهرا لأنه يجوز أخذ العوض عنه بالاستئجار عليه عنده فتصح تسميته مهرا ، وكذلك إذا تزوج امرأة على طلاق امرأة أخرى أو على العفو عن القصاص عندنا ; لأن الطلاق ليس بمال [ ص: 278 ] وكذا القصاص ، وعنده تصح التسمية ; لأنه يجوز أخذ العوض عن الطلاق والقصاص ، وكذلك إذا تزوجها على أن لا يخرجها من بلدها أو على أن لا يتزوج عليها ، فإن المذكور ليس بمال .

وكذا لو تزوج المسلم المسلمة على ميتة أو دم أو خمر أو خنزير لم تصح التسمية ، لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد ، والخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم فلا تصح تسمية شيء من ذلك مهرا ، وعلى هذا يخرج نكاح الشغار ، وهو أن يزوج الرجل أخته لآخر على أن يزوجه الآخر أخته ، أو يزوجه ابنته أو يزوجه أمته ، وهذه التسمية فاسدة ; لأن كل واحد منهما جعل بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى ، والبضع ليس بمال ففسدت التسمية ، ولكل واحدة منهما مهر المثل ; لما قلنا : والنكاح صحيح عندنا ، وعند الشافعي فاسد واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه نهى عن نكاح الشغار } ، والنهي يوجب فساد المنهي عنه ; ولأن كل واحد منهما جعل بضع كل واحدة من المرأتين نكاحا وصداقا ، وهذا لا يصح ، ولنا أن هذا النكاح مؤبد أدخل فيه شرطا فاسدا حيث شرط فيه أن يكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى ، والبضع لا يصلح مهرا ، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة كما إذا تزوجها على أن يطلقها وعلى أن ينقلها من منزلها ونحو ذلك وبه تبين أنه لم يجتمع النكاح والصداق في بضع واحد ; لأن جعل البضع صداقا لم يصح .

فأما النهي عن نكاح الشغار ، فنكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض مأخوذ من قولهم : شغر البلد إذا خلا عن السلطان وشغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه .

وعندنا هو نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارا على أن النهي ليس عن عين النكاح ; لأنه تصرف مشروع مشتمل على مصالح الدين والدنيا فلا يحتمل النهي عن إخلاء النكاح عن تسمية المهر ، والدليل عليه ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لواحدة منهما مهر } ، وهو إشارة إلى أن النهي لمكان تسمية المهر لا لعين النكاح فبقي النكاح صحيحا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث