الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 19 ] القول في تأويل قوله تعالى ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ( 9 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك : فقال بعضهم : " وليخش " ليخف الذين يحضرون موصيا يوصي في ماله - أن يأمره بتفريق ماله وصية منه فيمن لا يرثه ، ولكن ليأمره أن يبقي ماله لولده ، كما لو كان هو الموصي ، يسره أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ، وأن لا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم عن التصرف والاحتيال .

ذكر من قال ذلك :

8707 - حدثني علي بن داود قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم إلى آخر الآية ، فهذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه يوصي بوصية تضر بورثته ، فأمر الله سبحانه الذي سمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب ، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة .

8708 - حدثنا علي قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ، يعني : الذي يحضره الموت فيقال له : " تصدق من مالك ، وأعتق ، وأعط منه في سبيل الله " . فنهوا أن يأمروه بذلك يعني أن من حضر [ ص: 20 ] منكم مريضا عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق أو الصدقة أو في سبيل الله ، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين ، ويوصي في ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون ، ويوصي لهم بالخمس أو الربع . يقول : أليس يكره أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف يعني صغارا أن يتركهم بغير مال ، فيكونوا عيالا على الناس ؟ فلا ينبغي أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولا أولادكم ، ولكن قولوا الحق من ذلك .

8709 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ، قال يقول : من حضر ميتا فليأمره بالعدل والإحسان ، ولينهه عن الحيف والجور في وصيته ، وليخش على عياله ما كان خائفا على عياله لو نزل به الموت .

8710 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا قال : إذا حضرت وصية ميت فمره بما كنت آمرا نفسك بما تتقرب به إلى الله ، وخف في ذلك ما كنت خائفا على ضعفة ، لو تركتهم بعدك . يقول : فاتق الله وقل قولا سديدا ، إن هو زاغ .

8711 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ، الرجل يحضره الموت ، فيحضره القوم عند الوصية ، فلا ينبغي لهم أن يقولوا له : " أوص بمالك كله ، وقدم لنفسك ، فإن الله سيرزق عيالك " ولا يتركوه يوصي بماله كله ، يقول للذين حضروا : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ، فيقول : كما [ ص: 21 ] يخاف أحدكم على عياله لو مات - إذ يتركهم صغارا ضعافا لا شيء لهم - الضيعة بعده ، فليخف ذلك على عيال أخيه المسلم ، فيقول له القول السديد .

8712 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن حبيب قال : ذهبت أنا والحكم بن عتيبة إلى سعيد بن جبير ، فسألناه عن قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا الآية ، قال قال : الرجل يحضره الموت ، فيقول له من يحضره : " اتق الله ، صلهم ، أعطهم ، برهم " ولو كانوا هم الذين يأمرهم بالوصية ، لأحبوا أن يبقوا لأولادهم .

8713 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا قال : يحضرهم اليتامى فيقولون : " اتق الله ، وصلهم ، وأعطهم " فلو كانوا هم ، لأحبوا أن يبقوا لأولادهم .

8714 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ، الآية ، يقول : إذا حضر أحدكم من حضره الموت عند وصيته ، فلا يقل : " أعتق من مالك ، وتصدق " فيفرق ماله ويدع أهله عيلا ولكن مروه فليكتب ماله من دين وما عليه ، ويجعل من ماله لذوي قرابته خمس ماله ، ويدع سائره لورثته .

8715 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم [ ص: 22 ] الآية قال : هذا يفرق المال حين يقسم ، فيقول الذين يحضرون : " أقللت ، زد فلانا " فيقول الله تعالى : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ، فليخش أولئك ، وليقولوا فيهم مثل ما يحب أحدهم أن يقال في ولده بالعدل إذا أكثر : " أبق على ولدك " .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : وليخش الذين يحضرون الموصي وهو يوصي الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا فخافوا عليهم الضيعة من ضعفهم وطفولتهم أن ينهوه عن الوصية لأقربائه ، وأن يأمروه بإمساك ماله والتحفظ به لولده ، وهم لو كانوا من أقرباء الموصي ، لسرهم أن يوصي لهم .

ذكر من قال ذلك :

8716 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن حبيب قال : ذهبت أنا والحكم بن عتيبة ، فأتينا مقسما فسألناه يعني عن قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا الآية فقال : ما قال سعيد بن جبير ؟ فقلنا : كذا وكذا . فقال : ولكنه الرجل يحضره الموت ، فيقول له من يحضره : " اتق الله وأمسك عليك مالك ، فليس أحد أحق بمالك من ولدك " ولو كان الذي يوصي ذا قرابة لهم ، لأحبوا أن يوصي لهم .

8717 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : قال مقسم : هم الذين يقولون : " اتق الله وأمسك عليك مالك " فلو كان ذا قرابة لهم لأحبوا أن يوصي لهم .

8718 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن [ ص: 23 ] أبيه قال : زعم حضرمي وقرأ : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ، قال قالوا : حقيق أن يأمر صاحب الوصية بالوصية لأهلها ، كما أن لو كانت ذرية نفسه بتلك المنزلة ، لأحب أن يوصي لهم ، وإن كان هو الوارث ، فلا يمنعه ذلك أن يأمره بالذي يحق عليه ، فإن ولده لو كانوا بتلك المنزلة أحب أن يحث عليه ، فليتق الله هو ، فليأمره بالوصية ، وإن كان هو الوارث ، أو نحوا من ذلك .

وقال آخرون : بل معنى ذلك ، أمر من الله ولاة اليتامى أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم ، ولا يأكلوا أموالهم إسرافا وبدارا أن يكبروا ، وأن يكونوا لهم كما يحبون أن يكون ولاة ولده الصغار بعدهم لهم بالإحسان إليهم ، لو كانوا هم الذين ماتوا وتركوا أولادهم يتامى صغارا .

[ ص: 24 ] ذكر من قال ذلك :

8719 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ، يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف ، يخاف عليهم العيلة والضيعة ، ويخاف بعده أن لا يحسن إليه من يليهم ، يقول : فإن ولي مثل ذريته ضعافا يتامى ، فليحسن إليهم ، ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا ، فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا .

وقال آخرون : معنى ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ، يكفهم الله أمر ذريتهم بعدهم .

ذكر من قال ذلك :

8720 - حدثنا إبراهيم بن عطية بن رديح بن عطية قال : حدثني عمي محمد بن رديح ، عن أبيه ، عن السيباني قال : كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك ، وفينا ابن محيريز وابن الديلمي ، وهانئ بن كلثوم قال : فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان . قال : فضقت ذرعا بما سمعت . قال : فقلت لابن الديلمي : يا أبا بشر ، بودي أنه لا يولد لي ولد أبدا ! قال : فضرب بيده على منكبي وقال : يابن أخي ، لا تفعل ، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء ، وإن أبى . قال : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه ، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم الله فيك ؟ قال : قلت : بلى ! قال : فتلا عند ذلك هذه الآية : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا . .

[ ص: 25 ] قال أبو جعفر : وأولى التأويلات بالآية ، قول من قال : تأويل ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم العيلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم ، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليتم والمسكنة ، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم بعدهم ، مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب ، فليأمروا من حضروه وهو يوصي لذوي قرابته - وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بماله بالعدل وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ، وهو أن يعرفوه ما أباح الله له من الوصية ، وما اختاره للموصين من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته .

وإنما قلنا ذلك بتأويل الآية أولى من غيره من التأويلات ، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل : من أن معنى قوله : " وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا " : وإذا حضر القسمة أولو القربي واليتامى والمساكين فأوصوا لهم - بما قد دللنا عليه من الأدلة .

فإذا كان ذلك تأويل قوله : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين الآية ، فالواجب أن يكون قوله تعالى ذكره : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ، تأديبا منه عباده في أمر الوصية بما أذنهم فيه ، إذ كان ذلك عقيب الآية التي قبلها في حكم الوصية ، وكان أظهر معانيه ما قلنا ، فإلحاق حكمه بحكم ما قبله أولى ، مع اشتباه معانيهما ، من صرف حكمه إلى غيره بما هو له غير مشبه . [ ص: 26 ] وبمعنى ما قلنا في تأويل قوله : وليقولوا قولا سديدا ، قال من ذكرنا قوله في مبتدأ تأويل هذه الآية ، وبه كان ابن زيد يقول .

8721 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا قال : يقول قولا سديدا ، يذكر هذا المسكين وينفعه ، ولا يجحف بهذا اليتيم وارث المؤدي ولا يضر به ، لأنه صغير لا يدفع عن نفسه ، فانظر له كما تنظر إلى ولدك لو كانوا صغارا .

و " السديد " من الكلام ، هو العدل والصواب .

التالي السابق


الخدمات العلمية