الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى المحرم وقاعدة الخوف من غير الله تعالى الذي لا يحرم

( الفرق الخامس والستون والمائتان بين قاعدة الخوف من غير الله - تعالى - المحرم وقاعدة الخوف من غير الله - تعالى - الذي لا يحرم ) ورد قوله تعالى { ولم يخش إلا الله } وقوله تعالى { فلا تخشوهم واخشوني } وقوله تعالى { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ونحو ذلك من النصوص المانعة من خوف غير الله - تعالى - وهو المستفيض على ألسنة الجمهور ، وهذه النصوص محمولة على خوف غير الله - تعالى - المانع من فعل واجب أو ترك محرم أو خوف مما لم تجر العادة بأنه سبب للخوف كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة كالعبور بين الغنم يخاف لذلك أن لا تقضى حاجته بهذا السبب فهذا كله خوف حرام ، ومما ورد في هذا الباب ، وهو قليل أن يتفطن له قوله تعالى { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } فمعنى هذا التشبيه في هذه الكاف قل من يحققه ، وهو قد ورد في هذا الباب في سياق الذم والإنكار مع أن فتنة الناس مؤلمة ، وعذاب الله مؤلم ، ومن شبه مؤلما بمؤلم كيف ينكر عليه هذا التشبيه ومدرك الإنكار بين ، وهو أن الله - تعالى - وضع عذابه حاثا على طاعته وزاجرا عن معصيته فمن جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله - تعالى - وزاجرة له عن طاعة الله تعالى فقد سوى بين عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر وشبه الفتنة بعذاب الله - تعالى - من هذا الوجه ، والتشبيه من هذا الوجه حرام قطعا موجب للتحريم واستحقاق الذم الشرعي فأنكر على فاعله ذلك ، وهو من باب خوف غير الله المحرم ، وهو سر التشبيه ها هنا ، وقد يكون الخوف من غير الله - تعالى - ليس محرما كالخوف من الأسود والحيات والعقارب والظلمة ، وقد يجب الخوف من غير الله - تعالى - كما أمرنا بالفرار من أرض الوباء والخوف منها على أجسامنا من الأمراض والأسقام ، وفي الحديث { فر من المجذوم فرارك من الأسد } فصون النفس والأجسام والمنافع والأعضاء والأموال والأعراض عن الأسباب المفسدة واجب ، وعلى هذه القواعد فقس يظهر لك ما يحرم من الخوف من غير الله - تعالى - وما لا يحرم وحيث تكون الخشية من الخلق محرمة وحيث لا تكون فاعلم ذلك

[ ص: 238 ]

التالي السابق


[ ص: 238 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق السابع والستون والمائتان بين قاعدة الخوف من غير الله - تعالى - المحرم وقاعدة الخوف من غير الله - تعالى - الذي لا يحرم ) وهو أن الخوف من غير الله محرم إن كان مانعا من فعل واجب أو ترك محرم ، أو كان مما لم تجر العادة بأنه سبب للخوف كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة كالعبور بين الغنم يخاف أن لا تقضى حاجته بهذا السبب وعلى هذا الخوف المحرم يحمل قوله تعالى : - { ولم يخش [ ص: 258 ] إلا الله } وقوله تعالى { فلا تخشوهم واخشوني } وقوله تعالى { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ونحو ذلك من النصوص كقوله - تعالى - { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } لأن معناه أن من جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله - تعالى - وزجره له عن طاعة الله - تعالى - كما وضع الله - تعالى - عذابه حاثا على طاعته وزاجرا عن معصيته فقد سوى بين عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر فتشبيهه الفتنة بعذاب الله - تعالى - من هذا الوجه حرام قطعا موجب لاستحقاق الذم الشرعي ، وهو من باب خوف غير الله - تعالى - المحرم وهو سر التشبيه ها هنا وأن الخوف من غير الله - تعالى - غير محرم إن كان غير مانع من فعل واجب أو ترك محرم وكان مما جرت العادة بأنه سبب للخوف كالخوف من الأسود والحيات والعقارب والظلمة وكالخوف من أرض الوباء ، ومن المجذوم على أجسامنا من الأمراض والأسقام بل صون النفوس والأجسام والمنافع والأعضاء والأموال والأعراض عن الأسباب المفسدة واجب لقوله تعالى { ، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } .

وقوله : صلى الله عليه وسلم { فر من المجذوم فرارك من الأسد } وعلى هذه القواعد فقس يظهر لك ما يحرم من الخوف من غير الله - تعالى - وما لا يحرم ، وحيث تكون الخشية من الخلق محرمة ، وحيث لا تكون فاعلم ذلك ، هذا تنقيح ما في الأصل ، وصححه ابن الشاط قلت : ومراده بالخوف من أرض الوباء خوف من لم يدخلها من دخولها ففي الجامع الصغير مما رواه أحمد في مسنده والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف والنسائي عن أسامة بن زيد قال صلى الله عليه وسلم { إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه } قال المناوي : أي يحرم عليكم ذلك ؛ لأن الإقدام عليه جرأة على خطر وإيقاع للنفس في التهلكة والشرع ناه عن ذلك قال الله - تعالى - { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وقال الشيخ : النهي للتنزيه أفاده العزيزي فلا ينافي ما رواه الإمام أحمد في مسنده وعبد بن حميد عن جابر من قوله صلى الله عليه وسلم { الفار من الطاعون كالفار من الزحف ، والصابر فيه كالصابر في الزحف } وفي رواية عنه أيضا { الفار من الطاعون كالفار من الزحف ، ومن صبر فيه كان له أجر شهيد } كما في الجامع الصغير للحافظ السيوطي فإن معناه كما في شرح العزيزي أنه كما يحرم الفرار من الزحف يحرم الخروج من بلد وقع فيها الطاعون بقصد الفرار ا هـ وفي حاشية الحفني فإن خرج لنحو زيارة أو تجارة فلا بأس بذلك . ا هـ .

وسيأتي نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أنه قال : معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا عدوى } أنه محمول على بعض الأمراض بدليل تحذيره عليه السلام [ ص: 259 ] من القدوم على بلد فيه الوباء ا هـ كما حصل العزيزي على الجامع الصغير ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من قوله صلى الله عليه وسلم { فمن أعدى الأول } كما في الجامع الصغير على خصوص سببه فقال قاله لمن استشهد على العدوى بإعداء البعير الأجرب للإبل ، وهو من الأجوبة المسكتة ؛ إذ لو جلبت الأدواء بعضها بعضا لزم فقد الداء الأول لفقد الجالب فالذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ، وهو الله - سبحانه وتعالى - الخالق القادر على كل شيء ا هـ وذلك البعض هو ما لم تتمحض ، ولم تجر لا بطريق الاطراد ولا الغلبة عادة الله - تعالى - به في حصول الضرر من حيث هو هو كالجرب بخلاف ما كانت عادة الله - تعالى - به في حصول الضرر اضطرارية ، أو أكثرية كالجذام ، فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده ، وإذا لم تدل على شيء حرم اعتقاده كما سيتضح والله - سبحانه وتعالى - أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث