الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الطيرة وقاعدة الفأل الحلال والفأل الحرام

( الفرق السابع والستون والمائتان بين قاعدة الطيرة ، وقاعدة الفأل الحلال المباح والفأل الحرام )

أما التطير والطيرة فقد تقدمت حقيقتهما وأحكامهما ، وأما الفأل فهو ما يظن عنده الخير عكس الطيرة والتطير غير أنه تارة يتعين للخير ، وتارة للشر وتارة مترددا بينهما فالمتعين للخير مثل الكلمة الحسنة يسمعها الرجل من غير قصد نحو يا فلاح يا مسعود ومنه تسمية الولد والغلام بالاسم الحسن حتى متى سمع استبشر القلب فهذا فأل حسن مباح مقصود وقد ورد في الصحيح أنه عليه السلام حول أسماء مكروهة من أقوام كانوا في الجاهلية بأسماء حسنة فهذان القسمان هما الفأل المباح وعليهما يحمل قولهم : { إنه عليه السلام كان يحب الفأل الحسن } وأما الفأل الحرام فقد قال الطرطوشي في تعليقه إن أخذ : الفأل من المصحف وضرب الرمل والقرعة والضرب بالشعير وجميع هذا النوع حرام ؛ لأنه من باب الاستقسام بالأزلام .

والأزلام أعواد كانت في الجاهلية مكتوب على أحدهما افعل وعلى الآخر لا تفعل وعلى الآخر غفل فيخرج أحدهما ، فإن وجد عليه افعل أقدم على حاجته التي يقصدها أو لا تفعل أعرض عنها واعتقد أنها ذميمة ، أو خرج المكتوب عليه غفل أعاد الضرب فهو يطلب قسمه من الغيب بتلك الأعواد فهو استقسام أي طلب القسم الجيد يتبعه ، والرديء يتركه ، وكذلك من أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنما يعتقد هذا

[ ص: 241 ] المقصد إن خرج جيدا اتبعه أو رديئا اجتنبه فهو عين الاستقسام بالأزلام الذي ورد القرآن بتحريمه فيحرم ، وما رأيته حكى في ذلك خلافا ، والفرق بينه وبين القسم الذي تقدم الذي هو مباح أن هذا متردد بين الخير والشر ، والأول متعين للخير فهو يبعث على حسن الظن بالله - تعالى - فهو حسن ؛ لأنه وسيلة للخير ، والثاني بصدد أن يبين سوء الظن بالله - تعالى - فحرم لذلك ، وهو يحرم لسوء الظن بغير سبب تقتضيه عادة فيلحق بالطيرة فهذا هو تلخيص الفرق بين التطير والفأل المباح والفأل الحرام

[ ص: 241 ]

التالي السابق


[ ص: 241 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق التاسع والستون والمائتان بين قاعدة الطيرة وقاعدة الفأل الحلال المباح والفأل الحرام )

وهو أن بين الطيرة والفأل التباين الكلي ، وذلك أنه قد تقدمت حقيقة التطير والطيرة ، وأحكامها .

وأما الفأل فهو ما يظن عنده [ ص: 262 ] الخير عكس الطيرة والتطير فإن ما يتطير ويتشاءم به لرؤية أو سماع هو ما يظن عنده السوء والشر ففي العزيزي على الجامع الصغير عند قوله صلى الله عليه وسلم من الحديث الذي رواه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه { وإذا تطيرتم فامضوا ، وعلى الله فتوكلوا } أي وإذا خرجتم لنحو سفر ، أو عزمتم على فعل شيء فتشاءمتم به لرؤية أو سماع ما فيه كراهة فلا ترجعوا وفوضوا أموركم إلى الله - تعالى - لا إلى غيره ، والتجئوا إليه في دفع شر ما تطيرتم به ا هـ قلت : ولا ينافيه ما في الموطإ وغيره { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل خيبر وأبصر مسحاة وزنبيلا قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين } لما تقدم توضيحه فلا تغفل ما ذكر من كون الفأل والطيرة متباين تباينا كليا هو صريح قول صاحب المختار : الفأل أن يكون الرجل مريضا فيسمع آخر يقول : يا سالم ، أو يكون طالبا فيسمع آخر يقول : يا واجد يقال تفاءل بكذا بالتشديد وفي الحديث { كان يحب الفأل ويكره الطيرة } ا هـ بلفظه .

لكن ومقتضى قولهم : إنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل الحسن أن الفأل أعم مطلقا من الطيرة وأنه عبارة عما يظن عنده الخير أو الشر ، وذلك أنه تارة يتعين للخير وتارة للشر ، وتارة يتردد بينهما فالمتعين للخير مثل الكلمة الحسنة يسمعها الرجل من غير قصد نحو يا فلاح يا مسعود ومنه تسمية الولد والغلام بالاسم الحسن حتى متى سمع استبشر القلب ومثل المنظر الحسن يراه الرجل من غير قصد فيستبشر به .

ومنه إرسال الرسول الحسن الوجه لقضاء الحوائج وطلب الحوائج ممن كان حسن الوجه أملا في قضائها ، وفي الحديث { اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه } وعقده الصرصري رحمه الله تعالى بقوله :

ألا يا رسول الإله الذي هدانا به الله في كل تيه     سمعت حديثا من المسندات
يسر فؤاد النبيل النبيه     وأنك قد قلت فيه اطلبوا الح
وائج عند حسان الوجوه     ولم أر أحسن من وجهك ال
كريم فجد لي بما أرتجيه

فهذا فأل حسن مقصود والمتعين للشر مثل الكلمة القبيحة يسمعها الرجل من غير قصد نحو يا خيبة يا ويل ومنه كراهة تسمية الولد والغلام بالاسم القبيح فمن ثم ورد في الصحيح أنه عليه السلام { حول أسماء مكروهة من أقوام كانوا في الجاهلية بأسماء حسنة } [ ص: 263 ] وخرج مالك في الموطإ عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل ما اسمك فقال جمرة فقال : ابن من قال ابن شهاب قال : ممن قال الحرة قال ابن مالك قال بحرة النار قال بأيها قال بذات لظى قال عمر أدرك أهلك فقد احترقوا قال فكان كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومثل المنظر القبيح يراه المرء من غير قصد فيتشاءم به كما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم { لما دخل خيبر ورأى زنبيلا ومسحاة قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين } ومنه كراهة إرسال الرسول الوخش لقضاء الحوائج أو كراهة طلب الحوائج ممن كان قبيح الوجه حذرا من عدم قضائها فهذا قال قبيح مباح ، والمتردد بينهما هو الفأل الحرام الذي بينه الطرطوشي في تعليقه فقال : إن أخذ الفأل من المصحف .

وضرب الرمل والقرعة ، والضرب بالشعير ، وجميع هذا النوع حرام ؛ لأنه من باب الاستقسام بالأزلام لأزلام أعواد كانت في الجاهلية مكتوب على أحدها افعل ، وعلى الآخر لا تفعل ، وعلى الآخر غفل فيخرج أحدها ، فإن وجد عليه افعل أقدم على حاجته التي يقصدها أو لا تفعل أعرض عنها ، واعتقد أنها ذميمة أو خرج المكتوب عليها غفل أعاد الضرب فهو يطلب قسمه من الغيب بتلك الأعواد فهو استقسام أي طلب القسم ، الجيد يتبعه والرديء يتركه ، وكذلك من أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنما يعتقد هذا المقصد إن خرج جيدا اتبعه أو رديئا اجتنبه فهو عين الاستقسام بالأزلام الذي ورد القرآن بتحريمه فيحرم ا هـ قال الأصل : وما رأيته يعني الطرطوشي حكى في ذلك خلافا ، والفرق بينه وبين ما هو متعين للخير أو للشر هو أن تحريمه لما فيه من سوء الظن بالله - تعالى - بغير سبب تقتضيه عادة ربانية فالحق بالطيرة وإباحة المتعين للخير ؛ لأنه وسيلة للخير من حيث إنه يبعث على حسن الظن بالله - تعالى - وإباحة المتعين للشر ؛ لأنه ، وإن كان وسيلة للشر وسوء ظن بالله - تعالى - إلا أنه بسبب تقتضيه عادة الله - تعالى - وقد تقدم أن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده فهذا هو تلخيص الفرق بين التطير والفأل المباح والفأل الحرام هذا توضيح وتنقيح ما في الأصل ، وصححه ابن الشاط والله - سبحانه وتعالى - أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث