الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


662 [ ص: 117 ] ( 10 ) باب ما جاء في حجامة الصائم

622 - وذكر فيه عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أنه كان يحتجم وهو صائم ، [ ص: 118 ] قال : ثم ترك ذلك بعد . فكان إذا صام ، لم يحتجم ، حتى يفطر .

623 - وذكر عن ابن شهاب ، أن سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، كانا يحتجمان وهما صائمان .

624 - وعن هشام بن عروة ، عن أبيه ; أنه كان يحتجم وهو صائم ، ثم لا يفطر . قال : وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم .

التالي السابق


14204 - قال أبو عمر : أما ابن عمر فإنما ترك الحجامة صائما لما بلغه فيها - والله أعلم - ومن الورع بالموضع المعلوم .

14205 - وأما عروة بن الزبير فإنه كان يواصل الصوم ، فمن هنا قال ابنه : ما احتجم إلا وهو صائم .

14206 - وأما سعد فإن حديثه في " الموطأ " منقطع ، ورواه عفان عن عبد الواحد بن زياد ، عن عثمان بن حكيم ، عن عامر بن سعد ، قال : كان أبي يحتجم وهو صائم .

14207 - قال أبو عمر : هذا الخبر عن سعد يضعف حديث سعد المرفوع إلى [ ص: 119 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أفطر الحاجم والمحجوم " .

14208 - وقد أنكروه على من رواه عن سعد ; لما جاء عنه عن طريق ابن شهاب وغيره أنه كان يحتجم وهو صائم . وحديثه في " أفطر الحاجم والمحجوم " انفرد به داود بن الزبرقان وهو متروك الحديث ، عن محمد بن جحادة ، عن [ ص: 120 ] مصعب بن سعد ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

14209 - وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " أفطر الحاجم والمحجوم " من طرق يصحح بعضها أهل العلم بالحديث ، منها : 14210 - حديث رافع بن خديج .

14211 - وحديث ثوبان .

[ ص: 121 ] 14212 - وحديث شداد بن أوس .

[ ص: 122 ] 14213 - وهذه أحسن ما روي في هذا المعنى .

14214 - قال أبو داود : قلت لأحمد بن حنبل : أي حديث أصح في " أفطر الحاجم والمحجوم " ؟ قال : حديث ثوبان .

[ ص: 123 ] 14215 - قال أبو عمر : لم يخرج أبو داود غيره ، وخرج حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم صائما .

14216 - وأما حديث أسامة بن زيد ، وحديث معقل بن سنان ، وحديث أبي هريرة فمعلولة ; لا يثبت شيء منها من جهة النقل .

14217 - وقد جاء عن عائشة وابن عباس في ذلك ما لا يصح عندهما ، بل الصحيح عنها وعن ابن عباس خلاف ذلك .

14218 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم .

[ ص: 124 ] 14219 - ورواه وهب عن أيوب بإسناده مثله ، وزاد : " وهو محرم " .

14220 - ورواه هشام بن حسان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

14221 - ورواه مقسم عن ابن عباس ، قال : احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صائما محرما .

14222 - فحديث ابن عباس صحيح لا مدفع فيه ، ولا يختلف في صحته وثبوته .

14223 - وقد صحح أحمد بن حنبل حديث ثوبان .

[ ص: 125 ] 14224 - وحديث شداد بن أوس ، وحديث رافع بن خديج في " أفطر الحاجم والمحجوم " .

14225 - قال : علي بن المديني : حديث رافع بن خديج صحيح .

14226 - قال أبو عمر : رواه جماعة منهم معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ، عن السائب بن يزيد ، عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أفطر الحاجم والمحجوم " .

14227 - والقول عندي في هذه الأحاديث أن حديث ابن عباس " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم صائما محرما ، ناسخ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " أفطر الحاجم والمحجوم " لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر عام الفتح على رجل يحتجم لثماني عشر ليلة خلت من رمضان ، فقال : " أفطر الحاجم والمحجوم " . فابن عباس شهد معه حجة الوداع ، وشهد حجامته يومئذ محرم صائم ، فإذا كانت حجامته - عليه السلام - عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة ؛ لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان ، لأنه توفي في ربيع الأول - صلى الله عليه وسلم - وإنما وجه النظر والقياس في ذلك بأن الأحاديث متعارضة متدافعة في إفساد صوم من احتجم ، فأقل أحوالها أن يسقط الاحتجاج بها ، والأصل أن الصائم لا يقضى بأنه مفطر إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض لها .

14228 - ووجه آخر من القياس ، وهو ما قال ابن عباس " الفطر مما دخل لا [ ص: 126 ] مما خرج " .

14229 - وقد أجمعوا على ألا يقال للخارجة من جميع البدن - نجاسة كانت أو غيرها - إنها لا تفطر الصائم ; لخروجها من بدنه ; فكذلك الدم في الحجامة وغيرها .

14230 - فإن احتج محتج بحديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من ذرعه القيء فلا شيء عليه ، ومن استقاء فعليه القضاء " .

14231 - وبحديث أبي الدرداء ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر .

[ ص: 127 ] 14232 - قيل له : هذه حجة لنا ؛ لأنه لما لم يكن على من ذرعه القيء شيء ، دل على أن ما خرج من نجس وغيره من الإنسان لا يفطره ، وكان المستقيء بخلاف ذلك ؛ لأنه لا يرى منه رجوع بعض القيء في حلقه لتردد ذلك وتصعده ورجوعه .

14233 - وأما الحديث عنه - عليه السلام - أنه قاء فأفطر ، فليس بالقوي . ومعنى قاء : استقاء . والمعنى فيه ما ذكرنا .

14234 - وقد روي عن النبي - عليه السلام - بمثل هذه الأسانيد من حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ثلاث لا يفطرن الصائم : القيء ، والحجامة ، والاحتلام " .

14235 - ومن حديث حميد الطويل ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبلة ، وفي الحجامة للصائم .

[ ص: 128 ] 14236 - ومن حديث أبي سعيد أيضا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم .

14237 - وحسبك بحديث ابن عباس في ذلك ، فإنه لا مدفع فيه عند جماعة أهل العلم بالحديث .

14238 - وهذا بيان تهذيب هذه المسألة من طريق الأثر ، ومن طريق القياس والنظر .

14239 - وهذه المقايسة إنما تصح في المحجوم لا الحاجم . ويرجع ذلك إلى أنها من العبادات التي لا يوقف على عللها ، وأنها مسألة أثرية لا نظرية ، ولهذا ما قدمنا الآثار في الواردة بها ، وقد اضطربت وصح النسخ فيها ؛ لأن حجامته - صلى الله عليه وسلم - صحت عنه وهو صائم محرم عام حجة الوداع ، وقوله : " افطر الحاجم والمحجوم " كان منه عام الفتح في صحيح الأثر بذلك .

14240 - وأما الحاجم فقد أجمعت الأمة أن رجلا لو سقى رجلا ماء ، وأطعمه خبزا طائعا أو مكرها - لم يكن بفعله ذلك لغيره مفطرا .

14241 - فدل ذلك على أن الحديث ليس على ظاهره في حكم الفطر ، وإنما هو في ذهاب الأجر لما علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك كما روي : " من لغى يوم الجمعة فلا جمعة له " يريد ذهاب أجر جمعته باللغو .

14242 - وقد قيل : إنهما كانا يغتابان غيرهما ، أو قاذفين فبطل أجرهما لا حكم صومهما ، والله أعلم .

[ ص: 129 ] 14243 - وما ذكرناه هو أصح من هذا وأولى بذوي العلم إن شاء الله .

14244 - وأما اختلاف العلماء فيها فمعلوم من الصحابة ومن بعدهم .

14245 - روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كرهوا الحجامة للصائم ، وقال منهم جماعة : لا بأس بها للصائم .

14246 - ويحتمل أن يكون كرهها من كرهها منهم لما يخشى على فاعلها من الضعف عن تمام صومه من أجلها .

14247 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : " حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا القعنبي ، قال : حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا مخافة الجهد .

14248 - وأما اختلاف فقهاء الأمصار في ذلك .

فقال مالك في " الموطأ " : لا تكره الحجامة للصائم إلا خشية أن يضعف ، ولو أن رجلا احتجم وسلم من أن يفطر لم أر عليه قضاء .

14249 - وهو قول الثوري .

14250 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن احتجم الصائم لم يضره شيء .

14251 - وقال أبو ثور : أحب إلي أن لا يحتجم أحد صائما ، فإن فعل لم يفطر ، وهو باق على صومه .

14252 - وهذا معنى قول الشافعي ؛ لأنه قال في بعض كتبه : روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أفطر الحاجم والمحجوم " وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم [ ص: 130 ] محرم . وقال : لا أعلم واحدا من الحديثين ثابتا . ولو توقى رجل الحجامة صائما كان أحب إلي . وإن احتجم صائما لم أر ذلك يفطره .

14253 - وأما أحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، فقالا : لا يجوز لأحد أن يحتجم صائما ، فإن فعل فعليه القضاء .

14254 - وبه قال داود ، والأوزاعي ، وعطاء .

14255 - إلا أن عطاء ، قال : إن احتجم ساهيا لصومه أو جاهلا ; فعليه القضاء ، وإن احتجم متعمدا ; فعليه القضاء والكفارة .

14256 - قال أبو عمر : شذ عطاء عن جماعة العلماء في إيجابه الكفارة في ذلك ، وقوله أيضا خلاف السنة فيمن استقاء عامدا فعليه القضاء والكفارة .

14257 - وقال ابن المبارك : من احتجم قضى ذلك اليوم .

14258 - وقال عبد الرحمن بن مهدي : من احتجم وهو صائم فعليه القضاء .

14259 - قال أبو عمر : لا قضاء عليه لما قدمنا وهو الصحيح ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث