الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

الأصل الرابع

فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع

وهو نوعان ؛ يتعلق أحدهما بالنظر في السند ، والآخر بالنظر في المتن

النوع الأول - النظر في السند

وهو الإخبار عن المتن ، ويشتمل على ثلاثة أبواب

الباب الأول

في حقيقة الخبر وأقسامه

أما حقيقة الخبر ، فاعلم أولا أن اسم الخبر قد يطلق على الإشارات الحالية والدلائل المعنوية ، كما في قولهم : " عيناك تخبرني بكذا ؛ والغراب يخبر بكذا " .

ومنه قول الشاعر :


وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب





[1]

وقد يطلق على قول مخصوص لكنه مجاز في الأول وحقيقة في الثاني بدليل تبادره إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر ، والغالب إنما هو اشتهار استعمال اللفظ في حقيقته دون مجازه .

ثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل : قام زيد ، وقعد [ ص: 4 ] عمرو .

وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس ، المعبر عنه بالصيغة كما قررناه في الكلاميات .

والأشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة ؛ لتبادرها إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر [2] وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده ؟

اختلفوا فيه : فمن أصحابنا من قال : لا سبيل إلى تحديده ، بل معناه معلوم بضرورة العقل . ودل على ذلك بأمرين :

الأول : أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود ، وأنه ليس بمعدوم ، وأن الشيء الواحد لا يكون موجودا معدوما .

ومطلق الخبر جزء من معنى الخبر الخاص ، والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء ، فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر موقوفا على الاكتساب ، لكان تصور الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك .

الثاني : أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر [3] عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر ، ولولا أن هذه الحقائق متصورة لما كان كذلك ، وهو ضعيف .

أما قوله : إنه معلوم بالضرورة فدعوى مجردة ، وهي مقابلة بنقيضها . وما ذكره من الدلالة على ذلك ، فهو دليل على أن العلم به غير ضروري ؛ لأن الضروري هو الذي لا يفتقر في العلم به إلى نظر ودليل يوصل إليه ، وما يفتقر إلى ذلك فهو نظري لا ضروري .

فإن قيل : ما ذكرناه إنما هو بطريق التنبيه ، لا بطريق الدلالة ؛ لأن من الضروريات ما يفتقر إلى نوع تذكير وتنبيه على ما علم في مواضعه ، فهو باطل من وجهين .

الأول : أنه لو قيل ذلك لأمكن دعوى الضرورة في كل علم نظري . وأن ما ذكروه من الدليل إنما هو بطريق التنبيه دون الدلالة ، وهو محال .

الثاني : أن ما ذكره في معرض التنبيه غير مفيد .

أما الوجه الأول فهو باطل من وجهين :

الأول : أن علم الإنسان بوجود نفسه ، وإن كان ضروريا وكذلك العلم باستحالة كون الشيء الواحد موجودا معدوما معا . فغايته أنه علم ضروري بنسبة خاصة ، [ ص: 5 ] أو بسلب نسبة خاصة ، ولا يلزم منه أن يكون ذلك علما بحقيقة الخبر من حيث هو خبر ، وهو محل النزاع .

فإن قيل : إذا كانت تلك النسبة الخاصة معلومة بالضرورة فلا معنى لكون ذلك المعلوم خبرا سوى تلك النسبة الخاصة فهو [4] عود إلى التحديد وترك لما قيل .

الثاني : إنا ؛ وإن سلمنا أن مثل هذه الأخبار الخاصة معلومة بالضرورة ، فلا يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هو خبر كذلك ، قوله : لأن الخبر المطلق جزء من الخبر الخاص ، ليس كذلك ؛ لأن الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص فلو كان جزءا من معنى الخبر الخاص ، لكان الأعم منحصرا في الأخص وهو محال .

فإن قيل : الأعم لا بد وأن يكون مشتركا فيه بين الأمور الخاصة التي تحته ، ولا معنى لاشتراكها فيه سوى كونه جزءا من معناها .

قلنا : أما أولا ، فإنه لا معنى لكون [5] الأعم مشتركا فيه أنه موجود في الأنواع أو الأشخاص التي هي أخص منه ، بل بمعنى لحد أن حد الطبيعة التي عرض لها إن كانت كلية مطلقة مطابق طبائع الأمور الخاصة تحتها .

وأما ثانيا : فلأنه ليس كل عام يكون جزءا من معنى الخاص ، ومقوما له بجواز [6] أن يكون من الأعراض العامة الخارجة عن مفهوم المعنى الخاص ، كالأسود والأبيض بالنسبة إلى ما تحتهما من معنى الإنسان والفرس ونحوه .

وأما الوجه الثاني : فباطل أيضا من جهة أن العلم الضروري إنما هو واقع بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الأمر وما يحسن فيه الخبر بعد معرفة الأمر والخبر ، أما قبل ذلك فهو غير مسلم .

نعم ؛ غاية ما في ذلك أنه يعلم التفرقة بين ما يجده في نفسه من طلب الفعل والنسبة بين أمرين على وجه خاص ، وليس هو العلم بحقيقة الأمر والخبر . فإن قيل إنه لا معنى للأمر والخبر سوى ذلك المعلوم الخاص ، فهو أيضا عود إلى التحديد .

كيف وإن [ ص: 6 ] ما ذكره يوجب أن يكون الأمر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء الخبر .

وهذا القائل بعينه قد عرف الأمر بالتحديد ، حيث قال : الأمر هو طلب الفعل على سبيل الاستعلاء .

وأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر اللفظي . وحقائق أنواع الألفاظ وانقسامها إلى أمر ونهي ، وخبر وغير ذلك مما لا سبيل إلى القول بكونه معلوما بالضرورة ، لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح .

ولهذا ، فإن العرب لو أطلقوا اسم الأمر على المفهوم من الخبر الآن ، واسم الخبر على مفهوم الأمر ؛ لما كان ممتنعا ، وما يتبدل ويختلف باختلاف الاصطلاحات فالعلم بمعناه لا يكون ضروريا .

وإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف بالحد والنظر ، لكن اختلفوا في حده ، فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم : إن الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب . وقد أورد عليه إشكالات أربعة :

الأول : أنه منتقض بقول القائل : محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة ، ولا يدخله الصدق ، وإلا كان مسيلمة صادقا ، ولا الكذب ، وإلا كان محمد كاذبا وهو خبر ، وكذلك من كذب في جميع أخباره فقال : جميع أخباري كذب ، فإن قوله هذا خبر ، ولا يدخله الصدق .

وإلا كانت جميع أخباره كذبا ، وهو من جملة أخباره ولا يدخله الكذب ، وإلا كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا ، وصدق في قوله ( جميع أخباري كذب ) .

الثاني : أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق إلى يفضي إلى الدور ؛ لأن تعريف الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر الموافق للمخبر ، والكذب بضده ، وهو ممتنع .

الثالث : إن الصدق والكذب متقابلان ، ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد . ويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا ، وهو محال ، وإما وجود الخبر مع امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه ، فيكون المحدود متحققا دون ما قيل بكونه حدا له وهو أيضا محال .

[ ص: 7 ] الرابع : أن الباري تعالى له خبر ، ولا يتصور دخول الكذب فيه .

وقد أجاب الجبائي عن قول القائل " محمد ومسيلمة صادقان " بأن هذا الكلام يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر ، فكأنه قال : أحدهما صادق حال صدق الآخر .

ولو قال ذلك كان قوله كاذبا ، فكذلك إذا قال : هما صادقان وهو إنما يصح أن لو كان معنى هذا الكلام ما قيل ، وليس كذلك بل قوله : هما صادقان أعم من كون أحدهما صادقا ، حال صدق الآخر وقبله وبعده . والأعم غير مشعر بالأخص ، ولا يلزم من كذب الأخص كذب الأعم .

وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين أحدهما خبر بصدق الرسول ، والآخر خبر بصدق مسيلمة .

والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب ، فكذلك هاهنا .

وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر ، وليس بحق أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين ، وذلك غير مانع من وصفه بالصدق والكذب ، بدليل الكذب في قول القائل : كل موجود حادث وإن كان يفيد حكما واحدا لأشخاص متعددة .

وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال : المراد من قولنا : " ما دخله الصدق والكذب " أن اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به : صدقت أو كذبت . وهو أيضا غير صحيح ، فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب ، وهو غير الصدق والكذب في نفس الخبر .

وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب ؛ لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما معا مع عدم إضافته إليهما معا ، وهو وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا فلا يدخله الصدق ، وقد قيل : الخبر ما يدخله الصدق والكذب ، والحق في الجواب أن يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين ؛ أحدهما صادق وهو إضافة الصدق إلى محمد . والآخر كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة .

وأما الإلزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه ، إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه ، أو غير مطابق .

فإن كان الأول فهو صدق ، وإن كان الثاني فهو كذب لاستحالة الجمع بين المتناقضين في السلب أو الإيجاب .

[ ص: 8 ] وأما الإشكال الثاني ، فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر معلوم لنا ، وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر ؛ بل فصله وتمييزه عن غيره ، فإذا عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا ، وهو غير صحيح ؛ لأنه إذا كان تمييز الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب فتمييز الصدق والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الأمرين في تمييزه عن غيره على الآخر ، وهو عين الدور بل لو قيل : إن الصدق والكذب وإن كان داخلا في حد الخبر ومميزا له ، فلا نسلم أن الصدق والكذب مفتقر في معرفته إلى الخبر ، بل الصدق والكذب معلوم لنا بالضرورة ، لكان أولى .

وأما الإشكال الثالث ، فقد قيل في جوابه إن المحدود إنما هو جنس الخبر ، وهو قابل لدخول الصدق والكذب فيه كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون ، وهو غير صحيح . فإن الحد ـ وإن كان لجنس الخبر ـ فلا بد وأن يكون الحد موجودا في كل واحد من آحاد الأخبار ، وإلا لزم منه وجود الخبر دون حد الخبر وهو ممتنع .

ولا يخفى أن آحاد الأخبار الشخصية مما لا يجتمع فيه الصدق والكذب ، والحق في ذلك أن ( الواو ) وإن كانت ظاهرة في الجمع المطلق ، غير أن المراد بها الترديد بين القسمين تجوزا .

وأما الإشكال الرابع فقد قيل في جوابه مثل جواب الإشكال الذي قبله ، وقد عرف ما فيه .

ومن الناس من قال : الخبر ما دخله الصدق أو الكذب ، ويرد عليه الإشكالان الأولان من الإشكالات الواردة على الحد الأول دون الأخيرين [7]

وقد عرف ما فيهما .

ويرد عليه إشكال آخر خاص به ، وهو أن الحد معروف للمحدود ، وحرف ( أو ) للترديد ، وهو مناف للتعريف .

ويمكن أن يقال في جوابه : إن الحكم بقبول الخبر لأحد هذين الأمرين من غير تعيين جازم لا تردد فيه وهو المأخوذ في التحديد .

وإنما التردد في اتصافه بأحدهما عينا ، وهو غير داخل في الحد .

وقيل ما يدخله التصديق والتكذيب . .

[ ص: 9 ] ومنهم من قال : هو ما يدخله التصديق والتكذيب ، ويرد عليهما تعريف الخبر بالتصديق والتكذيب المتوقف على معرفة الصدق والكذب المتوقف على معرفة الخبر والترديد . وقد عرف ما في كل واحد منهما .

وقال أبو الحسين البصري : الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر نفيا أو إثباتا .

واحترز بقوله ( بنفسه ) عن الأمر ، فإنه يستدعي كون الفعل المأمور به واجبا لكن لا بنفسه ، بل بواسطة ما استدعاه الأمر بنفسه من طلب الفعل الصادر من الحكيم ، وهو منتقض بالنسب التقييدية كقول القائل : حيوان ناطق ، فإنه أفاد بنفسه إثبات النطق للحيوان ، وليس بخبر .

فإن قال : إن ذلك ليس بكلام . ونحن . فقد قيدنا الحد بالكلام . قلنا : هذا منه لا يصح فإن [8] حد الكلام بما انتظم من الحروف المسموعة المميزة من غير اعتبار قيد آخر .

وحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق فيما نحن فيه ، فكان على أصله كلاما .

والمختار فيه أن يقال : الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها .

أما قولنا ( اللفظ ) فهو كالجنس للخبر وغيره من أقسام الكلام ويمكن أن يحترز به عن الخبر المجازي مما ذكرناه أولا .

وقولنا : ( الدال ) احتراز عن اللفظ المهمل .

وقولنا : ( بالوضع ) احتراز عن اللفظ الدال بجهة الملازمة .

وقولنا : ( على نسبة ) احتراز عن أسماء الأعلام ، وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة .

وقولنا : ( معلوم إلى معلوم ) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم .

وقولنا : ( سلبا أو إيجابا ) حتى يعم " ما " مثل قولنا : زيد في الدار ، ليس في الدار .

وقولنا : ( يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى إتمام ) احتراز عن اللفظ الدال على النسب التقييدية .

[ ص: 10 ] وقولنا ( مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها ) احتراز عن صيغة الخبر إذا وردت . ولا تكون خبرا ، كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي لها ، أو لقصد الأمر مجازا كقوله تعالى : ( والجروح قصاص ) ، وقوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن ) ، ( والمطلقات يتربصن ) ، ( ومن دخله كان آمنا ) ونحوه ، حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث