الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في تفسير قوله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا

[ ص: 171 ] فصل

في تفسير قوله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين [ ص: 172 ] قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين :

فصل في أن عبادة الله تعالى تمنع من معصيته، وأن إرادة هذا وهذا ضدان لا يوجد أحدهما إلا لنقص الآخر. والإنسان إذا وقع منه ذنب كان لنقص عبادته لله تعالى، وهذا كما قال تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين [القصص: 83].

فأخبر سبحانه أنه جعل الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، فوصفهم بأنهم لا يريدون واحدا من هذين، فمن أراد أحد هذين لم يكن من هؤلاء الذين أخبر أنه جعل لهم الدار الآخرة.

وهو تعالى لم يصفهم بهذا إلا بعدم الإرادة، والعدم المحض لا يستحق به الثواب; لأن عدم هذه الإرادة لا يكون إلا إذا أرادوا ما أمرهم به من عبادته وحده لا شريك له، ولذلك استحقوا الدار الآخرة.

وقال في المخالفين لهؤلاء: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين [القصص: 4]، وقال تعالى: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين [النمل: 13 – 14]، فوصفهم بالظلم والعلو.

وقوله تعالى سبحانه : لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ذكر الفساد [ ص: 174 ] مقرونا بالعلو، والفساد المطلق يتناول إرادة العلو; فإن هذا من الفساد الذي هو خلاف الصلاح، وهذا قد يكون من عطف العام على الخاص، وقد يكون لما قيد بالعطف صار عطف خاص على خاص، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن، مثل قوله تعالى: أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا [المائدة: 32]، وقتل النفس أيضا فساد.

وقد قال تعالى في الفساد المطلق: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [البقرة: 11 – 12]، وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين [الأعراف: 142]، وقال تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [البقرة: 205]، وقال تعالى عن صالح: فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون [الشعراء: 150 – 152].

وقد ذكر الله المحرمات بقوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33]، والجميع فساد.

وهن إثم وعدوان، قال تعالى: فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [المؤمنون: 7]، وقال تعالى: ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه [الطلاق: 1]، [ ص: 175 ] وقال تعالى: إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون [الأعراف: 81].

والمدح بالأمور العدمية لا يكون إلا لأنها تستلزم أمورا وجودية، كما قد بسط هذا في غير موضع، فما ينفى من صفات النقص وما ينزه عنه من الأفعال المذمومة، فإن ما يمدح به من نفي صفات النقص يستلزم أمورا وجودية من صفات الكمال، وما ينزه عنه من الأفعال المذمومة يستلزم وجود ما يمدح به من الأفعال المحمودة.

فإن الإنسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء الحارث وهمام»، لا يزال حارثا هماما، وهو حساس متحرك بالإرادة.

وفي الحديث: «للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا»، [ ص: 176 ] و «مثل القلب مثل ريشة ملقاة في أرض فلاة».

والنفس طبيعتها الحركة، ولهذا قال بعضهم: «نفسك إن لم تشغلها شغلتك»، إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

فالإنسان لا يعدل عن فعل إلا لاشتغاله بفعل آخر، ولا يترك إرادة يهواها إلا لإرادة أخرى، إما إرادة محبوب هو أحب إليه من الأول، فيتركه لأجلها; لأن الضدين لا يجتمعان. وإما لمكروه يتحصل له من ذاك، فتكون إرادته للسلامة من ذاك ولنجاته منه مانعا من إرادة ذلك المكروه.

فإذا كان الله تعالى أحب إلى العبد من كل شيء، وأخوف عنده من كل شيء، كان ذلك باعثا له على طاعته، وزاجرا له عن معصيته. [ ص: 177 ]

وقد قال تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 42]، وقال إبليس: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ص: 82 – 83].

وقوله تعالى: إلا من اتبعك من الغاوين استثناء منقطع في أصح القولين; فإن المراد بالعباد هنا الذين عبدوه، وهم عباده المخلصون الذين قال فيهم: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا [الفرقان: 63]، وقال تعالى: عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا [الإنسان: 6]، وقال تعالى: يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون [الزخرف: 68]، وقال تعالى: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [الفجر: 27 – 30]، وهؤلاء عباده الذين عبدوه.

والعبادة تجمع الحب والخضوع، فالحب بلا خضوع لا يكون عبادة، والخضوع بلا محبة لا يكون عبادة، والله تعالى يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء، فلا بد أن يكون أحب إلى العبد مما سواه، وأن يكون أعظم عند العبد من كل ما سواه، بحيث يخضع له ولا يخضع لشيء كما يخضع له، وكذلك يحبه ولا يحب شيئا كما يحبه.

فالرب تعالى يستحق غاية الحب وغاية الخضوع، ويستحق أن يكون ذلك خالصا لا يشرك فيه غيره، فمن استكبر عن عبادته لم يكن عابدا له، ومتى عبد معه غيره كان مشركا به، فلم يكن عابدا له وحده. [ ص: 178 ]

وحب العبد له وخضوعه له ينافي إرادة العلو في الأرض والفساد; فإنه إذا شهد أنه العلي الأعلى، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وشهد فقر نفسه وحاجته إليه من جهة ربوبيته له، ومن جهة إلهيته له، فإنه لا بد له من أن يعبده، ولا بد له من إعانة الرب له، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ما لا يكون بالله لا يكون، فليس يوجد للعبد ولا لغيره شيء إلا به.

وهذا تحقيق «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فكل ما سواه فقير إليه دائما، وهو غني عن كل ما سواه دائما، والعبد لا يصلح إن لم يكن الرب معبوده وهو غاية محبوبه ومطلوبه، وإلا فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو فاسد ضار لا ينفع صاحبه. فكما أنه ما لا يكون به لا يكون، فما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم، ولهذا أمرنا أن نقول في كل صلاة: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5].

فشهود العبد هذا ينفي أن يريد علوا في الأرض أو فسادا، ويستلزم أن يكون من المتقين; فإن شهود العبد لحقيقة حاجته وفقره يمنع عنه العلو، وشهوده لحاجته إلى ما ينفعه ينفي عنه إرادة ما يضره، ولكن هو جاهل ظالم، وقلبه يغفل عن الله فيتبع هواه، قال الله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [الكهف: 28]، وقال تعالى: نسوا الله فأنساهم أنفسهم [الحشر: 19]، فهو بغفلته عن ذكر ربه، ونسيانه إياه، ينسى نفسه وحاجتها ومصلحتها، فهو في غاية الفقر والحاجة.

وقد ينفخ فيه الشيطان الكبر فينسى حاجته وفقره، ويطغى إذا استشعر [ ص: 179 ] غناه، قال الله تعالى: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 6 – 7]، فإذا رآه استغنى طغى، وهو لا يستغني في الحقيقة قط، لكن يرى نفسه مستغنية رؤية كاذبة.

قال: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى [الليل: 5 – 10]، واستغناؤه هنا كقوله: أما من استغنى فأنت له تصدى [عبس: 5 – 6]، فالمستغني: الذي لم ير نفسه محتاجا، فيخضع خضوع المحتاج، ويقصد قصد المحتاج.

قال سهل بن عبد الله: «ليس بين العبد وبين الله طريق أقرب إليه من الافتقار، ولا حجاب أغلظ من الدعوى».

وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله.

وهذا الافتقار هو من العبودية التي قال فيها: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 42]، وإلا فجميع المخلوقات هي في نفس الأمر مفتقرة إلى الله تعالى، وهم عباد معبدون له، يصرفهم بمشيئته وقهره، ولكنهم لا يشهدون هذا ولا يشهدون من أنفسهم الخضوع والعبودية والذل، بل [ ص: 180 ] الإنسان ضعيف جبار، ضعيف القدرة جبار الإرادة.

آخره. علقه محمد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن الحبال الأنصاري الحراني الحنبلي، عفا الله عنهم، من خط العلامة شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي قدس الله روحه.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث