الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد ، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته ، محمود في ربوبيته ، محمود في رحمانيته ، محمود في ملكه ، وأنه إله محمود ، ورب محمود ، ورحمن محمود ، وملك محمود ، فله بذلك جميع أقسام الكمال : كمال من هذا الاسم بمفرده ، وكمال من الآخر بمفرده ، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر .

[ ص: 59 ] مثال ذلك : قوله تعالى والله غني حميد ، والله عليم حكيم ، والله قدير ، والله غفور رحيم فالغنى صفة كمال ، والحمد صفة كمال ، واقتران غناه بحمده كمال أيضا ، وعلمه كمال ، وحكمته كمال ، واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا ، وقدرته كمال ومغفرته كمال ، واقتران القدرة بالمغفرة كمال ، وكذلك العفو بعد القدرة إن الله كان عفوا غفورا واقتران العلم بالحلم والله عليم حليم .

وحملة العرش أربعة : اثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك ، واثنان يقولان : سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ، فما كل من قدر عفا ، ولا كل من عفا يعفو عن قدرة ، ولا كل من علم يكون حليما ، ولا كل حليم عالم ، فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ، ومن عفو إلى قدرة ، ومن ملك إلى حمد ، ومن عزة إلى رحمة وإن ربك لهو العزيز الرحيم ومن هاهنا كان قول المسيح عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أحسن من أن يقول : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة ، وهي كمال القدرة ، وعن حكمة ، وهي كمال العلم ، فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني ، فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة ، وعلم تام ، وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها ، فهذا أحسن من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع ، الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها ، وقد فاتت ، فإنه لو قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، كان في هذا من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها ما ينزه عنه منصب المسيح عليه السلام ، لا سيما والموقف موقف عظمة وجلال ، وموقف انتقام ممن جعل لله ولدا ، واتخذه إلها من دونه ، فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة ، وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [ ص: 60 ] ولم يقل : فإنك عزيز حكيم ، لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء ، أي إن تغفر لهم وترحمهم ، بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ، ومن المعصية إلى الطاعة ، كما في الحديث اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .

وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به ، وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه ، واقترن به ، من فعله وأمره ، والله الموفق للصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث