الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الحمد والمدح والفرق بينهما

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا .

التالي السابق


ش ( الحمد لله ) : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع ، أبتر ، ممحوق البركة .

[ ص: 82 ] وورد مثل ذلك في البسملة .

ولهذا جمع المؤلف بينهما عملا بالروايتين ، ولا تعارض بينهما ؛ فإن الابتداء قسمان : حقيقي وإضافي ، والحمد ضد الذم ، يقال : حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدا ومحمدة ، فهو محمود وحميد .

ويقال : حمد الله بالتشديد : أثنى عليه المرة بعد الأخرى ، وقال : الحمد لله .

والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري ، نعمة كان أو غيرها ، يقال : حمدت الرجل على إنعامه ، وحمدته على شجاعته .

وأما الشكر فعلى النعمة خاصة ، ويكون بالقلب واللسان والجوارح ، قال الشاعر :


أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

[ ص: 83 ] وعلى هذا فبين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه ، يجتمعان في الثناء باللسان على النعمة ، وينفرد الحمد في الثناء باللسان على ما ليس بنعمة من الجميل الاختياري ، وينفرد الشكر بالثناء بالقلب والجوارح على خصوص النعمة .

فالحمد أعم متعلقا ، وأخص آلة ، والشكر بالعكس .

وأما الفرق بين الحمد والمدح فقد قال ابن القيم : ( إن الحمد إخبار عن محاسن المحمود ، مع حبه ، وتعظيمه ، فلا بد فيه من اقتران الإرادة بالخير ، بخلاف المدح ، فإنه إخبار مجرد ) .

ولذلك كان المدح أوسع تناولا ؛ لأنه يكون للحي والميت وللجماد أيضا .

و ( أل ) في الحمد للاستغراق ؛ ليتناول كل أفراد الحمد المحققة والمقدرة ، وقيل : للجنس ، ومعناه : ( أن الحمد الكامل ثابت لله ، وهذا يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله ونعوت جماله ، إذ من عدم صفات الكمال ؛ فليس بمحمود على الإطلاق ، ولكن غايته أنه محمود من وجه دون وجه ، ولا يكون محمودا من كل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد ، إلا من حاز صفات الكمال جميعها ، فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بسببها ) .



[ ص: 84 ] الرسول في اللغة هو من بعث بالرسالة ، يقال : أرسله بكذا إذا طلب إليه تأديته وتبليغه .

وجمعه : رسل بسكون السين ورسل بضمها .

وفي لسان الشرع : إنسان ، ذكر ، حر ، أوحي إليه بشرع ، وأمر بتبليغه .

فإن أوحي إليه ، ولم يؤمر بالتبليغ فهو نبي .

فكل رسول نبي ، ولا عكس ، فقد يكون نبيا غير رسول .

والمراد بالرسول المضاف إلى ضمير الرب هنا محمد صلى الله عليه وسلم .



و ( الهدى ) في اللغة : البيان والدلالة كما في قوله تعالى : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى .

فإن المعنى : بينا لهم .

وكما في قوله : [ ص: 85 ] إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا .

والهدى بهذا المعنى عام لجميع الناس ، ولهذا يوصف به القرآن كما في قوله تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم .

ويوصف به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم .

وقد يأتي الهدى بمعنى التوفيق والإلهام ، فيكون خاصا بمن يشاء الله هدايته قال تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام .

ولهذا نفاه الله عن رسوله ؛ قال تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء .

والمراد بالهدى هنا : كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الإخبارات الصادقة ، والإيمان الصحيح ، والعلم النافع ، والعمل الصالح .

والدين يأتي لعدة معان : منها : الجزاء كما في قوله تعالى : مالك يوم الدين .

[ ص: 86 ] ومنه قولهم : كما يدين الفتى يدان .

ومنها : الخضوع والانقياد يقال : دان له بمعنى : ذل وخضع ، ويقال : دان الله بكذا ، أو كذا بمعنى اتخذه دينا يعبده به .

والمراد بالدين هنا : جميع ما أرسل الله به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام والشرائع اعتقادية كانت ، أم قولية ، أم فعلية .

وإضافته إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته ؛ أي : الدين الحق .

والحق : مصدر حق يحق إذا ثبت ووجب ، فالمراد به : الثابت الواقع ، ويقابله الباطل الذي لا حقيقة له .

اللام في قوله : ( ليظهره ) لام التعليل ، وهي متعلقة بـ ( أرسل ) ، وهو من الظهور بمعنى : العلو والغلبة ؛ أي : ليجعله عاليا على الأديان كلها بالحجة والبرهان .

و ( أل ) في ( الدين ) للجنس ، فيدخل فيه كل دين باطل ، وهو ما عدا الإسلام .

والشهيد : فعيل ، وهو مبالغة من شهد ، وهو إما من الشهادة بمعنى الإخبار والإعلام ، أو من الشهادة بمعنى الحضور ، والمعنى : وكفى بالله شهيدا مخبرا بصدق رسوله ، أو حاضرا مطلعا لا يغيب عنه شيء .

[ ص: 87 ] والمعنى الإجمالي لما تقدم أن جميع أوصاف الكمال ثابتة لله على أكمل الوجوه وأتمها .

ومما يحمد عليه سبحانه نعمه على عباده التي لا يحصي أحد من الخلق عدها ، وأعظمها إرساله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين ، وبشرى للمتقين ؛ ليظهره على جميع الأديان بالحجة والبرهان ، والعز والتمكين والسلطان ، وكفى بالله شهيدا على صدق رسوله وحقيقة ما جاء به .

وشهادته سبحانه تكون بقوله وفعله وتأييده لرسوله بالنصر والمعجزات والبراهين المتنوعة على أن ما جاء به هو الحق المبين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث