الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث والعشرون الطهور شطر الإيمان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 5 ] الحديث الثالث والعشرون عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله ، والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها رواه مسلم .

التالي السابق


هذا الحديث أخرجه مسلم من رواية يحيى بن أبي كثير أن زيد بن سلام حدثه أن سلاما حدثه عن أبي مالك الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، فذكر الحديث . وفي أكثر نسخ صحيح مسلم " والصبر ضياء " وفي بعضها : " والصيام ضياء " . وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلام ، فأنكره يحيى بن معين ، وأثبته الإمام أحمد ، وفي هذه الرواية التصريح بسماعه منه . وخرج هذا الحديث النسائي ، وابن ماجه من رواية معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن سلام ، عن جده أبي سلام ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي [ ص: 6 ] مالك ، فزاد في إسناده عبد الرحمن بن غنم ، ورجح هذه الرواية بعض الحفاظ ، وقال : معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير ، ويقوي ذلك أنه قد روي عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجه آخر ، وحينئذ فتكون رواية مسلم منقطعة . وفي حديث معاوية بعض المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير ، فإن لفظ حديثه عند ابن ماجه : إسباغ الوضوء شطر الإيمان ، والحمد لله ملء الميزان ، والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض ، والصلاة نور ، والزكاة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها ، أو موبقها " . وخرج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرجه مسلم ، ولفظ حديثه : " الوضوء شطر الإيمان " وباقي حديثه مثل سياق مسلم . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث رجل من بني سليم ، قال : عدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده : " التسبيح نصف الميزان ، والحمد لله تملؤه ، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض ، والصوم نصف الصبر ، والطهور نصف الإيمان " . [ ص: 7 ] فقوله صلى الله عليه وسلم : " الطهور شطر الإيمان " فسر بعضهم الطهور هاهنا بترك الذنوب ، كما في قوله تعالى : إنهم أناس يتطهرون [ الأعراف : 82 ] ، وقوله : وثيابك فطهر [ المدثر : 4 ] ، وقوله : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [ البقرة : 222 ] . وقال الإيمان نوعان : فعل وترك ، فنصفه فعل المأمورات ، ونصفه ترك المحظورات ، وهو تطهير النفس بترك المعاصي ، وهذا القول محتمل لولا أن رواية " الوضوء شطر الإيمان " ترده ، وكذلك رواية إسباغ الوضوء . وأيضا ففيه نظر من جهة المعنى ، فإن كثيرا من الأعمال تطهر النفس من الذنوب السابقة ، كالصلاة ، فكيف لا تدخل في اسم الطهور ، ومتى دخلت الأعمال ، أو بعضها ، في اسم الطهور ، لم يتحقق كون ترك الذنوب شطر الإيمان . والصحيح الذي عليه الأكثرون : أن المراد بالطهور هاهنا : التطهير بالماء من الإحداث ، وكذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء ، وكذلك خرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما ، وعلى هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطر الإيمان . فمنهم من قال : المراد بالشطر الجزء ، لا أنه النصف بعينه ، فيكون الطهور جزءا من الإيمان ، وهذا فيه ضعف ، لأن الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف ، ولأن في حديث الرجل من سليم : " الطهور نصف الإيمان " كما سبق . ومنهم من قال : المعنى أنه يضاعف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب الإيمان ، لكن من غير تضعيف ، وفي هذا نظر وبعد . [ ص: 8 ] ومنهم من قال : الإيمان يكفر الكبائر كلها ، والوضوء يكفر الصغائر ، فهو شطر الإيمان بهذا الاعتبار ، وهذا يرده حديث : " من أساء في الإسلام أخذ بما عمل في الجاهلية " وقد سبق ذكره . منهم من قال : الوضوء يكفر الذنوب مع الإيمان ، فصار نصف الإيمان ، وهذا ضعيف . ومنهم من قال : المراد بالإيمان هاهنا : الصلاة ، كما في قوله عز وجل : وما كان الله ليضيع إيمانكم [ البقرة : 143 ] ، والمراد صلاتكم إلى بيت المقدس ، فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة ، فالصلاة لا تقبل إلا بطهور ، فصار الطهور شطر الصلاة بهذا الاعتبار ، حكى هذا التفسير محمد بن نصر [ ص: 9 ] المروزي في " كتاب الصلاة " عن إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم ، وأنه قال في معنى قولهم " لا أدري " نصف العلم : إن العلم إنما هو " أدري ولا أدري " ، فأحدهما نصف الآخر . قلت : كل شيء كان تحته نوعان : فأحدهما نصف له ، وسواء كان عدد النوعين على السواء ، أو أحدهما أزيد من الآخر ، ويدل على هذا حديث " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " والمراد : قراءة الصلاة ، ولهذا فسرها بالفاتحة ، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة ، فالعبادة حق الرب والمسألة حق العبد ، وليس المراد قسمة كلماتها على السواء . وقد ذكر هذا الخطابي ، واستشهد بقول العرب : نصف السنة سفر ، ونصفها حضر ، قال : وليس على تساوي الزمانين فيهما ، لكن على انقسام الزمانين لهما ، وإن تفاوتت مدتاهما ، وبقول شريح - وقد قيل له : كيف أصبحت ؟ - قال : أصبحت ونصف الناس علي غضبان ، يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه ، فالمحكوم عليه غضبان ، والمحكوم له راض عنه ، فهما حزبان مختلفان . ويقول الشاعر :

إذا مت كان الناس نصفين شامت بموتي ومثن بالذي كنت أفعل

ومراده أنهم ينقسمون قسمين . [ ص: 10 ] قلت : ومن هذا المعنى حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض " أنها نصف العلم " خرجه ابن ماجه ، فإن أحكام المكلفين نوعان : نوع يتعلق بالحياة ، ونوع يتعلق بما بعد الموت ، وهذا هو الفرائض . وقال ابن مسعود : الفرائض ثلث العلم . ووجه ذلك الحديث الذي خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا : " العلم ثلاثة ، وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة ، أو سنة قائمة ، أو فريضة عادلة " . وروي عن مجاهد أنه قال : المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء ، ولعله أراد أن الوضوء قسمان : أحدهما مذكور في القرآن ، والثاني مأخوذ من السنة ، وهو المضمضة والاستنشاق ، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يطهران باطن الجسد ، وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره ، فهما نصفان بهذا الاعتبار ، ومنه قول ابن مسعود : الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله . وجاء من رواية يزيد [ ص: 11 ] الرقاشي عن أنس مرفوعا : " الإيمان نصفان : نصف في الصبر ، ونصف في الشكر " فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات ، وترك المحرمات ، ولا ينال ذلك كله إلا بالصبر ، كان الصبر نصف الإيمان ، فهكذا يقال في الوضوء : إنه نصف الصلاة . وأيضا فالصلاة تكفر الذنوب والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه ، فصار شطر الصلاة بهذا الاعتبار أيضا ، كما في " صحيح مسلم " عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مؤمن مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب عليه ، فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن . وفي رواية له : من أتم الوضوء كما أمره الله ، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن [ ص: 12 ] وأيضا ، فالصلاة مفتاح الجنة ، والوضوء مفتاح الصلاة ، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث جابر مرفوعا ، وكل من الصلاة والوضوء موجب لفتح أبواب الجنة كما في " صحيح مسلم " عن عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم يتوضأ ، فيحسن وضوءه ، ثم يقوم فيصلي ركعتين ، يقبل عليهما بقلبه ووجهه ، إلا وجبت له الجنة وعن عقبة ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء ، ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء . وفي " الصحيحين " عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء . فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبا لفتح أبواب الجنة ، صار الوضوء نصف الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار . [ ص: 13 ] وأيضا ، فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا مؤمن ، كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن . والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة ، كما خرجه العقيلي من حديث أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خمس من جاء بهن مع إيمان ، دخل الجنة : من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن ، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - قال : وكان يقول : - وايم الله ، لا يفعل ذلك إلا مؤمن ، وصام رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ، وأدى الأمانة قالوا : يا أبا الدرداء ، وما أداء الأمانة ؟ قال : الغسل من الجنابة ، فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها . وخرج ابن ماجه من حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصلوات [ ص: 14 ] الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، وأداء الأمانة كفارة لما بينهن . قيل : وما أداء الأمانة ؟ قال : الغسل من الجنابة ، فإن تحت كل شعرة جنابة وحديث أبي الدرداء الذي قبله جعل فيه الوضوء من أجزاء الصلاة . وجاء في حديث خرجه البزار من رواية شبابة بن سوار : حدثنا مغيرة بن مسلم ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا : " الصلاة ثلاثة أثلاث : الطهور ثلث : والركوع ثلث ، والسجود ثلث ، فمن أداها بحقها ، قبلت منه ، وقبل منه سائر عمله ، ومن ردت عليه صلاته ، رد عليه سائر عمله " وقال : تفرد به المغيرة ، والمحفوظ عن أبي صالح ، عن كعب من قوله . فعلى هذا التقسيم الوضوء ثلث الصلاة ، إلا أن يجعل الركوع والسجود كالشيء الواحد ، لتقاربهما في الصورة ، فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضا . ويحتمل أن يقال : خصال الإيمان من الأعمال والأقوال كلها تطهر القلب وتزكيه ، وأما الطهارة بالماء ، فهي تختص بتطهير الجسد وتنظيفه ، فصارت خصال الإيمان قسمين : أحدهما يطهر الظاهر ، والآخر يطهر الباطن ، فهما نصفان بهذا الاعتبار ، والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كله .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث