الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( المسألة السادسة )

رؤية الله - تعالى - في النوم تصح ولذلك أحوال

( أحدها ) أن يراه في النوم على النحو الذي دل عليه المعقول والمنقول من صفات الكمال ونعوت الجلال له والسلامة من الصفات الدالة على الحدوث من الجسمية والتحيز والجهة فهذا نجوزه في الدنيا كما نجوزه في الآخرة ونجزم بوقوعه في الآخرة للمؤمنين ، ولكن من ادعى هذه الحالة ، وهو من غير أهلها من العصاة ، أو من المقصرين كذبناه ، أو من الأولياء المتقين لا نكذبه ونسلم له حالة وقوله تعالى { لا تدركه الأبصار } فيه تأويلات وهو عموم يقبل التخصيص ، وإخبار الولي الموثوق بدينه المبرز في عدالته يصلح لتقوية بعض التأويلات ولتخصيص هذا العام ، وخبر العدل مقبول في تخصيص العموم ، ونحن نقبل خبر الأولياء في وقوع الكرامات التي هي من خوارق العادات المحصلة للعلوم القطعيات فكيف في تخصيص العمومات التي لا تفيد إلا الظن فتأمل هذا

( وثانيها ) : أن يراه - سبحانه - في صورة مستحيلة عليه كمن يقول : رأيته في صورة رجل أو غير ذلك من الأجسام المستحيلة على الله - تعالى - وقد روي عن بعضهم أنه قال رأيت الله - تعالى - في صورة فرس وفهم هذا الرائي أن هذا الجسم من إنسان وغيره خلق من خلق الله - تعالى - وأمر وارد من قبله يقتضي حالة من هذا الرائي ويتقاضاها منه ، أو يأمره بخير أو ينهاه عن شر ، ويقول له : أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وامتثل أمري ونحو ذلك فهذه الحالة أيضا صحيحة جائزة على إطلاق لفظ الله - تعالى - على هذا الجسم ففي القرآن { وجاء ربك والملك صفا صفا } فعبر - تعالى - عن أمره الوارد من قبله باللفظ الخاص بالربوبية على وجه المجاز من باب إطلاق لفظ السبب على المسبب ولفظ المؤثر على الأثر ، وهو مجاز مشهور في لسان العرب ومسطور في كتب المجاز والحقيقة وفي التوراة جاء الله من سيناء وأشرق من ساغين واستعلن من جبال فاران إشارة إلى التوراة النازلة بطور سيناء [ ص: 247 ] والإنجيل النازل بساغين موضع بالشام والقرآن النازل بمكة واسمها فاران فيكون معناه أن الحق جاء من سيناء ، وهو التوراة وكثر ظهوره وعلنه بتقوية الإنجيل له فإن عيسى عليه السلام بعث لنصرة التوراة وتقويتها وإرادة العلانية والظهور ، واستكمل الحق واستوفيت المصالح ووصل البيان والكمال في الشرع إلى أقصى غاياته بالقرآن الكريم والشريعة المحمدية ، وسميت هذه الكتب باسم الله - تعالى ؛ لأنها من جهته وقبله على المجاز كما تقدم ، ومن ذلك { ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل } الحديث على أحد التأويلات أنه تنزل رحمته فسماها باسمه لكونها من قبله ومن أثره كذلك هذه المثل القائلة في النوم أنا الله هو صحيح جائز على المجاز كما تقدم وجاء في الحديث { أن الله يأتي يوم القيامة للخلائق في صورة ينكرونها ويقولون لست ربنا } فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم في صورة وتسميته لهذه الصورة باسم الله تعالى هو على سبيل المجاز ؛ لأنها صورة من آثاره وفتنة يختبر بها خلقه ؛ فلهذه الملازمة والعلاقة حسن إطلاق لفظ الله - تعالى - عليها مجازا كما تقدم فكذلك هذه المثل في النوم حكمها حكم هذه الأجسام في اليقظة

الحالة الثالثة أن يرى هذه الصورة الحسنة الجسمية ، ولا يعتقد أنها الله - عز وجل - حقيقة ، ولا يخطر له في النوم معنى المجاز ألبتة فهذه الرؤيا يحتمل أن تكون صحيحة ، ويكون المراد المجاز ، وهو جهل المجاز فكان الغلط منه لا في الرؤيا كما يرد اللفظ في اليقظة ، والمراد به المجاز والسامع يفهم الحقيقة كما اتفق للحشوية في آيات الصفات فكان الغلط منهم لا في الآيات الواردة ، ويحتمل أن تكون هذه الرؤيا كذبا ومحالا ، والشيطان يخيل له بذلك ليضله أو يخزيه ، أو غير ذلك من مكائده - لعنه الله - فهذه الرؤيا موضع التثبت والخوف من الغلط ، وإذا استيقظ هذا الرائي وجب عليه أن يجزم بأن الذي رآه ليس ربه على الحقيقة بل أحد الأمرين المتقدمين واقع له وينظر ما يقتضيه الحال منهما فيعتقده فإن أشكل عليه الأمر أعرض عن الرؤيا بالكلية حتى يتضح الصواب فإن اعتقد أنها حق ، وأن الذي رآه ربه فهو كافر ، وقد كفر بهذا الاعتقاد الناشئ له عن هذه الرؤيا بناء على القول بتكفير الحشوية وقد يكون ذلك الجسم وتلك الحالة فيها من الحقارة ومنافاة الربوبية ما يجمع الأمة على تكفيره وتكفره الحشوية وغيرهم كصورة الدجال ونحوها فإن القول بأن الحشوية ليست كفارا إنما هو مع قولهم بالتنزه عن العور [ ص: 248 ] والعمى والآفات والنقائص بل اقتصروا على الجسمية خاصة مع التنزيه عن جميع ذلك فمن اعتقد الجسمية مع بعض صفات النقص فأول من يكفره الحشوية فتأمل ذلك ، ومنه ما تقدم من أنه رآه في صورة فرس ، أو غير ذلك من السباع أو غيرها فهذا كله كفر لا يختلف فيه ، ولا يتخرج على الخلاف في الحشوية ، وكذلك إذا قال : رأيته في طلق أو خزانة أو مطمورة أو نحو ذلك مما تحيله الحشوية وأهل السنة على الله - تعالى - فتأمل ذلك فهذا تفصيل الأحوال في رؤية الله - تعالى -

[ ص: 247 - 248 ]

التالي السابق


[ ص: 247 - 248 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( المسألة السابعة )

في جمع الجوامع ومحليه اختلف هل يجوز الرؤية له - تعالى - في المنام فقيل لا ؛ لأن المرئي فيه خيال ومثال ، وذلك على القديم محال وقيل : نعم ؛ لأنه لا استحالة لذلك في المنام ا هـ قال المحلي والعطار عليه وقد ذكر وقوعها في المنام لكثير من السلف منهم الإمام أحمد فقد روي عنه أنه قال رأيت رب العزة في المنام فقلت : يا رب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون قال كلامي يا أحمد فقلت : بفهم وبغير فهم قال بفهم وبغير فهم ورآه أحمد بن حضرويه فقال له يا أحمد كل الخلق يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطالبني ، وعلى ذلك المعبرون للرؤيا فإنهم يعقدون في كتبهم بابا لرؤية الرب جل وعلا وبالغ ابن الصلاح في إنكاره لما تقدم في المنع وقال الغزالي في كتابه المسمى بالمضمون به على غير أهله : الحق أنا نطلق القول بأن الله - تعالى - يرى في المنام كما يطلق القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى نعم ذات الله - تعالى - وذاته صلى الله عليه وسلم لا يريان وإنما الذي يجوز أن يرى مثال يعتقده النائم ذات الله - تعالى - وذات النبي صلى الله عليه وسلم وكيف ينكر ذاك مع وجوده في المنامات فإن من لم يره بنفسه فقد تواتر إليه من جماعة أنهم رأوا ذلك قال ، ولا يرد أن الله - تعالى - لا مثل له بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإن له مثلا لما تقدم من الفرق بين المثل والمثال بأن المثل المساوي في جميع الصفات ، والمثال لا يحتاج فيه إلى المساواة إلخ ا هـ فمن ثم قال الأصل رؤية الله - تعالى - في النوم تصح ولذلك أحوال ثلاثة

( أحدها ) : أن يراه في النوم على النحو الذي دل عليه المعقول والمنقول من صفات الكمال ونعوت الجلال له والسلامة من الصفات الدالة على الحدوث من الجسمية والتحيز والجهة فهذا كما نجوزه في الآخرة ، ونجزم بوقوعه فيها للمؤمن كذلك نجوزه في الدنيا لكن من ادعى هذه الحالة إن كان من غير أهلها من العصاة ، أو من المقصرين كذبناه ، وإن كان من أهلها من الأولياء المتقين لا نكذبه ونسلم له حالة وقوله تعالى {لا تدركه الأبصار } فيه تأويلات ، وهو عموم يقبل التخصيص ، وإخبار الولي الموثوق بدينه المبرز في عدالته يصلح لتقوية بعض التأويلات ولتخصيص هذا العام وخبر العدل مقبول في تخصيص العموم ونحن نقبل خبر الأولياء في وقوع الكرامات التي هي [ ص: 272 ] من خوارق العادات المحصلة للعلوم القطعيات فكيف في تخصيص العمومات التي لا تفيد إلا الظن فتأمل هذا

( وثانيها ) : أن يراه في صورة مستحيلة عليه كمن يقول : رأيته في صورة رجل أو غير ذلك من الأجسام المستحيلة على الله - تعالى - وقد روي عن بعضهم أنه قال رأيت الله - تعالى - في صورة فرس وفهم هذا الرائي أن هذا الجسم من إنسان وغيره خلق من خلق الله - تعالى - وأمر وارد من قبله يقتضي حالة من هذا الرائي ويتقاضاها منه أو يأمره بخير أو ينهاه عن شر ، ويقول له : أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وامتثل أمري ونحو ذلك فهذه الحالة أيضا صحيحة جائزة على إطلاق لفظ الله - تعالى - على هذا الجسم ففي القرآن { وجاء ربك والملك صفا صفا } فعبر - تعالى - عن أمره الوارد من قبله باللفظ الخاص بالربوبية على وجه المجاز من باب إطلاق لفظ السبب على المسبب ولفظ المؤثر على الأثر ، وهو مجاز مشهور في لسان العرب ومسطور في كتب المجاز والحقيقة وفي التوراة جاء الله من سيناء وأشرق من ساغين واستعلن من جبال فاران إشارة إلى التوراة النازلة بطور سيناء والإنجيل النازل بساغين موضع بالشام والقرآن النازل بمكة فاران فيكون معناه أن الحق جاء من سيناء ، وهو التوراة وكثر ظهوره وعلنه بتقوية الإنجيل له فإن عيسى عليه السلام بعث لنصرة التوراة وتقويتها وإرادة العلانية والظهور واستكمل الحق واستوفيت المصالح ووصل البيان والكمال في الشرع إلى أقصى غايته بالقرآن الكريم والشريعة المحمدية ، وسميت هذه الكتب باسم الله - تعالى ؛ لأنها من جهته وقبله على المجاز كما تقدم ، ومن ذلك { ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل } الحديث على أحد التأويلات أنه تنزل رحمته فسماها باسمه لكونها من قبله ومن أثره كذلك هذه المثل القائلة في النوم أنا الله هو صحيح جائز على المجاز كما تقدم ، وجاء في الحديث { أن الله يأتي يوم القيامة للخلائق في صورة ينكرونها ويقولون : لست ربنا } فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم في صورة ، وتسميته لهذه الصورة باسم الله - تعالى - هو على سبيل المجاز ؛ لأنها صورة من آثاره ، وفتنة يختبر بها خلقه فهذه الملازمة والعلاقة حسن إطلاق لفظ الله - تعالى - عليها مجازا كما تقدم فكذلك هذه المثل في النوم حكمها حكم هذه الأجسام في اليقظة

( الحالة الثانية ) : أن يرى هذه الصورة الحسنة الجسمية ، ولا يعتقد أنها الله - عز وجل - حقيقة ، ولا يخطر له في النوم معنى المجاز ألبتة ، فهذه الرؤية يحتمل أن تكون صحيحة ، ويكون المراد المجاز ، ولكنه جهل المجاز فكان الغلط منه لا في الرؤيا بل في المراد بها كما يرد اللفظ في اليقظة ، والمراد به المجاز والسامع يفهم الحقيقة كما [ ص: 273 ] اتفق للحشوية في آيات الصفات فكان الغلط منهم لا في الآيات الواردة بل في المراد بها ، ويحتمل أن تكون هذه كذبا ومحالا ، والشيطان يخيل له بذلك ليضله أو يخزيه ، أو غير ذلك من مكائده - لعنه الله - فهذه الرؤيا موضع التثبت والخوف من الغلط ، وإذا استيقظ هذا الرائي وجب عليه أن يجزم بأن الذي رآه ليس ربه على الحقيقة بل أحد الأمرين المتقدمين أعني من أنها صحيحة على المجاز ، أو كاذبة ومحال من تخييل الشيطان واقع له وينظر ما يقتضيه الحال منهما فيعتقده فإن أشكل عليه الأمر أعرض عن الرؤيا بالكلية حتى يتضح له الصواب ، ولا يعتقد مع ذلك الإشكال أنها حق ، وأن الذي رآه ربه ، وإلا فهو كافر لكن بناء على القول بتكفير الحشوية نعم قد يكون ذلك الجسم باعتبار ما في حالته من الحقارة ومنافاة الربوبية مما يجمع الأمة حتى الحشوية على التكفير من يعتقد فيها الربوبية كصورة الدجال وصورة فرس ونحوه من السباع أو غيرها وصورة رجل في طاق أو خزانة أو مطمورة أو نحو ذلك مما تحيله الحشوية وأهل السنة على الله - تعالى ؛ إذ القول بأن الحشوية ليست كفارا إنما هو مع قولهم بالتنزه عن العور والعمى والآفات والنقائص بل اقتصروا على الجسمية خاصة مع التنزيه عن جميع ذلك فمن اعتقد الجسمية مع بعض صفات النقص ، فأول من يكفره الحشوية فتأمل ذلك فهذا تفصيل الأحوال في رؤية الله - تعالى - .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث