الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الرد على الرازي وبيان تقرير العلو بالأدلة العقلية من طرق

[ ص: 3 ] قلت: ولقائل أن يقول: تقرير العلو بالأدلة العقلية ثبت من طرق:

أحدها: أن يقال: إذا ثبت بالعقل أنه مباين للمخلوقات، وثبت أن العالم كري، وأن العلو المطلق فوق الكرة، لزم أن يكون في العلو بالضرورة.

وهذه مقدمات عقلية ليس فيها خطابي، وذلك لأن العالم إذا كان مستديرا فله جهتان حقيقيتان: العلو والسفل فقط، وإذا كان مباينا للعالم، امتنع أن يكون في السفل داخلا فيه، فوجب أن يكون في العلو مباينا له. وقد تقدم أن النافي قال: (إن العالم كرة) واستدل على ذلك بالكسوف القمري إذا كان يتقدم في الناحية الشرقية على الغربية.

والقول بأن الفلك مستدير هو قول جماهير علماء المسلمين، والنقل بذلك ثابت عن الصحابة والتابعين، بل قد ذكر أبو الحسين ابن المنادى، وأبو محمد بن حزم، وابن الجوزي، وغيرهم: أنه ليس في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وقد نازع في ذلك طوائف من أهل الكلام والرأي، من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.

وقال الله تعالى: وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون [سورة الأنبياء: 33] ، وقال: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون [سورة يس: 40] . [ ص: 4 ]

قال ابن عباس وغيره: في فلكة، مثل فلكة المغزل.

وفي حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، أن أعرابيا قال: يا رسول الله، جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه الصحابة، ثم قال: (ويحك أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك. إن الله لا يستشفع به أحد من خلقه، إن عرشه على سماواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.

وإذا كان الخصم قد استدل بذلك، كان ذلك حجة عليه، فإذا كان العالم كريا - وقد ثبت بالضرورة أنه: إما مداخل له، وإما مباين له وليس بمداخل له - وجب أن يكون مباينا له، وإذا كان مباينا له، وجب أن يكون فوقه، إذ لا فوق إلا المحيط وما كان وراءه. [ ص: 5 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث