الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في صدقة الفطر

673 حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة فتكلم فكان فيما كلم به الناس إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر قال فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شيء صاعا وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من كل شيء صاع إلا من البر فإنه يجزئ نصف صاع وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة يرون نصف صاع من بر

التالي السابق


( باب ما جاء في صدقة الفطر ) أي من رمضان ، فأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر منه ويقال لها زكاة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصوم ، وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين ، قاله القسطلاني .

[ ص: 279 ] قوله : ( صاعا من طعام أو صاعا من تمر ) ظاهره المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له ، قال هو وغيره : قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق ، حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح ، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه .

قال الحافظ في الفتح : وقد رد ذلك ابن المنذر وقال : ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد صاعا من طعام حجة لمن قال : صاع من حنطة وهذا غلط منه ، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره أن أبا سعيد قال : كنا نخرج في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الفطر صاعا من طعام . قال أبو سعيد : وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر . وهي ظاهرة فيما قال .

قال الحافظ : وأخرج ابن خزيمة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال : لم تكن الصدقة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة . ولمسلم من وجه آخر عن عياض عن أبي سعيد : كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير ، وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة ، وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة انتهى . وقال القاري في المرقاة : قال علماؤنا : المراد بالطعام المعنى العام ، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام ، انتهى .

( أو صاعا من زبيب ) أي عنب يابس . قال في الصراح : زبيب مويز زبيبة يكي ، يقال : زبب فلان عنبه تزبيبا ( أو صاعا من أقط ) بفتح الهمزة وكسر القاف . قال في النهاية : هو لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به ( حتى قدم معاوية المدينة ) وفي رواية مسلم : حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر ، وفي رواية ابن خزيمة : وهو يومئذ خليفة ( من سمراء الشام ) أي القمح الشامي ( فأخذ الناس بذلك ) المراد بالناس الصحابة -رضي الله عنهم- ( قال أبو سعيد : فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ) وفي رواية لمسلم : فأنكر ذلك أبو سعيد وقال : لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم مختصرا ومطولا .

[ ص: 280 ] قوله : ( والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شيء صاعا ) أي من بر كان أو من غيره ( وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ) واستدلوا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فرض صدقة الفطر صاعا من طعام ، والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن غالبا فيه كما تقدم ، وتفسيره بغير البر إنما هو لما تقدم من أنه لم يكن معهودا عندهم فلا يجزئ دون الصاع منه ، وإليه ذهب أبو سعيد -رضي الله عنه- وأبو العالية وأبو الشعثاء والحسن البصري وجابر بن زيد والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق ، كذا في النيل . واستدل لهم أيضا بأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع تخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان فلا فرق بين الحنطة وغيرها .

قلت : قولهم هذا هو الأحوط عندي ، والله تعالى أعلم .

تنبيه :

اعلم أن الصاع صاعان ؛ حجازي وعراقي ، فالصاع الحجازي خمسة أرطال وثلث رطل ، والعراقي ثمانية أرطال ، وإنما يقال له العراقي ؛ لأنه كان مستعملا في بلاد العراق مثل الكوفة وغيرها ، وهو الذي يقال له الصاع الحجاجي لأنه أبرزه الحجاج الوالي ، وأما الصاع الحجازي فكان مستعملا في بلاد الحجاز ، وهو الصاع الذي كان مستعملا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وبه كانوا يخرجون صدقة الفطر في عهده -صلى الله عليه وسلم- ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والجمهور وهو الحق . وقال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- بالصاع العراقي ، وكان أبو يوسف يقول بقوله فلما دخل المدينة وناظر الإمام مالكا رجع عن قوله وقال بقول الجمهور . وقد بسطنا الكلام في هذا باب صدقة الزرع والتمر والحبوب .

قوله : ( وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم : من كل شيء صاع إلا من البر فإنه يجزئ نصف صاع ، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة ) وهو قول جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- ، قال الحافظ في الدراية : منهم أبو بكر -رضي الله عنه- عند عبد الرزاق من طريق أبي قلابة عن أبي بكر أنه أخرج زكاة الفطر مدين من حنطة ، وهو منقطع .

ومنهم عمر -رضي الله عنه- عند أبي داود والنسائي من طريق عبد العزيز عن أبي داود عن [ ص: 281 ] نافع ، وفيه : فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل نصف صاع حنطة . ومنهم عثمان أخرجه الطحاوي وفيه نصف صاع بر . ومنهم علي ومنهم ابن الزبير أخرجه عبد الرزاق ، وفيه : مدان من قمح . وعن ابن عباس وجابر وابن مسعود نحوه . وعن أبي هريرة نحوه أخرجه عبد الرزاق أيضا ، انتهى .

وقال في فتح الباري : قال ابن المنذر : لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتمد عليه ، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير ، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة ، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم . ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى . واستدل لمن قال بنصف صاع من البر بأحاديث ، كلها ضعيفة ، ذكر الترمذي بعضا منها وأشار إلى بعضها . قال الشوكاني في النيل : ويمكن أن يقال : إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص بأحاديث نصف الصاع من البر ، وهذه الأحاديث بمجموعها تنتهض للتخصيص . انتهى محصلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث