الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فلما سمعت بمكرهن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فلما سمعت بمكرهن ؛ إن قال قائل: "لم سمي قولهن "مكرا"؟ فالجواب فيه أنها قد أطلعتهن؛ فاستكتمتهن؛ فمكرن بها؛ وأفشين سرها؛ فلما سمعت بما فعلن؛ أرادت أن يوقعن فيما وقعت فيه؛ فأرسلت إليهن؛ أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ ؛ "أعتدت": "أفعلت"؛ من "العتاد"؛ وكل ما اتخذته عدة للشيء؛ فهو عتاد؛ ومعنى "متكأ": ما يتكأ عليه لطعام؛ أو شراب؛ أو حديث.

[ ص: 106 ] وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن ؛ يعالجن بالسكين ما يأكلن؛ وقال بعضهم: "متكا"؛ وقالوا: واحدته "متكة"؛ وهي: الأترج؛ والقراءة الجيدة: "متكأ"؛ بالهمز؛ يقال: "تكئ الرجل؛ يتكأ؛ تكأ"؛ و"التكأ": أصله من "وكأت"؛ وإنما "متكأ"؛ "مفتعل"؛ وأصله: "موتكأ"؛ مثل "موتزن"؛ من "الوزن".

وقالت اخرج عليهن ؛ إن شئت ضممت التاء؛ وإن شئت كسرت؛ والكسر الأصل؛ لسكون التاء؛ والخاء؛ ومن ضم التاء؛ فلثقل الضمة بعد الكسرة؛ وأعتدت لهن الطعام؛ وجعلت في أيديهن السكاكين؛ وأمرته بالخروج عليهن في هيئته؛ ولم يكن يتهيأ له ألا يخرج; لأنه بمنزلة العبد لها.

فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ؛ أردن أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن؛ فدهشن لما رأينه؛ فخدشن أيديهن؛ ولم يقطعن الأيدي حتى تبين منهن؛ وهذا مستعمل في الكلام؛ يقول الرجل: "قد قطعت يدي"؛ يعني أنك قد خدشتها؛ ومعنى "أكبرنه": أعظمنه؛ ويقال: "أكبرنه": حضن؛ وقد رويت عن مجاهد ؛ وليس ذلك بمعروف في اللغة؛ وقد أنشدوا بيتا في هذا؛ وهو قوله:


يأتي النساء على أطهارهن ولا يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا



[ ص: 107 ] وهذه اللفظة ليست بمعروفة في اللغة؛ والهاء في "أكبرنه"؛ تنفي هذا; لأنه لا يجوز أن يقول: "النساء قد حضنه يا هذا"; لأن "حضن"؛ لا يتعدى إلى مفعول؛ وقلن حاش لله

و"حاشا لله"؛ يقرآن؛ بحذف الألف؛ وإثباتها؛ ومعناه الاستثناء؛ المعنى فيما فسره أهل التفسير: "وقلن: معاذ الله؛ ما هذا بشرا"؛ وأما على مذهب المحققين من أهل اللغة؛ فـ "حاشا"؛ مشتقة من قولك: "كنت في حشا فلان"؛ أي: في ناحية فلان؛ فالمعنى في "حاش لله": "برأه الله من هذا"؛ من التنحي؛ المعنى: "قد نحى الله هذا من هذا"؛ إذا قلت: "حاشا لزيد من هذا"؛ فمعناه: "قد تنحى زيد من هذا؛ وتباعد منه"؛ كما أنك تقول: "قد تنحى من الناحية"؛ وكذلك "قد تحاشى"؛ من هذا الفعل.

وقوله - عز وجل -: ما هذا بشرا ؛ هذه القراءة المعروفة؛ وقد رويت: "ما هذا بشرى"؛ أي: "ما هذا يعد مشترى"؛ وهذه القراءة ليست بشيء؛ لأن مثل "بشرى"؛ يكتب في المصحف بالياء؛ وقولهن: إن هذا إلا ملك كريم ؛ "ملك"؛ مطابق في اللفظ لـ بشرا ؛ وسيبويه ؛ والخليل ؛ وجميع النحويين القدماء يزعمون أن "بشرا"؛ منصوب [ ص: 108 ] خبر "ما"؛ ويجعلونه بمنزلة "ليس"؛ و"ما"؛ معناها معنى "ليس"؛ في النفي؛ وهذه لغة أهل الحجاز ؛ وهي اللغة القدمى الجيدة؛ وزعم بعضهم أن الرفع في قولك: "ما هذا بشر"؛ أقوى الوجهين؛ وهذا غلط؛ لأن كتاب الله؛ ولغة رسول الله أقوى الأشياء؛ وأقوى اللغات؛ ولغة بني تميم : "ما هذا بشر"؛ ولا تجوز القراءة بها؛ إلا برواية صحيحة؛ والدليل على ذلك إجماعهم على: "ما هن أمهاتهم"؛ وما قرأ أحد: "ما هن أمهاتهم".

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث