الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها

وحاصلها أربعة .

أحدها : أن راويتها امرأة لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها .

الثاني : أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن .

الثالث : أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حق لها في السكنى ، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها .

الرابع : معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .

ونحن نبين ما في كل واحد من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوته ، هذا مع أن في بعضها من الانقطاع وفي بعضها من الضعف وفي بعضها من البطلان ما سننبه عليه ، وبعضها صحيح عمن نسب إليه بلا شك .

فأما المطعن الأول : وهو كون الراوي امرأة ، فمطعن باطل بلا شك ، والعلماء قاطبة على خلافه ، والمحتج بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له ومخالف له فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل ، هذا وكم من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة ، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلا رأيتها ، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين ، وقد أخذ الناس بحديث فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفى عنها في بيت [ ص: 476 ] زوجها ، وليست فاطمة بدونها علما وجلالة وثقة وأمانة ، بل هي أفقه منها بلا شك ، فإن فريعة لا تعرف إلا في هذا الخبر ، وأما شهرة فاطمة ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك فأمر مشهور ، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريره ، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يختلفون في الشيء فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، فيأخذون به ويرجعون إليه ويتركون ما عندهم له ، وإنما فضلن على فاطمة بنت قيس بكونهن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فهي من المهاجرات الأول وقد رضيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحبه وابن حبه أسامة بن زيد ، وكان الذي خطبها له . وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها فاعرفه من حديث الدجال الطويل الذي حدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فوعته فاطمة وحفظته ، وأدته كما سمعته ولم ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته ، فكيف بقصة جرت لها وهي سببها وخاصمت فيها وحكم فيها بكلمتين وهي : لا نفقة ولا سكنى ، والعادة توجب حفظ مثل هذا وذكره ، واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها ، فهذا عمر قد نسي تيمم الجنب ، وذكره عمار بن ياسر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهما بالتيمم من الجنابة فلم يذكره عمر - رضي الله عنه - وأقام على أن الجنب لا يصلي حتى يجد الماء .

ونسي قوله تعالى : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) [ ص: 477 ] [ النساء : 20 ] حتى ذكرته به امرأة فرجع إلى قولها .

ونسي قوله ( إنك ميت وإنهم ميتون ) [ الزمر : 30 ] حتى ذكر به ، فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة ، وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك ، فهي باطلة على التقديرين ، ولو ردت السنن بمثل هذا لم يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير ، ثم كيف يعارض خبر فاطمة ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل ولا يشترط للرواية نصابا ، وعمر - رضي الله عنه - أصابه في مثل هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد ، ورد خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة ، وهذا كان تثبيتا منه - رضي الله عنه - حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي ، وقبل لعائشة - رضي الله عنها - عدة أخبار تفردت بها ، وبالجملة فلا يقول أحد : إنه لا يقبل قول الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان لا سيما إن كان من الصحابة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث