الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( الفرق التاسع والستون والمائتان بين قاعدة ما يباح في عشرة الناس من المكارمة وقاعدة ما ينهى عنه من ذلك ) اعلم أن الذي يباح من إكرام الناس قسمان

( القسم الأول ) : ما وردت به نصوص الشريعة من إفشاء السلام وإطعام الطعام وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء والاستئذان عند الدخول ، وأن لا يجلس على تكرمة أحد إلا بإذنه أي على فراشه ، ولا يؤم في منزله إلا بإذنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يؤمن أحد أحدا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه } ونحو ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه

( القسم الثاني ) ما لم يرد في النصوص ولا كان في السلف ؛ لأنه لم تكن أسباب اعتباره موجودة حينئذ وتجددت في عصرنا فتعين فعله لتجدد أسبابه ؛ لأنه شرع مستأنف بل علم من القواعد الشرعية أن هذه الأسباب لو وجدت في زمن الصحابة لكانت هذه المسببات من فعلهم وصنعهم وتأخر الحكم لتأخر سببه ووقوعه عند وقوع سببه لا يقتضي ذلك تجديد شرع [ ص: 251 ] ولا عدمه كما لو أنزل الله - تعالى - حكما في اللواط من رجم أو غيره من العقوبات فلم يوجد اللواط في زمن الصحابة ووجد في زمننا اللواط فرتبنا عليه تلك العقوبة لم نكن مجددين لشرع بل متبعين لما تقرر في الشرع ، ولا فرق بين أن نعلم ذلك بنص أو بقواعد الشرع وهذا القسم هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان وإحناء الرأس له إن عظم قدره جدا والمخاطبة بجمال الدين ونور الدين وعز الدين وغير ذلك من النعوت والإعراض عن الأسماء والكنى والمكاتبات بالنعوت أيضا كل واحد على قدره وتسطير اسم الإنسان بالمملوك ونحوه من الألفاظ والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس العالي والسامي والجناب ونحو ذلك من الأوصاف العرفية والمكاتبات العادية ومن ذلك ترتيب الناس في المجالس والمبالغة في ذلك ، وأنواع المخاطبات للملوك والأمراء والوزراء وأولي الرفعة من الولاة والعظماء فهذا كله ونحوه من الأمور العادية لم تكن في السلف .

ونحن اليوم نفعله في المكارمات والمولاة ، وهو جائز مأمور به مع كونه بدعة ولقد حضرت يوما عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان من أعيان العلماء وأولي الجد في الدين والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة والثبات على الكتاب والسنة غير مكترث بالملوك فضلا عن غيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم فقدمت إليه فتيا فيها : ما تقول أئمة الدين - وفقهم الله - في القيام الذي أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف هل يجوز أم لا يجوز ويحرم فكتب إليه في الفتيا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا } وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة فلو قيل : بوجوبه ما كان بعيدا هذا نص ما كتب من غير زيادة ، ولا نقصان فقرأتها بعد كتابتها فوجدتها هكذا ، وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور أي يحدثوا أسبابا يقتضي الشرع فيها أمورا لم تكن قبل ذلك لأجل عدم سببها قبل ذلك لا ؛ لأنها شرع متجدد كذلك ها هنا فعلى هذا القانون يجري هذا القسم بشرط أن لا يبيح محرما ، ولا يترك واجبا فلو كان الملك لا يرضى منه إلا بشرب الخمر أو غيره من المعاصي لم يحل لنا أن نواده بذلك .

وكذلك غيره من الناس ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وإنما هذه الأسباب المتجددة كانت مكروهة من غير تحريم فلما [ ص: 252 ] تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادته ، وإن وقع المكره هذا هو قاعدة الشرع في زمن الصحابة وغيرهم وهذا التعارض ما وقع إلا في زماننا فاختص الحكم به وما خرج عن هذين القسمين إما محرم فلا تجوز الموادة به أو مكروه فلم يحصل فيه تعارض بينه وبين محرم منهي عنه نهي تنزيه قلت : فينقسم القيام إلى خمسة أقسام محرم إن فعل تعظيما لمن يحبه تجبرا من غير ضرورة ومكروه إذا فعل تعظيما لمن لا يحبه ؛ لأنه يشبه فعل الجبابرة ويوقع فساد قلب الذي يقام له ، ومباح إذا فعل إجلالا لمن لا يريده ، ومندوب للقادم من السفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو يشكر إحسانه أو القادم المصاب ليعزيه بمصيبته ؛ وبهذا يجمع بين قوله عليه السلام { من أحب أن يتمثل له الناس أو الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار } وبين قيامه عليه السلام لعكرمة بن أبي جهل لما قدم من اليمن فرحا بقدومه ، وقيام طلحة بن عبد الله لكعب بن مالك ليهنئه بتوبة الله - تعالى - عليه بحضوره عليه السلام ولم ينكر النبي عليه السلام عليه ذلك فكان كعب يقول : لا أنساها لطلحة { وكان عليه السلام يكره أن يقام له } فكانوا إذا رأوه لم يقوموا له إجلالا لكراهته لذلك وإذا قام إلى بيته لم يزالوا قياما حتى يدخل بيته صلى الله عليه وسلم لما يلزمهم من تعظيمه قبل علمهم بكراهة ذلك ، وقال عليه السلام للأنصار { قوموا لسيدكم } قيل تعظيما له ، وهو لا يحب ذلك .

وقيل : ليعينوه على النزول عن الدابة قلت : والنهي الوارد عن محبة القيام ينبغي أن يحمل على من يريد ذلك تجبرا أما من أراده لدفع الضرر عن نفسه والنقيصة به فلا ينبغي أن ينهى عنه ؛ لأن محبة دفع الأسباب المؤلمة مأذون فيها بخلاف التكبر ، ومن أحب ذلك تجبرا أيضا لا ينهى عن المحبة والميل لذلك الطبيعي بل لما يترتب عليه من أذية الناس إذا لم يقوموا ومؤاخذتهم عليه فإن الأمور الجبلية لا ينهى عنها فتأمل ذلك فقد ظهر الفرق بين المشروع من الموادة وغير المشروع

[ ص: 251 - 252 ]

التالي السابق


[ ص: 251 - 252 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والسبعون والمائتان بين قاعدة ما يباح في عشرة الناس من المكارمة وقاعدة ما ينهى عنه من ذلك )

وهو أن ما يباح من إكرام الناس قسمان ما وردت به نصوص الشريعة وما لم ترد به نصوصها ، ولا كان في السلف ولكن تجددت في حصرنا أسباب اعتباره بمقتضى قواعد الشرع فتعين فعله ، وهذا هو مراد عمر بن عبد العزيز بقوله : تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا [ ص: 276 ] من الفجور .

إذ معناه أنهم يحدثون أسبابا يقتضي الشرع فيها أمورا لم تكن قبل ذلك لأجل عدم سببها قبل ذلك ؛ لأنها شرع متجدد بل علم من القواعد الشرعية أن هذه الأسباب لو وجدت في زمن الصحابة لكانت هذه المسببات من فعلهم وصنعهم ، ولكن تأخر الحكم لتأخر سببه ، ولا يقتضي وقوع الحكم عند وقوع سببه تجديد شرع لم يكن في زمن الصحابة ألا ترى أن الله - تعالى - لو أنزل حكما في اللواط من رجم وغيره من العقوبات فلم يوجد اللواط في زمن الصحابة رضوان الله - تعالى - عليهم ووجد في زمننا اللواط فرتبنا عليه تلك العقوبة لم نكن مجددين لشرع بل متبعين لما تقرر في الشرع ، ولا فرق أن نعلم ذلك بنص أو بقواعد الشرع ، وما خرج عن هذين القسمين هو ما لا يباح من إكرام الناس .

وذلك أن ما وردت نصوص الشرع به من إكرام الناس هو نحو ما هو مبسوط في كتب الفقه من إفشاء السلام وإطعام الطعام وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء والاستئذان عند الدخول ، وأن لا يجلس على تكرمة أحد أي على فراشه إلا بإذنه ، ولا يؤم في منزله إلا بإذنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يؤمن أحد أحدا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه } وما لم ترد نصوص الشرع به ، ولا كان في السلف بل تجددت أسباب اعتباره في عصرنا فتعين بمقتضى القواعد الشرعية فعله من إكرام الناس قال الأصل : هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان ومن إحناء الرأس له إن عظم قدره جدا ومن المخاطبة بجمال الدين ونور الدين وعز الدين وغير ذلك من نعوت التكرمة وأنواع المخاطبات للملوك والأمراء والوزراء وأولي الرفعة من الولاة والعظماء والإعراض عن الأسماء والكنى ومن المكاتبات بنعوت التكريم أيضا لكل واحد على قدره كتسطير اسم الإنسان الكاتب بالمملوك ونحوه من ألفاظ التنزل والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس العالي والسامي والجناب ونحو ذلك من الأوصاف العرفية والمكاتبات العادية ومن ترتيب الناس في المجالس والمبالغة في ذلك قال : فهذا كله ونحوه من الأمور العادية لم تكن في السلف ونحن اليوم نفعله في المكارمات والموالات .

وهو جائز مأمور به مع كونه بدعة مكروهة تنزيها لا تحريما ؛ لأنه لما تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة فتعارض في فعلها المكروه ، وفي تركها المحرم ، وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم ، والتزم دفعه وحسم مادته وإن وقع المكروه كما هو قاعدة الشرع في زمن الصحابة وغيرهم لكن هذا التعارض ما وقع إلا في زمننا فاختص الحكم به فعلى هذا القانون يجري هذا القسم بشرط أن لا يبيح محرما ، ولا يترك واجبا وحينئذ فما خرج [ ص: 277 ] عن هذين القسمين من إكرام الناس نوعان

( الأول ) محرم .

وهو ما أباح محرما ، أو أدى إلى ترك واجب كما لو كان الملك أو غيره من الناس لا يرضى منا إلا بشرب الخمر وغيره من المعاصي فلا يحل لنا أن نواده بذلك ؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وكالقيام تعظيما لمن يحبه تجبرا من غير ضرورة فلا تجوز الموادة به ؛ لأن الواجب تركه لتهذيب نفس المتجبر وتأديبه

( والنوع الثاني ) مكروه تنزيها من حيث كونه بدعة مكروهة لم يعارض بمحرم حتى يباح فعله كالقيام تعظيما لمن لا يحبه ؛ لأنه يشبه فعل الجبابرة وبوقع فساد قلب الذي يقام له فافهم قال وبالجملة فالقيام لإكرام الناس إما أن يكون من القسم الأول الذي وردت به نصوص الشريعة أو من القسم الثاني المباح فعله لتجدد سببه فينقسم إلى ثلاثة أقسام : واجب ومندوب ومباح فالواجب هو ما أدى تركه إلى محرم كالمقاطعة والمدابرة فمن هنا لما حضرت يوما عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان من أعيان العلماء وأولي الجد في الدين والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة والثبات على الكتاب والسنة غير مكترث بالملوك فضلا عن غيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم وقدمت إليه فتيا فيها ما تقول أئمة الدين - وفقهم الله - في القيام الذي أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف هل يجوز أم لا يجوز ويحرم كتب ما نصه من غير زيادة ولا نقصان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ولا تدابروا ، ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا } وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة فلو قيل : بوجوبه ما كان بعيدا . ا هـ .

قلت : ومن هذا القيام عند ذكر مولده صلى الله عليه وسلم في تلاوة القصة فقد قال المولى أبو السعود أنه قد اشتهر اليوم في تعظيمه صلى الله عليه وسلم واعتيد في ذلك فعدم فعله يوجب عدم الاكتراث بالنبي صلى الله عليه وسلم وامتهانه فيكون كفرا مخالفا لوجود تعظيمه صلى الله عليه وسلم ا هـ .

أي إن لاحظ من لم يفعله تحقيره صلى الله عليه وسلم بذلك ، وإلا فهو معصية ، والمندوب هو ما كان للقادم من السفر فرحا بقدومه وقد { قام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك ليهنئه بتوبة الله - تعالى - عليه بحضوره عليه السلام ولم ينكر النبي عليه السلام عليه ذلك } فكان كعب يقول : لا أنساها لطلحة ، وقد { كان الصحابة - رضوان الله - تعالى - عليهم - إذا قام عليه السلام إلى بيته لم يزالوا قياما حتى يدخل بيته صلى الله عليه وسلم } لما يلزمهم من تعظيمه لكن كان ذلك منهم قبل علمهم أنه عليه السلام كان يكره أن يقام له فلما علموا بذلك كانوا إذا رأوه لم يقوموا له إجلالا لكراهته لذلك قلت : نعم خرج البيهقي في سننه أن عائشة [ ص: 278 ] رضي الله عنها قالت { ما رأيت أحدا أشبه كلاما وحديثا من فاطمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت إذا دخلت عليه رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه ، وكان إذا دخل عليها رحبت به وقامت وأخذت بيده فقبلتها } ، وقد { قال عليه السلام للأنصار قوموا لسيدكم } بناء على كونه تعظيما له .

وهو الظاهر من قوله لسيدكم لا ليعينوه ، وإلا لقال لهم قوموا لمريضكم أو لمجروحكم وحينئذ فيقال في الجواب كراهيته عليه السلام لقيامهم أنه من قبيل التواضع كما أن ذلك من جملة أجوبتهم عن قوله عليه السلام لمن قال له يا سيدنا لا تقل ذلك إنما السيد الله كما في رسالتي انتصار الاعتصام فتأمل ذلك ، قال الأصل : والمباح هو ما إذا فعل إجلالا لمن لا يريده أي تكبرا وتجبرا بل أراده لدفع ضرر النقيصة عن نفسه لما سيأتي قال : وإما أن يكون القيام مما خرج عن القسمين المذكورين فينقسم إلى قسمين : محرم ومكروه فالمحرم ما إذا فعل تعظيما لمن يحبه تجبرا من غير ضرورة والمكروه ما إذا فعل تعظيما لمن لا يحبه لما تقدم قال : والنهي الوارد عن محبة القيام في قوله عليه السلام { من أحب أن يتمثل له الناس أو الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار } ينبغي أن يحمل على من يريد ذلك تجبرا أما من أراده لدفع الضرر عن نفسه والنقيصة به فلا ينبغي أن ينهى عنه ؛ لأن محبة دفع الأسباب المؤلمة مأذون فيها بخلاف التكبر والتجبر نعم لا ينهى عن المحبة للقيام تجبرا وتكبرا والميل لذلك الطبيعي فإن الأمور الجبلية لا ينهى عنها بل إنما ينهى عما يترتب على ذلك من أذية الناس إذا لم يقوموا ومؤاخذتهم عليه فالقيام لإكرام الناس ينقسم إلى خمسة أقسام محرم ومكروه وواجب ومندوب ومباح فتأمل ذلك فقد ظهر الفرق بين المشروع من الموادة وغير المشروع منها هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة .

قلت : وهو مبني على مذهب الأصل وشيخه العز بن عبد السلام وابن الشاط وغير واحد المتقدم من أن البدعة تنقسم إلى الأحكام الخمسة أما على مذهب الإمام أبي إسحاق وغيره من متقدمي مذهب مالك رحمه الله تعالى المتقدم من أن البدعة لا تكون إلا ضلالة محرمة ، وإنما تتفاوت رتبها في التحريم فلا يباح من الموادة إلا ما وردت به نصوص الشريعة والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث